رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كل عام يستجيب المسلمون في كل أصقاع الأرض لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام، حين رفع وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعد البيت وأذّن في الناس فظلت دعوته تتردد على مدار العصور عابرة أقطار الأرض وأصقاعها البعيدة ليأتي الناس من كل فج عميق ملبين مهللين يدفعهم الشوق والحنين، والرجاء والدموع، وألسنتهم تصدح (لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لبيك اللهم لبيك. قال تعالى:"وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق.(الحج الآية: 27)
والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو: ما معنى الحج وما دلالاته؟
هذه السطور هي محاولة للإجابة على هذا السؤال المهم.
الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهو عبادة عظيمة يتقرب بها المسلمون إلى ربهم حين يقصدون بيته الحرام في مكة المكرمة محرمين متحررين من المخيط ومن بهارج الدنيا وزخارفها وهمومها ومشاغلها متطلعين إليه بالتضرع والدعاء، والأمل والرجاء سائلينه أن يقبل توبتهم ويغفر ذنوبهم ويدخلهم في عباده الصالحين، ويشملهم بفيض نوره وحبه، وهو أمل جميع المسلمين في شتى أنحاء الأرض على امتداد الأجيال ومدار السنين. وهكذا يقصد المسلمون البيت العتيق ليؤدون مناسك الحج وأركانه بحب يفيض من قلوبهم ومشاعرهم، وإخلاص كامل لربهم مستحضرين عبق التاريخ وذكريات الأمس، ملتمسين ومشاهدين عن كثب أهم مشاهده على الأرض المقدسة المباركة.
يبدأ الحجيج رحلتهم وقد تحرروا من المخيط ومن بهارج الدنيا وزينتها وومشاغلها وهمومها، منطلقين من سجن الغرائز والأهواء والشهوات، ومن عالم الغفلة والأطماع، والمصالح المتضاربة والصراع. إلى عالم الحرية الحقيقية، فلا سلطة ولا جاه، ولا مال ولا ذهب، ولا صاحبة ولا ولد، يمكن أن تمس قلوبهم أو تشغل بال الواحد منهم عن حب الله – عز وجل – وحب رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
تتذكر جموع الحجيج في هذا الموقف العظيم
وهم محرمون ومتجردون من أزياء الدنيا وهمومها يوم الحشر الأعظم الذي يلي بعث الأموات من القبور. فهاهم في موقف رهيب وقد جاءوا من كل حدب وصوب ليقوموا لرب العالمين متجردين من الدنيا متخلين عن مناصبهم ومواقعهم في الحياة فلا وزير ولا غفير ولا غني ولا فقير ولا أبيض ولا أسود.. ولا رفث ولا صخب، ولا جدال ولا فسوق ولا تشاحن ولا تباغض ولا تدافع ولا اهتمام بالبدن بل.. القلوب معلقة بخالقها والأبصار شاخصة إليه والأكف مرتفعة بالتضرع والدعاء، والأرواح تسمو وترتقي إلى السماء، وكل أتوه خاشعين مؤملين أن يقبل توبتهم ويعفو عن سيئاتهم قبل أن يحين الأجل أو تفوت الفرصة.
الإسلام دين يعزز الجماعة ويقويها ويدعم روحها وكل فرائضه وأركانه الخمسة تعمل في هذا السياق لتوحيد المسلمين ولم شملهم وإنجاز التكافل والتواد والتراحم بينهم وتأكيد قيم الحب والأمن والسلام لهم ولمن حولهم فكما أن الصلاة صلة بين العبد وربه فهي كذلك صلة بين الإنسان المسلم وأخيه وهي في جوهرها دعوة لوحدة الصف والهدف والعقيدة. والحج في كل مناسكه مجسد لهذا المعنى فحين تجتمع جماهير الحجيج متحررة من القيود في مؤتمر سنوي عام. تلتقي فيه على كلمة التوحيد لتعلن حبها الكبيرلخالقها وتمسكها بالإسلام عقيدة وشريعة ورفضها البات والقاطع لكل صور وأشكال العبودية لغير الله. واستعدادها لمقاومة الظلم والظلام وكل قوى الاستكبار والاستغلال في الأرض. وهي حين تفعل ذلك تعلن بلا تردد ولا خفاء أن الأمة الإسلامية أمة واحدة ربها واحد ودينها واحد وجسدها واحد مطبقة قول خالقها عز وجل (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (الأنبياء:21)
وحين يطوف الحاج بالبيت العتيق فإنه يؤكد تمسكه بالإسلام دينا ومنهجا، سلوكا ومسارا. كما يؤكد اتساقه مع حركة كل المخلوقات من الذرة الصغيرة إلى الجرم الكبير في دورانها حول الواحد الأحد. والطواف في نهاية الأمر ليس إلا صورة من صور التسبيح. وضربا من ضروب الصلاة وشكلا من أشكال الخضوع لله الواحد الأحد. الفرد الصمد. وكما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم فإن الطواف كالصلاة إلا أن الصلاة لا كلام فيها قال صلى الله عليه وسلم: الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير) والبيت العتيق كما قال ابن الزبير سمي بالعتيق لأن الله سبحانه وتعالى أعتقه من الجبابرة(تفسير الطبري المجلد التاسع الجزء 17 ص 107) وعلى هذا النحو ولموقعه ومكانته فهو رمز لحرية الإنسان وتحرره من كافة أشكال وصور العبودية وحين يطوف الحجيج به فإنهم يعلنون تمسكهم بالحرية وبكلمة التوحيد.
الحج تحرير للإنسان من كل صور الاستلاب والاغتراب، ومن كل صور وأشكال الأنانية والفردية. وكل صور وأشكال السوبرمانية والعدمية. والعبثية والداروينية الاجتماعية وكل صور وأشكال الفلسفات المادية التي جعلت من بعض الناس سادة ومن بعضهم الآخر عبيدا يعانون مرارة الإقصاء والتهميش. والإذلال والإفقار. فكل الناس سواسية كأسنان المشط وكلهم لآدم وآدم من تراب ومشهد الحج الأكبر يؤكد هذه المعاني حين ترتفع اصوات الحجيج بالتلبية والذكر لتتردد في الفضاء مسافرة في أقطار السموات والأرض حاملة استجابتهم لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام مؤكدين حرية الإنسان في كل مكان وزمان من كل صور وأشكال الاستغلال والعبودية. فعبودية الإنسان تنفي بتاتا أن يكون خضوع المخلوق لغير خالقه. فالله مصدر كل خير ونعمة والإنسان هو القيمة النهائية في الوجود قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات الآية 13).
في مشهد الحج الأكبر يتذكر جموع الحجيج تاريخ أمتهم المجيد وتتجه العقول والأفئدة إليه فيتأمل الجميع رحلة أبيهم إبراهيم عليه السلام وأمهم هاجر إلى الصحراء القاحلة العارية من الخضرة والنبات والخالية من الماء والزاد. وكيف قاوما كل محاولات الشيطان اللعين وصدعا لأمر ربهما متحررين من كل ميل وهوى منفذين أمر الله جل وعلا – فانتصر حب الله فيهما على ما سواه وذهبت محاولات الشيطان جميعها أدراج الرياح وهاهي الجموع ترمي بالحصيات عدوها وعدو إبراهيم وآدم عليهما السلام في أرض منى مؤكدة أن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر وأن حفظ الدين وحماية الحرمات والمقدسات مقدم على أي حب آخر مهما كان إغواء الشيطان ومهما كانت المغريات.
لقد كان إنفاذ إبراهيم عليه السلام لرؤيته بشأن ابنه إسماعيل عليه السلام تأكيدا لعبوديته الكاملة والخالصة لخالقه وفيه من الدروس والعبر
على جبل عرفات الطاهر المبارك وعلى صعيده المعطر حيث وقف الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه والصالحون والمهتدون بنور الله. تكون معرفة الله سنام كل معرفة وأساس كل قيمة ويكون حب الله فوق كل حب ولا غرو في ذلك فمعرفة الله هي المعرفة الأكمل والأجمل والأجدر وفوق أديم ترابه وعلى رباه وقممه تكون المناجاة الخالصة والمباشرة بين الإنسان وخالقه. وتكون الصلة المستمرة فيتوجه الحاج بقلبه وعقله ووجدانه نحو خالقه وترتفع الدعوات المبللة بالرجاء والدموع إلى عنان السماء راجية القبول والمغفرة. ويحفر الحاج في قلبه وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدماء والنساء والأموال فلا يظلم امرأة ولايسفك دما ولا يسرق مالا.
وفي المشعر الحرام تتنامى في وجدانه كل مشاعر الحب والخير إزاء ربه ويضيء في قلبه نور الله فلا يلتفت إلى همسات الشيطان ولا تقهره الغرائز والاهواء.
وهكذا يعود الحاج كما ولدته أمه.. ميلاد جديد بلا ذنوب ولا خطايا وإنسان جديد محب للخير قلبه أخضر ويده بيضاء مستحضرا دائما درس الحج ومعناه ودلالاته.. إنسان جديد لا يحقد ولا يكره. ولا يبطش ولا يفحش. ولايقتل ولايعتدي. بل يمد يده بالخير والعطاء والمودة والسخاء لإخوته ولسائر الناس مؤمنا بأن الحب والسلام والتسامح مفاتيح البقاء والاستمرار فوق الأرض
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2658
| 27 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2325
| 01 مارس 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2160
| 25 فبراير 2026