رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعتبر الأوضاع الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الحاضر إيجابية لحد كبير بل ليس من السهل تصور ظرف اقتصادي أفضل مما عليه واقع الحال. طبعا لا مناص من ربط الموضوع بشكل جوهري ببقاء أسعار النفط مرتفعة لفترة زمنية والتأثيرات الإيجابية لذلك على النمو الاقتصادي وقدرة تحقيق فوائض مالية للموازنة العامة والحساب الجاري فضلا عن تعزيز الاحتياطي العام للدول الست.
حقيقة القول يعد القطاع النفطي حيويا في اقتصادات دول مجلس التعاون كونه يساهم في المتوسط ثلثي كل من دخل الخزانة العامة والصادرات فضلا عن ثلث الناتج المحلي الإجمالي. وفي هذا الصدد تتوقع العديد من المصادر المعتبرة بقاء أسعار النفط فوق حاجز 100 دولار للبرميل في العام 2013 على أقل تقدير ما يعني استمرار توقع تسجيل نتائج مرغوب فيها في الاقتصادات الخليجية.
من جملة الأمور توفر ظاهرة بقاء أسعار النفط مرتفعة إفساح المجال أمام زيادة النفقات العامة وبالتالي إمكانية تحقيق نمو اقتصادي لافت. وخير دليل على هذا الزعم تسجيل اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل إجمالي نمو قدره 7.5 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي في 2011. بكل تأكيد كان هناك تفاوت في الأداء خصوصا بالنسبة لقطر وقدرت اقتصادها على تحقيق نمو مرتفع نسبيا.
ومن حسن الحظ تم تسجيل هذا الحد من النمو الاقتصادي في ظل شبه غياب لمعضلة التضخم لأسباب تشمل محدودية الضغوط في أحسن الأحوال فيما خص المواد الغذائية المستوردة. تتميز دول التعاون وهي محقة بذلك بتقدير حقيقة عدم تمتعها بميزات تنافسية في مجال الإنتاج الغذائي وعليه الحاجة للاستيراد.
من جهة أخرى، يوجد توقع عام بتراجع نسبة النمو في العام 2012 لأسباب منها عدم قدرة دول مجلس التعاون الخليجي المحافظة على مستويات صرف القطاع العام. بيد أنه علينا الانتظار للنتائج النهائية للوقوف على حقيقة الموقف بدل الاعتماد على بعض التوقعات المحافظة والتي يتم إعدادها قبل فترة والتي ربما لم تأخذ بعين الاعتبار استمرار ظاهرة بقاء أسعار النفط مرتفعة.
في المحصلة، يلاحظ قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على تحطيم أرقام جديدة لحجم الناتج المحلي الإجمالي بين الحين والآخر وبصورة لافتة. استنادا لإحصاءات صندوق النقد الدولي بلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للدول الست بعد خصم معدل التضخم قرابة 1.372 مليار دولار في العام 2011. بل من المتوقع وصول الرقم إلى 1.487 مليار دولار في 2012 ومن ثم 1.534 مليار دولار في 2014.
وفي هذا الصدد لابد من التأكيد على حصول السعودية على مرتبة متقدمة بين كبرى الاقتصادات العالمية وتحديدا الرقم 20 دوليا. تبلغ قيمة الناتج المحلي الإجمالي للسعودية 633 مليار دولار ما يعني حلول المملكة في مرتبة أفضل من ترتيب بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل السويد وبولندا وبلجيكا والنرويج فضلا عن الدول الإسلامية والآسيوية.
ثم إن هناك موضوع الفوائض المالية في الموازنات العامة للدول الست حيث بلغت 174 مليار دولار في العام 2011. ويعد هذا الرقم نوعيا كونه يشكل 12.7 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي الخليجي.
عموما لابد من النظر لهذا الأداء مع أحد شروط الاتحاد النقدي الخليجي والذي دخل حيز التنفيذ بداية العام 2010 بمشاركة أربع دول وهي السعودية وقطر والكويت والبحرين وفي غياب الإمارات وعمان. ويلزم المشروع بضمان عدم ارتفاع عجز الموازنة المالية عن حاجز 3 في المائة للناتج المحلي الإجمالي.
وقد تبين في الآونة الأخيرة قدرة دول مجلس التعاون على تسجيل فوائض مالية ضخمة حيث نجحت السعودية على سبيل المثال بتحويل العجز المتوقع وقدره 11 مليار دولار إلى فائض في حدود 82 مليار دولار في السنة المالية 2011. وقد تحقق هذا الأداء رغم تعزيز النفقات العامة لكن في ظل ارتفاع حجم الإيرادات العامة.
وفيما يخص قطر فقد تم إعداد موازنة السنة المالية 13-2012 بتوقع فائض قدره 7.7 مليار دولار. والتميز هنا عبارة عن توقع فائض وليس عجزا، ما يعد أمرا ملفتا. بل ليس من المستبعد تعزيز الفائض في نهاية المطاف بالنظر لاعتماد متوسط سعر 65 دولارا للبرميل أي أقل بكثير من الأسعار السائدة في الأسواق العالمية الأمر الذي يفسح المجال أمام ارتفاع الإيرادات. حقيقة القول أصبحت ظاهرة تسجيل فائض في الموازنة العامة حقيقة واقعية للدول الست بلا استثناء.
إضافة إلى ذلك، هناك موضوع الفوائض في مجال الحسابات الجارية وذلك على خلفية بقاء أسعار النفط مرتفعة. تشير أحدث الأرقام والتوقعات إلى تحقيق فائض في الحساب الجاري للدول الست قرابة 363 مليار دولار في العام أو أكثر من 26 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي ما يعد إنجازا بالمقاييس الدولية. بل يتوقع ارتفاع مستوى فائض الحسابات الجارية لحد 383 مليار دولار في 2012.
وكنتيجة إيجابية لفوائض المالية العامة والحسابات الجارية فقد بلغ حجم الاحتياطي الدولي للدول الست قرابة 1.6 تريليون دولار في العام 2011 وربما يفوق المبلغ حاجز 1.9 تريليون دولار في 2012 أي أكثر من حجم الناتج المحلي الإجمالي في كل حال من الأحوال. بل يتوقع بلوغ المبلغ لحد 3 تريليونات دولار في العام 2017.
باختصار، ليس من الخطأ منح دول مجلس التعاون الخليجي علامة متميزة على أدائها الاقتصادي سواء بالنسبة للنمو الاقتصادي والفوائض المالية فيما يخص الموازنة العامة والحسابات الجارية والموجودات في الخارج. على أقل تقدير، لا يتوقع حصول تراجع في الأداء الاقتصادي للدول الست للسنوات القليلة القادمة على خلفية توقع بقاء أسعار النفط مرتفعة لأسباب تشمل نمو الاقتصاد العالمي.
آفاق الاقتصاد الخليجي
15 % نسبة ارتفاع النفقات العامة تتوقع المؤسسات الدولية ذات العلاقة والمعنية بالمسائل الاقتصادية في العالم أداء طيبا... اقرأ المزيد
777
| 30 ديسمبر 2018
تكيف المنظومة الخليجية مع أسعار النفط
توجيه دفة الاقتصاد الوطني لتقوية القطاع الخاص يوماً بعد آخر يتبين بالأدلة المادية تمكن اقتصادات دول مجلس التعاون... اقرأ المزيد
604
| 16 ديسمبر 2018
نفقات السائح الخليجي
توجيه الاستثمارات لبناء وتطوير المطارات السائح الخليجي مرحب به في الدول الأوروبية بشكل خاص نظراً لتمتعه بالصفات الحيوية... اقرأ المزيد
825
| 09 ديسمبر 2018
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10374
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3489
| 22 أكتوبر 2026