رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في آخر زيارة لي لمدينة صنعاء القديمة، أُصبت بالصدمة من هول ما رأيت من اهمال شديد وتعديات بالجملة، شوهت جمال ما تبقى من هذه المدينة العريقة، التي أسهب في الحديث عنها الحكماء، وهام وتغنى بها الشعراء، وتزاحمت بقصصها وأساطيرها كتب التاريخ، حتى قيل إنها السحر الذي أصبح مدينة، في هذه المقالة احاول أن أعيد التذكير بالقيمة العظيمة لهذه المدينة التاريخية، علها تلفت نظر الجهات المعنية للاهتمام والمحافظة على ما تبقى منها.
ذكر الرازي في كتابه "تاريخ صنعاء" أنه لمّا توفي نوح عليه السلام ارتأى ابنه سام السكنى في أرض الشمال فأقبل طالعا في الجنوب يرتاد أطيب البلاد حتى صار إلى الإقليم الأول فوجد اليمن أطيبه مسكنا، وارتاد اليمن فوجد حقل صنعاء أطيبها. فوضع مقرانة ـ وهو الخيط الذي يقدر به البنّاء إذا مدّه بموضع الأساس ـ في ناحية فج عضدان في غربي الحقل مما يلي جبل عيبان، بين نقم وعيبان، وهما جبلا صنعاء شرقياً وغربياً، وتقع صنعاء القديمة اليوم فيما بينهما.
يُخيل لمن يدخلها أول مرة أنه امام متحف مفتوح بكل ما فيها من حجر وبشر، فقد حافظة صنعاء على رونقها، وتمسك سُكانها بعادات وتقاليد أهلها القدامى. تصيب الناظرين إليها بالدهشة، وهو ما تسأل عنه الأديب اليمني عبد العزيز المقالح، عما يصنع الدهشة في عيون زائري مدينة صنعاء القديمة، هل هو عطر التاريخ أم شيخوخة الأحجار، هل هو نظام البناء أم مادة البناء، وهل هو توهج الأيام الغابرة أم طريقة التخطيط والترتيب. في صنعاء، أصبح الفن كائناً حياً يسير في أزقتها وينفذ من تدرج ألوان عقودها ليتسلل الى أعماق النفس البشرية، معطراً بنكهة قوية من التاريخ.
وحدها صنعاء بين سائر المدن القديمة تميزت بما يُطلق عليه، المجمعات السكنية الصديقة للبيئة، او بما يعرف في صنعاء بالبناء حول "المقاشم"، تميزت به وبما يرتبط بهذا الفهم من تداخل حيوي بين البناء كفن والبيئة الطبيعة من حوله، التي جعلت من هذه المباني تحفا فنية انشقت من ذات الاض. وقديماً في معظم الحضارات كانت الحدائق يرتبط بناؤها بقصور الحكام والأمراء، أما في صنعاء فالحدائق والبساتين مكون رئيسي في معظم أحيائها.
تضم صنعاء اربعة أنماط معمارية، النمط العربي الذي كان شائعا قبل الإسلام، والنمط الإسلامي الذي انتشر وشاع بعد ظهور الإسلام، والنمط العثماني، وأخيراً النمط اليهودي. قُسمت مدينة صنعاء جغرافياً الى ثلاثة أجزاء، اولاً الجزء الشرقي من المدينة وهو الجزء الأكبر والأهم الذي يضم الأحياء القديمة والأسواق والمساجد والمآذن، وتميزت فيه المباني بالفخامة والزخرفة وتعدد الطوابق، وتجلت فيه أهم خصائص فن المعمار اليمني القديم، ببساطته الساحرة وجمالياته المبهرة. ثانياً، الجزء الأوسط، وهو مجموعة من الحدائق يتوسطها منازل ذات الطابع العثماني، التي تحل الشبابيك الخشبية فيها محل النوافذ والعقود الزجاجية الملونة المنتشرة في باقي المدينة.
ثالثاً، الجزء الذي يضم مدينة اليهود بأحيائها الكثيرة وأزقتها الضيقة وبسوقها الصغير الذي قسم هذه المدينة الصغيرة إلى قسمين أحدهما شمالي والآخر جنوبي، وتميزت منازل الأحياء اليهودية بنمط مغاير لكل الاساليب العربية والاسلامية والعثمانية الشائعة في صنعاء، بحيث أن ارتفاعها لا يزيد عن طابقين، وكل منزل ملاصق للمنزل الاخر حتى ان الأسطح تبدو كأنها سطح منزل واحد، ويتوسط سطح كل بيت فتحة واسعة رصفت أرضيتها بالأحجار، كما يتوسط سطح أهم غرفة في المنزل فتحة صغيرة خاصة بالطقوس الدينية اليهودية وتظل هذه الفتحة مغلقة ولا تفتح إلا في الأعياد ومناسبات اخرى معينة. وكان يفصل ما بين مدينة اليهود والجزء الأوسط من المدينة سور ترابي يتواصل مع السور الكبير لـ صنعاء، وكان له بابان يغلقان مع غروب الشمس ويفتحان مع شروقها.
واستُخدم في بناء معظم منازل صنعاء القديمة الحجر الهندي واللبن والآجر و"الطوب المحرق" القرميد، وكلها مزخرفة ومبيضة بالجص من الخارج. ويبلغ ارتفاع بعض منازل صنعاء اليوم ثمانية طوابق، ويصل بين كل طابق حزام من الخارج يتم عمله من مادة البناء نفسها بأشكال هندسية رائعة الزخرفة. ويستعمل الطابق الأرضي عادة كمخزن، والطابق الأول يكون فيه دواوين كبيرة واسعة للاجتماع في المناسبات. والطابق الثالث يخصص للنساء والأطفال، أما الطوابق الأخيرة المرتفعة فينفرد بها الرجال. ويوجد في معظم منازل صنعاء القديمة حجرات في أعالي المنازل تدعى مفرج أو طيرمانة، وهي مستطيلة الشكل ذات نوافذ واسعة ومنخفضة ليتمكن الجالسين فيها أثناء المقيل من رؤية حقول صنعاء وبساتينها وازقتها الضيقة. وكان يراعى في تصميم هذه الغرف أمور عدة، أهمها تقلبات المناخ، ما يجعل هذه الحجرات معتدلة الحرارة والبرودة صيفاً وشتاءً.
كلمة "صنعاء" في الكُتب القديمة تعني المدينة الحصينة، فقد كان لصنعاء سبعة ابواب وسور عظيم يحيط بها من جميع اطرافها، بني من جدران سميكة معمولة من الطين واللبن، ويوجد في هذا السور ابراج خاصة بالجنود القائمين على حراسة صنعاء، بنيت على ابعاد متناسبة ومسافات هندسية متساوية، وكان يوضع فيها المجانيق. للأسف لم يبق من ذلك السور الا جزء صغير جداً من الجهة الجنوبية الذي يوجد فيه باب اليمن، وحتى هذا الجزء يتعرض حالياً للخراب بسبب عدم ترميمه منذ فترة طويلة، ويتخوف المهتمين بالتراث من أن ينهار هو ايضاً، أن لم تتحرك الجهات والمنظمات المعنية. أما الأبواب فلم يبقى منها إلا باب اليمن وهو الباب الوحيد من الأبواب السبعة الذي لا يزال موجود، وظل محافظ على جماله وروعته بالرغم من كل هذه السنين.
كان في صنعاء ما يقارب 106مساجد كما ذكر الرازي في كتابه تاريخ صنعاء، لم يتبق منها إلا النصف تقريباً، وأشهرها مسجد الجامع الكبير،
وهو أول مسجد بني في اليمن، بحسب بعض الروايات. وقد تتابعت فيه أعمال التوسعة، الى أن نزل سيل عظيم في سنة 265هـ، دمر جزءا كبيرا من المسجد، فقام أمير اليمن حينها محمد بن يعفر الحوالي ببنائه من جديد وقام بتوسعة حتى أصبح على هيئته الراهنة التي نراها اليوم، بحسب بعض المؤرخين. ورغم أنه قد تم توسعته وجُدد أكثر من مرة خلال أزمان متعددة، إلا انه ما زال على أحسن حال ويحوي الكثير من القطع التاريخية الاثرية، حتى أن بعض القطع التي استخدمت في بنا المسجد هي قطعاً أثرية كالحجارة التي قيل انها اخذت من أنقاض قصر غمدان ودعائم تحمل نقوشا قديمة نحتت نحتاً فنياً متقناً، وباباً قديماً عليه نقوش حميرية بارزة.
ذكر المؤرخون انه كان يوجد في صنعاء القديمة أكثر من 28 سوقا، إذ كان لكل حرفة ومحصول زراعي أو منتج سوق خاص به. بعض هذه الأسواق اختفى تماماً، والبعض الآخر ظل قائماً ولا يزال محافظا على الشكل والنمط القديم التي بني عليه، وما زالت هذه الأسواق تعج بالزوار من كل مدن اليمن. من هذه الاسواق التي ظلت قائمة الى الآن، سوق الملح، الذي يوجد به الكثير من المطاعم والمقاهي التي تقدم المأكولات والمشروبات الصنعانية التقليدية. وتشتهر صنعاء منذ القدم بصناعة "الجنابي" الخناجر وأحزمتها الجلدية، ويطلق عليه في اليمن "عسيب"، والصيغ الفضية والذهبية والأدوات المنزلية النحاسية والفخارية. وبقيت صنعاء لعقود محطة تجارية مهمة، ووجهة كل تاجر ومهوى افئدة كل رحالة، فقالوا عنها "صنعاء حوت كل فن"، و"لابد من صنعاء وإن طال السفر، وان تحنى كل عود وانعقر".
بالرغم من كل ما حل بصنعاء من خراب جراء الحرب الاخيرة والأوضاع غير المستقرة التي لا تزال مستمرة، إلا أن التاريخ أخبرنا أن صنعاء كان قدرها دائماً أن تكون في فوضى وتقلبات الأحداث، فهي ذات المدينة التي كادت أن تُقتلع من جذورها في عهود الاضطرابات السياسية العديدة التي مرت بها اليمن. فما أكثر الخراب الذي حل بها، فقد تم اجتياحها ومحاصرتها مرات عديدة لدرجة انه تم اقتحامها أكثر من عشرين مرة خلال اثني عشر عاماً، بين 901م و913م، لكن قدر موقعها كان دائما قادراً على ان يستعيدها من جديد. لقد صمدت صنعاء قروناً ضد الكوارث الطبيعية كالسيول والتقلبات المناخية الأخرى، وصمدت أيضا ضد عدوان الإنسان، وبقيت إلى اليوم شاهدا حياً على حضارة أصيلة، ذات مستوى فني رفيع، مزجت بين الفن الجميل والتصميم المعماري الفريد مستجيبة في ذات الوقت لحاجات ساكنيها المادية والنفسية والروحية.
المصدر: الجزيرة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10488
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3684
| 22 أكتوبر 2026