رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من يتابع تحركات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال السنوات الأخيرة، لا شك أنه مقتنع بأنه لم يعد في حاجة لبثّ رسائل مشفرة إلى خصومه الدوليين، والحصيف هو عندما يرى نيوب الليث بارزة لا يظن أبداً أن الليث يبتسم. فما هي حدود طموحات بوتين داخليا وخارجيا، وإن كانت طموحاته الداخلية تعتبر شأناً داخلياً وأن آثارها تبقى في حدود الداخل الروسي، فما هي حدودها خارجياً، وإلى أي حدٍّ يملك بوتين نفسه عند تصاعد حالة العظمة والغضب والثأر لديه، يدرك أن المغامرات العسكرية ليست نزهة وإنما تخلّف واقعاً من الدمار الشامل؟. في المقابل ومنذ سقوط أو إسقاط "إمبراطورية" الاتحاد السوفييتي التي ورثها بوتين مفككة مهيضة الجناح، هل أمعن الغرب في "احتقار" بوتين و"إمبراطوريتيه" الجريحة لأكثر من ثلاثة عقود، فاستدعى ذلك أن يغضب بوتين ويثور بعد أن أكمل لعق جراحه مردداً قول الشاعر عمر أبو ريشة:
إن للجرح صيحة فابعثيها ** في سماع الدنى فحيح سعير
المحللون أجمعوا أن هناك تحولاً عميقا في حركية العقل الروسي وإستراتيجيته تجاه الفضاء الجيوسياسي المحيط، بل في ما أبعد من الفضاء المحيط. لقد تجاوز بوتين ذو الخلفية المخابراتية خلال عقدين ونصف من الزمان التفكير التقليدي لأسلافه من قادة روسيا القيصرية ثم روسيا السوفيتية، وكان متعلقا بالمجال الجغرافي الحيوي المحيط بالإمبراطورية في مناطق القوقاز ووسط آسيا وأوروبا الشرقية والبلطيق.
بيد أن اليوم طموحات قيصر روسيا الجديد ترتكز على فكرة أيدولوجية جديدة تستصحب السلطة المعنوية للكنيسة الأرثوذكية ليس في روسيا فحسب، وإنما في العالم وتأثيرها على العلاقات الدولية. وبذلك يكون بوتين قد أقر بموت الأيدولوجية الشيوعية وكتب شهادة وفاتها وشيعها لمثواها الأخير ضمن متحف التاريخ الإنساني. فهذا تحول دراماتيكي في إطار لعبة السياسة باعتبارها أداة للسيطرة والتحكم؛ ففي الحقبة الشيوعية، كان "الدين أفيون الشعوب"، ونال رجال الدين من الأرثوذكس والمسلمين وغيرهم حظوظا غير منقوصة من المذابح والتنكيل. لكن بوتين اليوم يتقرب إلى رجال الدين الأرثوذكس ويظهر الاحترام للكنيسة وسدنتها، بل إن التشريعات والقوانين الموقعة بقلمه تترا، وهي تحض على القيم الروحية التي تتأسَّس عليها الإمبراطورية الروسية. وهناك من يرى أن توجّه بوتين هذا ليس مجرد تكتيك محدود ولا براغماتية ظرفية وإنما هي إستراتيجية بعيدة تمهد عودة روسيا لنموذج سلطوي كما في عهد الإمبراطورية البيزنطية، وكان نموذجا متحالفا مع الكنيسة الأرثوذكسية.
إن اعتصام بوتين بحِمى الكنيسة الأرثوذكية يؤكد ديمومة الصراع بين الشرق والغرب وهو الأمر الذي لم يتغير رغم تغير أدوات الصراع؛ فمنذ العام 451م، وقع حدث كبير تسبب في تمايز المسيحية إلى كنيستين شرقية وغربية، تختلف نظرة كل منهما تجاه بعض المسائل العقدية المتعلقة بالمسيح والثالوث وغيرها. ومن المعلوم أن هناك بابا للكاثوليك في الفاتيكان، وآخر للأرثوذكس في الإسكندرية، ومع تنامي التحالف المتوثّب الضاري بين القوة المادية العسكرية والمتمثلة في الكرملين وقيصره من جهة، وبين القوة المعنوية المتمثلة في الكنيسة الأرثوذكية من جهة أخرى، فهل تنتقل بابوية الكنيسة الأرثوذكية من الإسكندرية إلى موسكو؟.
ولعل من حاول قراءة لغة الجسد التي استخدمها بوتين مع ضيفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل نحو أكثر من أسبوع، وكانت مثار جدل عالمي لم ينتهِ بعد، لا شك أنه يمكنه سبر أغوار ما يفكر به بوتين. فقد أراد إرسال رسائل إلى الغرب بمكوناته السياسية والدينية، مفادها أننا قادمون، نحن روسيا البيزنطية والكنيسة الأرثوذكية. جاء ماكرون الذي يرأس حاليا مجموعة الاتحاد الأوروبي وهي جزء مهم من الغرب، للتوسط في الأزمة الأوكرانية، وهي قضية تفصيلية صغيرة في إطار الصراع بين الشرق والغرب، لكنها بدت بشكل متعمد ولسبب ما، قضية محورية على الأقل من جانب الغرب الذي زرع بعناية مكبرات صوت في أوكرانيا ليسمع العالم صراخها كلما نحنح القيصر الروسي، والنحيح لغة صوت يُردِّدُه الرجلُ في جوفه.
في تلكم الزيارة قال بوتين لماكرون ليس موضوعنا أوكرانيا فروسيا قادرة على "تأديبها" وإعادتها للسرب البيزنطي، فعُد من حيث أتيت ولا تعقّب. ولم يصافح بوتين ضيفه وأجلسه في طرف طاولة طويلة جعلت بينهما مسافة ممتدة، بصورة أثارت السخرية. ولم يُزل استغراب العالم تلك التفسيرات التي أطلقها القصر الرئاسي الفرنسي بأن ذلك كان بسبب التزام ماكرون بقواعد تباعد اجتماعي في روسيا شديدة الصرامة. لكن بوتين استقبل بعد ثلاثة أيام فقط رئيس كازاخستان وصافحه وجلسا متقاربين لا يفصل بينهما سوى طاولة صغيرة لوضع القهوة عليها.
إن ما يشجع طموحات بوتين هو تفكك المنظومة الغربية وتضعضها، ابتداءً من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل نحو عام، فضلا عن تلك الأزمة الناشبة عن الاتفاقية الأمنية التي ضمت الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا في سبتمبر الماضي، وهي التي أثارت غضب فرنسا والاتحاد الأوروبي قبل أن تثير غضب الصين وقد كانت الطرف المستهدف أصالة وهي ضمن الشرق الجيوسياسي. وانتقدت فرنسا ومن ورائها الاتحاد الأوروبي، تلك الاتفاقية ورأت في الأمر "خيانة" و"طعنة في الظهر"، إذ جاءت على حساب صفقة عقدتها مع أستراليا منذ 2016.
العبرة المستخلصة أن الدين ليس محورا أساسيا في الحياة اليومية وإنما محرك مهم لدولاب السياسية وكذلك الأطماع والطموحات السلطويّة غير المحدودة؛ بيد أن الغرب والشرق المسيحيين معا وهما يستخدمان الدين، يحرمان على المسلمين ليس استخدام دينهم على نحو رغائبي كا يفعلون، ولكن حتى مجرد تطبيقه في حياتهم والأخذ بقيمه السمحاء، فاجترحوا "تهمة" الإسلام السياسي ومضوا رفقة مواليهم في الداخل الإسلامي يدبجون المرافعات الكيدية الظالمة. إن الإسلام هو الدين الخاتم والمعترف بكل الأديان السماوية، وهو الدين الذي يمكن أن يؤسس ليس لإمبراطورية سلطوية ولا مدينة إفلاطونية فاضلة، ولكنه يؤسس لعالم مستقر يسوده سلامٌ ورفاهٌ مستدام.
yasirmahgoub@hotmail.com
yasir_mahgoub@
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
1011
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
819
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1215
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2772
| 30 أكتوبر 2026