رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
" أوصيهم بما أوصيت به أبناء مصر أن يثبتوا ومهما ضحوا فإنهم منتصرون .. القذافي زال .. انتهى القذافي" .. هكذا صاح رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي من على منبر قناة الجزيرة ردا على المذابح التي ترتكبها قوات القذافي في مواجهة ثورة السابع عشر من فبراير.
وقد تكرر هذا الموقف القوي من الشيخ القرضاوي في الأيام التالية مع اندلاع الثورات في كل من اليمن وسوريا والعراق وغيرها من الدول العربية .. حيث أعلن بشكل صريح أن الأمة تعيش مخاضا عظيما لم تر مثله منذ سقوط الخلافة الإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى في بدايات القرن الماضي .. وأن هذا المخاض الذي تلعب فيه الشعوب الدور الأساسي سوف يقود إلى يقظة الأمة العربية ودخولها في قطار التاريخ بعد أن خرجت منه طوال العقود الماضية بفعل سيطرة أنظمة الحكم المتخلفة والمتحالفة مع أعداء الأمة عليها.
هذا الدور الذي لعبه وما زال الاتحاد .. يعد امتدادا للدور الذي لعبه خلال الفترة السابقة على هذه الثورات، رغم أن هذا الدور كان يراعي إلى حد ما مواقف الأنظمة الحاكمة بغية عدم الدخول معها في صدام يعقد ما يسعى إليه .. وقد شهدنا ذلك خلال الحرب التي شنتها إسرائيل ضد حزب الله في العام 2006 وكذلك الأمر في الحرب التي شنتها على حركة حماس في العام 2008 حيث طالب الاتحاد من قادة الدول العربية التحرك لمواجهة هذا العدوان الإسرائيلي وتقديم النصرة لقوى المقاومة .. وقد قام رئيس الاتحاد وبعض قادته بجولة في عدد من الدول العربية للقاء زعمائها إبان حرب غزة من أجل الضغط عليهم لاتخاذ موقف أكثر قوة في مواجهة إسرائيل.
ورغم أن الاتحاد لم ينجح في تحقيق مسعاه، خاصة وأن بعض الرؤساء العرب رفضوا لقاء قادته مثل الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، إلا إن ذلك لم يضعف من عزيمته وفي زيادة أدواره المستقبلية في مواجهة الأزمات التي كانت تقع في الدول العربية والإسلامية.
ولعل الدور الذي قام به الاتحاد في الأزمة القرقيزية، دليل على ذلك حيث نجح الوفد الذي زار البلاد في منتصف شهر يوليو 2010 في إخماد الفتنة التي اندلعت بين عنصري الأمة القرقيز والأوزبك. وكذلك الأمر محاولاته المتكررة لحل الأزمة الصومالية التي كان قد استطاع تحقيق اختراق كبير فيها لولا تدخلات القوى الإقليمية والدولية التي عطلت الحل الذي طرحه وفد الاتحاد مما أدى إلى استمرار الأزمة حتى الآن.
هذا الدور المتعاظم الذي يلعبه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، زاد بشكل غير مسبوق مع اندلاع الثورات في الدول العربية وتحديدا منذ اندلاع الثورة المصرية التي مثلت علامة فارقة في تاريخ الأمة العربية وكذلك في الدور الذي يلعبه الاتحاد في تعضيد هذه الثورات ودفعها للوصول إلى نهايتها المأمولة لتغيير واقع الأمة المزري.
خلال الثورة المصرية كان واضحا أن الاتحاد قد حسم أمره بشأن التعاطي مع الثورة بتقديم كل وسائل العون لها في مواجهة النظام المصري الذي كان يمثل قمة الانهزامية للمشروع العربي والإسلامي في المنطقة .. لذلك رأينا بيان التأييد والدعم من الاتحاد .. ثم تطور الأمر عبر دعوة الشعب المصري للخروج على النظام الحاكم ودعم ثورة الشباب .. بل وصل الأمر إلى استخدام الخطاب الممزوج بالعاطفة الدينية لاستثارة المصريين ضد نظام حكم مبارك .. وذلك خلال اللقاء الذي بثته قناة الجزيرة يوم 2 فبراير خلال ما عرف إعلاميا بموقعة الجمل التي حاول خلالها النظام المصري القضاء على الثورة، عبر احتلال ميدان التحرير الذي كان يمثل رمز الثورة المصرية، وطرد الثوار منه .. مستخدما في ذلك كافة أنواع العنف الذي بدأ باستخدام الحمير والجمال لتفريق المتظاهرين ثم استخدام البلطجية وانتهاء بإطلاق الرصاص الحي عليهم.
في هذه الليلة خرج الشيخ القرضاوي على قناة الجزيرة وألقى خطبة مفعمة بالمشاعر الجياشة ضد النظام المصري وتحديدا حسني مبارك وأفتى بضرورة خروج المصريين لنصرة إخوانهم في ميدان التحرير.. وأنهى خطبته بدعاء أبكى خلاله ملايين المشاهدين من المصريين وغيرهم .. وقد كان لهذا اللقاء دوره الحاسم في دفع المصريين للخروج ونصرة شباب الثورة ... وحسم الأمر ضد النظام.
وبعد سقوط النظام وتنحي حسني مبارك عن الحكم شهدت الجمعة التالية التي سميت جمعة النصر ، احتفالا كبيرا في ميدان التحرير .. كان النجم الساطع فيه رئيس الاتحاد الشيخ القرضاوي الذي أمّ المصلين في صلاة الجمعة في مشهد مهيب لم تر مصر مثله من قبل , حيث احتشد في هذا اليوم ما يزيد على أربعة ملايين مصري ..
واستمر دعم الاتحاد للثورة المصرية عبر دعوة أبناء الشعب المصري لليقظة في مواجهة الثورة المضادة، كما دعا الدول العربية والإسلامية لتقديم العون المادي لمصر وتونس من أجل نجدة اقتصادهما الذي تأثر بفعل الثورة.
وتكرر المشهد في الثورة الليبية حينما خرج الشيخ القرضاوي على ذات المنبر وهو قناة الجزيرة ، ليقول لأبناء الشعب الليبي "أطالبهم بما طالبت به أبناء مصر أن اثبتوا" مؤكدا أن نظام القذافي انتهى وأن النصر قريب.
ثم اندلعت الثورة السورية التي نظر إليها البعض على أنها مختلفة على اعتبار أن سوريا في حالة مواجهة مع إسرائيل وأنها تقف في حلف الممانعة .. لكن الاتحاد رأى أن ذلك ليس مبررا للفساد والاستبداد المستشري في مفاصل النظام السوري وأن مقاومة الأعداء لا تعني عدم حصول الشعب على حريته وكرامته .. داعيا الجيش السوري وقوات الأمن إلى عصيان الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين.
من المؤكد أن العالم العربي يمر بزلزال استراتيجي بفعل الثورات التي اندلعت في معظم دوله .. هذا الزلزال ستكون نتيجته الأساسية هو استعادة الشعوب العربية لحريتها وكرامتها ومن ثم سيطرتها على الحكم بمعنى أن تكون نظم الحكم الجديدة ممثلة بشكل حقيقي لطبيعة ومكونات هذه الشعوب وكذلك توجهاتها.
ولأن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بطبيعته يعد ممثلا للشعوب العربية والإسلامية كان لا بد أن يأخذ زمام المبادرة ليكون صوت هذه الشعوب المسموع في مواجهة نظمها الفاسدة إلى أن يأتي الوقت الذي تستطيع هذه الشعوب فيه تمثيل نفسها .. وهو قريب جدا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3123
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026