رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعود مصطلح التتريك لنهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وقرارات ونصوص تبناها عتاة القوميين الأتراك بتحويل المناطق التابعة لتركيا إلى التركية وتبديل أسماء مدنها وقراها وفرض اللغة التركية حصرا على سكانها.
انشغل العرب ـ والعالم معهم - بمحاولة الانقلاب التي جرت بتركيا ليلة الجمعة الماضية، فغالبيتهم الساحقة عارضت الانقلاب وتمنت فشله ومن بينهم كاتب هذه السطور، على الرغم من أن رفضي أو تأييدي لن يغير من الأمر شيئا، فالمسألة تركية، والشعب التركي بكافة أحزابه وقواه رفض الانقلاب واصطف وراء الشرعية الدستورية ونزل إلى الشوارع حماية للعلمانية التي جاءت بالديمقراطية.
لكن المعارضين العرب- وكعادتهم- انشقوا بدورهم إلى فريقين يمكن تسميتهم بفريقي "المستدركين" والمتأتركين. فالأول يرفض الانقلاب ولكنه يستدرك بعد تطورات الأحداث بأن الانقلاب محاولة فاشلة من قبل فئات بالجيش حاولت أن تتغدى باردوغان وحزبه قبل أن يتعشى بهم، ودليلهم في ذلك مسألتين:
الأولى أن الأيام التي سبقت محاولة الانقلاب كانت حافلة بأحداث لا يمكن لمراقب إغفالها، فقد أزيح رئيس الوزراء وساعد الرئيس اردوغان الأيمن- أحمد داوود اوغلو- وقيل وقتها أن سبب إزاحته هو تلكؤه في التصدي للدولة "الموازية"، وعمل سلفه بن علي يلدريم بسرعة سياسية هائلة على تهدئة الجبهات الخارجية الساخنة، حيث اعتذرت تركيا لروسيا، وتمت الاتصالات بين البلدين وأعيدت رحلات المصطافين الروس، وأعاد اردوغان العلاقات إلى سابق عهدها القوي مع إسرائيل، وأرسل رسالة طمأنة للأوروبيين بأنه سيحل لهم مشكلة اللاجئين بإعلانه الجدلي بأنه سيجنس اللاجئين السوريين، ولمحت تركيا لإمكانية إعادة العلاقات مع مصر مرسلة وفدا للقاهرة، بل ذهب رئيس الوزراء التركي إلى أبعد من ذلك بأن صرح بعدم ممانعة تركيا أن يبقى رئيس النظام السوري بشار الأسد بالرئاسة فترة انتقالية. يقول المستدركون العرب أن هذه التهدئة للجبهات الخارجية لا يمكن أن تكون عبطية وصدفة سياسية، بل إن سرعتها تؤكد على أن الحكومة التركية كانت في سباق مع الزمن لتهدئة الخارج من أجل التفرغ للداخل.
وثانية استدراك المستدركين العرب أن سرعة إعلان فصل وتجميد الآلاف من القضاة ووكلاء النيابة ورجال القانون وموظفين عامين وحكام أقاليم ورجال شرطة، ناهيك عن اعتقال وتسريح الآلاف من الجيش وقياداته بكافة الرتب، بل وتضارب اشتراك رئيس القوات الجوية- الجنرال اكين اوزتوك- من عدمه بالانقلاب، تشير إلى أن هذه القوائم كانت معدة سلفا للتخلص منهم، فمن غير المعقول أن يتم رصد هؤلاء والإعلان عن أسمائهم خلال ساعات من الانقلاب، وخصوصا رجال القضاء والقانون حيث جرى الانقلاب ليلة الجمعة أي ببداية عطلة الأسبوع، وقد أعاد فصل رجال القانون للأذهان معركة الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي مع القضاء والنائب العام. وللتذكير فإن مرسي واردوغان ينتميان لنفس التيار الديني السياسي.
أما المتأتركون العرب فهم فريق وقف بكل ما لديه من قوة خطابية وإعلامية اجتماعية وفتاوى دينية مع الرئيس التركي اردوغان رغم أن الأتراك الذين خرجوا ضد الاتراك لم يرفعوا صوره، بل رفعوا العلم التركي، لكن المتأتركين تنادوا من كل حدب وصوب دفاعا عن "الديمقراطية والعلمانية بل والإسلام" التي يمثلها الرئيس طيب رجب اردوغان، وشنوا هجوما كاسكا على كل "مستدرك" أو متساءل أو متشكك بإجراءات اردوغان "الانتقامية" عقب الانقلاب الفاشل، وراحوا يعطونهم دروسا في القيم الديمقراطية ومباديء العلمانية وحقوق الإنسان، ويذكرونك بالقفزات الاقتصادية الهائلة التي حققتها تركيا بعهد اردوغان، وإن عجزت خيلهم راحوا يستمدون من التراث الديني الفتاوى والقصص والأساطير لتبرير أتركتهم المحمومة. فهذا داعية شهير حلم باردوغان ليلة الانقلاب، وذاك حلم بالرسول الكريم يوصي الأتراك بالرئيس اردوغان، ووصلت الأتركة بأحدهم أن رد على أحد المستدركين المتخوف من الانتقام الذي قد يؤدي لتمزق المجتمع التركي بقوله: "لو يبول اردوغان على رؤوسهم لقلنا ما أرحمه فهو يغسلهم ببوله الطاهر" (هكذا).
وتذكرنا الأتركة بفرعنة الرؤساء بمصر منذ عبدالناصر حتى السيسي مرورا طبعا بالرئيس المخلوع محمد مرسي، كما تذكرنا بتأليه صدام حسين، وتعظيم بشار الأسد من قبل مؤيديه، والتناقض أن المتأتركين العرب ينتقدون بالتخوين "المتفرسنين" العرب (نسبة إلى الفرس)، وأقصد أولئك الذين يحصلون على أموالهم وسلاحهم وتدريبهم وتأهيلهم من قبل إيران ومرشد ثورتها ووليها الفقيه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! عقلية بعضها من بعض!
أنا من محبي تركيا ومن المترددين على زيارتها، وتبهرني استانبول بثرائها اللامحدود، وأخشى على تركيا من الانزلاق للدكتاتورية الدينية بعد أن نجت من الدكتاتورية العسكرية قبل أيام، لكن شعوري لن يغير من الأمر شيئا، فالأمر بيد الشعب التركي العظيم، والخطر على الاستقرار التركي متعدد الاتجاهات والمنافذ، ولعل أحد هذه المخاطر تأتي من المتأتركين العرب الذين سيدفعون اردوغان دفعا إلى ما آلت إليه اوطانهم وبلدانهم من خراب ودمار إن سار نحو التسلط والاستفراد والانتقام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
3201
| 22 أبريل 2026
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
2967
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1059
| 24 أبريل 2026