رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلطان بن سالمين المنصوري

- سفير دولة قطر لدى دولة الإمارات العربية المتحدة

مساحة إعلانية

مقالات

219

د. سلطان بن سالمين المنصوري

الأمير الوالد أسس مدرسة متكاملة في الحكم والإدارة

19 يوليو 2026 , 03:00ص

بقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاءِ الله وقدره، فقدت الأمة صباح الأحد الماضي صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني؛ الرجل الوطن، والقامة الشامخة التي لا تُعوّض. ومع توالي التعازي وتعداد المناقب، يقف التاريخ شاهداً على مآثر الراحل العظيم التي لن تغيب.

وإننا إذ نسلّم بقضاء الله وقدره، نتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى مقام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى «حفظه الله»، وإلى سمو الشيخ عبد الله بن حمد آل ثاني، نائب الأمير، وإلى عموم آل ثاني الكرام والشعب القطري العزيز، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ورضوانه، ويربط على القلوب في هذا المصاب الجلل.

إن الحديث عن فقيد الأمة الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، ليس حديثاً عن قائدٍ قاد دولةً خلال مرحلةٍ زمنية محددة، بل هو حديث عن رجل دولة استثنائي صنع تحولاً تاريخياً شاملاً، وأعاد رسم مكانة قطر ودورها وحضورها في محيطها الإقليمي والدولي.

لقد تسلم سموه مسؤولية القيادة في مرحلة كانت فيها دولة قطر تمتلئ بإمكاناتٍ واعدة، لكنه امتلك الرؤية والجرأة والإرادة لتحويل تلك الإمكانات إلى مشروع وطني متكامل. فشهدت الدولة في عهده نهضةً اقتصادية غير مسبوقة، ارتكزت على الاستغلال الاستراتيجي لحقل الشمال وتطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت قطر خلال سنوات قليلة أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وتحوّل اقتصادها إلى أحد أسرع الاقتصادات نمواً على المستوى الدولي.

ولم يكن الأمير الوالد، رحمه الله، ينظر إلى الثروة كغايةٍ بحد ذاتها، بل كوسيلةٍ لبناء الإنسان وصناعة المستقبل. وتتجسد هذه الفلسفة الإنسانية في رؤيته الرائدة لتأسيس مؤسسة قطر عام 1995، وإطلاق المدينة التعليمية التي استقطبت أعرق الجامعات العالمية؛ صانعاً بذلك تجربةً فريدة حوّلت الدوحة إلى منارةٍ إقليمية للمعرفة والبحث العلمي والابتكار.

وعلى الصعيد المؤسسي، شهدت البلاد في عهده خطوات إصلاحية مفصلية؛ تمثلت في إقرار الدستور الدائم للدولة، وإطلاق رؤية قطر الوطنية 2030. وامتداداً لهذه الرؤية الطموحة، شُيِّدت دعائم تنمية مستدامة تضمن تنويع مصادر الدخل، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، إلى جانب الاستثمار الأمثل للموارد الطبيعية.

وبالنسبة للرياضة، فقد آمن صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني – طيب الله ثراه، مبكراً بأهميتها كقوة ناعمة قادرة على تعزيز مكانة الدول وتقريب الشعوب، ومن هذا المنطلق، أرسى رؤية طموحة جعلت من دولة قطر مركزاً رياضياً عالمياً، عبر تطوير بنية تحتية حديثة واستقطاب أبرز البطولات والفعاليات الدولية.

وتوّجت هذه الرؤية التاريخية بفوز قطر باستضافة كأس العالم FIFA 2022، لتصبح أول دولة في الشرق الأوسط والعالم العربي تنجح في استقطاب الحدث الرياضي الأكبر عالمياً. وقد جاءت البطولة استثنائية بكل المقاييس وشاهداً على بُعد نظره وطموحه، حيث حظيت بإشادة دولية واسعة، واعتُبرت من أنجح نسخ كأس العالم من حيث التنظيم؛ وطريقة الإخراج؛ وتميز البنية التحتية؛ والتجربة الجماهيرية؛ والانطباعات التي تركتها في قلوب عشاق كرة القدم، لتترك إرثاً رياضياً وحضارياً يفخر به العرب والمنطقة بأسرها.

وفي المجال الإعلامي، أدرك سموه مبكراً أهمية القوة الناعمة وتأثير الكلمة الحرة في تشكيل الوعي. فكان إطلاق شبكة الجزيرة عام 1996 حدثاً مفصلياً غيّر المشهد الإعلامي العربي والدولي، ورسّخ حضور قطر العالمي. وتأكيداً لهذا الانفتاح، شهد عهده إلغاء وزارة الإعلام ورفع الرقابة عن الصحافة، في خطوة تاريخية عكست إيمانه العميق بحرية الرأي والتعبير.

وعلى المستوى الدولي، استطاع الأمير الوالد أن يرسّخ سياسة خارجية مستقلة ومتوازنة، تقوم على الحوار والانفتاح وبناء الجسور بين مختلف الأطراف. وتحولت الدوحة في عهده إلى منصة للحوار والوساطة وتسوية النزاعات، وأسست لنهج دبلوماسي أصبح جزءاً أصيلاً من هوية السياسة الخارجية القطرية، يقوم على تغليب الحلول السلمية وتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.

كما ارتبط اسم الأمير الوالد بتعزيز الحضور العالمي لدولة قطر عبر الاستثمارات الاستراتيجية الكبرى، وتطوير الخطوط الجوية القطرية، وبناء مؤسسات ثقافية ورياضية عالمية المستوى، وصولاً إلى ترسيخ المكانة الدولية للدولة.

وكدبلوماسي عاصر محطات عدة؛ فإن أعظم ما يميّز تجربة الأمير الوالد، طيب الله ثراه، هو تجسيده لسمات رجل الدولة الفذ، المتسم بالحكمة وبُعد النظر. إذ لم يكتفِ ببناء دولة عصرية ومزدهرة وفق معايير الحداثة، بل أسس مدرسة متكاملة في الحكم والإدارة، ترتكز على استشراف المستقبل، والاستثمار في الإنسان، وتعزيز مكانة البلاد دولياً عبر التنمية والدبلوماسية. لقد كان قائداً يمتلك رؤية تتجاوز حدود الحاضر؛ فبنى المؤسسات قبل المشاريع، ورسّخ الاستدامة قبل الإنجاز الآني، تاركاً إرثاً وطنياً وإنسانياً سيظل شاهداً على مرحلة استثنائية من تاريخ قطر الحديث.

رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء، وأبقى ما غرسه من قيمٍ ومؤسساتٍ وإنجازاتٍ منارةً تهتدي بها الأجيال، ودليلاً على أن القيادة الحقيقية هي التي تصنع المستقبل وتستثمر في الانسان وتترك أثراً يتجاوز حدود الزمن.

مساحة إعلانية