رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
«المقياس قطر»..
لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة، لكنها تعني في جوهرها أن كل ما يُنجز إنما يُنجز من أجل قطر، لا لمصلحة شخصية، ولا سعيا وراء الشهرة أو المجد، وإنما لخدمة الوطن وأهله.
هذه العبارة كانت البوصلة التي تهديني في كل ما أقوم به. وهي الشعار الذي أحمله في حياتي، تعلمته من والدي (يُبا)، الذي عاشها واقعا يوميا. فقد كان يضع وطنه وشعبه قبل نفسه.
كلما كنا معه، كان الحديث دائما عن قطر. لم يكن هناك فاصل بين يوم عمل في المكتب وإجازة عائلية؛ فشؤون الدولة كانت حاضرة في ذهنه باستمرار. كان يتمتع بشخصية آسرة، وكاريزما معدية، وقدرة استثنائية على أن يجمعنا جميعا خلف رؤيته، وهي الإيمان بأن قطر تستحق الأفضل.
وبتوجيهه، تحولت أفكار كانت تبدو يوما أحلاما بعيدة المنال إلى مشاريع واقعية عظيمة، ألهمت واحتضنت المواهب العربية من مختلف أنحاء العالم. وكثير من تلك المواهب أخبروني أنهم لم يشعروا بالفخر بكونهم عربا كما شعروا به في قطر.
وصل والدي إلى الحكم، ثم تخلى عنه، بطريقة غير مألوفة. كان هدفه دائما أن ينقل وطننا من الفقر إلى اقتصاد قوي يجعل الإنسان وقيمته في المقام الأول.
تولى المسؤولية ليُحدث التحول، ثم تنازل عنها ليمنح ابنه العزيز الفرصة لقيادة المرحلة التالية، مؤمنا بأنه أوفى برسالته، وأن أخي قادر على حمل الأمانة من بعده.
بالنسبة له، كانت عبارة «المقياس قطر» تعني أيضا إفساح المجال للقيادة الشابة لتتولى زمام المسؤولية.
وفي آخر لحظاتي معه، حدثني عن مدى فخره بأخي. وبعد وفاته أدركت أن قراره بالتنازل عن الحكم، رغم غرابته في منطقتنا، كان القرار الصائب. فقد أعطى كل ما يستطيع تقديمه، وحان الوقت ليسلم المسؤولية إلى جيل جديد.
كنت واحدة من الشباب الذين منحهم ثقته، لكنني قبل ذلك كنت ابنته، التي منحها من الدعم والتمكين بقدر ما منح أبناءه الذكور.
منذ طفولتي، لم يسمح لي أن أؤمن بوجود حدود لما أستطيع تحقيقه. علمني السباحة، والغوص، والقيادة، ولعب الورق، والتنس، والسفر، والحب، والضحك، والحياة، والأهم من ذلك كله: العطاء.
شجعني على الدراسة في الولايات المتحدة، ثم في باريس، وكان يدفعني دائما إلى آفاق أوسع. وفي كل صيف كان يهيئ لي فرص التدريب العملي، ولم أتردد يوما في اتباع نصيحته، لأنه كان يعرفني أكثر من أي شخص آخر.
إذا اتصل بي وشعر أنني لست بخير، كان يطمئن علي يوميا، وإذا لاحظ شيئا في نبرة صوتي كان يقول ببساطة: «صوتك مب عاجبني».
كان والدي قويا ورقيقا في الوقت نفسه، عميق الشخصية ورفيع الفكر. كان يتمتع بحدس مميز، ويعطي كل ذي حق حقه. وكان يبحث عن أصحاب الكفاءة لقيادة المشاريع المختلفة، فإذا اختار أحدا منحه الثقة الكاملة ومكّنه من النجاح.
كنت أتحدث معه باستفاضة عن المشاريع التي أعمل عليها، وكان يفاجئني بقدرته على تذكر التفاصيل عندما يعود ليسألني لاحقا عن تطوراتها.
ولم تكن هذه العناية مقتصرة عليّ، بل كان كل من حوله يشعر بها. امتلك والدي مواهب كثيرة، لكن أعظمها بالنسبة لي كانت قدرته على الإصغاء والاهتمام بالناس.
في اليوم التالي لتخرجي من الجامعة عام 2005 بدأت العمل معه. وخلال أيام قليلة كنا نسافر حول العالم، من شيكاغو إلى نيويورك، ومن طوكيو إلى سنغافورة.
كانت طاقته تفوق الوصف، وإصراره الدائم يدفع الجميع إلى الأمام. وكان لكل قرار يتخذه معنى عميق.
كنت في الثالثة والعشرين من عمري عندما طلب مني تولي مسؤولية متحف الفن الإسلامي. وأتذكر جيدا أنه في اليوم التالي لافتتاح المتحف نظر إليّ وسألني ببساطة:
«ما هو المتحف التالي الذي سنفتتحه؟»
لم يكن هناك وقت للاحتفال بما تحقق، بل كان التركيز دائما على الخطوة التالية. فقد كان يرى أن البنية التحتية الثقافية ليست مجرد مبانٍ، بل محرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجودة الحياة، وتطور الإنسان.
كان يدفعني دائما إلى الاجتهاد، ويبقيني متواضعة، وقبل كل شيء إنسانة حقيقية. وكان يحب أن يضحك على نفسه، وعلمني أن أفعل الشيء نفسه. ثقته في اتخاذ القرار ومواجهة التحديات منحتني الثقة لأفعل ذلك أيضا.
لقد علمني كل ما أعرفه، ليس بالمواعظ، وإنما بالقدوة.
عندما تولى الحكم، ألغى الرقابة الإعلامية، وأنشأ قناة الجزيرة. وأعتقد أن هذا كان أكثر إنجاز يفخر به، ليس لقطر فقط، بل للعالم العربي بأسره.
كان يريد الارتقاء بحياة العرب، وأن يعيشوا بكرامة، وأن يمتلكوا صوتا مؤثرا في الإعلام، والتعليم، والثقافة، والسينما، والرياضة، وغيرها.
وكان يؤمن بالحوار لحل النزاعات، ويملك الصبر للاستماع إلى آراء الآخرين. ولم يكن يعتبر الاختلاف مواجهة، بل كان يشجعنا على قول الحقيقة، والبحث عن الرأي الصائب حتى نصل إلى الحل.
وكانت القرارات تُتخذ دائما وفق ما يخدم مصلحة قطر، لا وفق الميول الشخصية. فقطر تستحق الأفضل، وكل ما يجب عمله ينبغي أن يُنجز بأفضل صورة ممكنة.
وفي كل عصر، كان يقود سيارته ليتفقد المشاريع الجديدة والأحياء السكنية، وأحيانا يتوقف عند بيوت الناس ليسأل عن أحوالهم.
ظل قريبا من شعبه، وكأنهم جميعا أبناؤه. فلم يكن هناك طفل أو كبير، مواطن أو مقيم، يشعر أنه بعيد عن حضوره أو عن ابتسامته.
وراء القائد صاحب الرؤية، كان هناك ببساطة زوج مخلص، وأب محب، وجد حنون. كان يكنّ لوالدتي احتراما بالغا، ويثني دائما على دورها الكبير في تربيتنا وخدمة المجتمع.
وكانت القيم التي يطالب بها في العمل هي نفسها التي يطالب بها داخل المنزل. لم تكن الإجازات وقتا للكسل، بل كان يوقظنا باكرا لنستثمر كل يوم، ويغرس فينا روح الانضباط.
وكانت موائد الغداء تجمع السياسيين، والمفكرين، والكتّاب، والفنانين، والأصدقاء القدامى.
كان والدي كريما بقلبه، ووقته، واهتمامه، وفضوله المعرفي. لا يضيع لحظة من عمره، ولا يجعل أحدا يشعر بأنه أقل أهمية منه. وكان كثيرا ما يعرّف نفسه ببساطة قائلا: «أنا حمد».
وبابتسامته الدافئة وعينيه البنيتين المفعمتين بالود، كان لقاء واحد أو حديث واحد كافيا ليترك أثرا لا يُنسى.
عندما يأتي الموت، لا يبقى إلا الحب والإرث.
وفي أيام الحداد، بينما يتوافد الناس من مختلف أنحاء العالم إلى قطر لتقديم العزاء، أرى أعظم إنجاز تركه والدي: وطنٌ موحد، يجتمع أبناؤه ومحِبّوه من القريب والبعيد على الحزن لفقده.
وأفضل طريقة لتكريمه هي أن نبقى متحدين، ومركزين، ومنضبطين، وعازمين على تقديم الأفضل لوطننا ولمنطقتنا.
وستظل ثقته المطلقة وفخره بأخي مصدر إلهام لنا، لنواصل تحقيق ما يبدو مستحيلا، وأن نبقى ثابتين على هدفنا دون أن تشتتنا الأمور الجانبية.
لذلك، عندما نعود إلى أعمالنا، فلنعمل بجد أكبر، متذكرين ما كان ينتظره منا: أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا، وأن نخدم وطننا بأفضل ما نستطيع، وأن نظل متواضعين، ولطفاء، وكرماء، ومضيافين كما عهدنا أنفسنا.
رحم الله والدي، ولتظل ذكراه ترشدنا طوال حياتنا
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
9948
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1647
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1590
| 29 يوليو 2026