رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أدرك أن البناء يتطلب متسعا من الوقت غير أن الواقع يشير إلى أننا مازلنا نسكن منطقة الكلمات *العزب الطيب الطاهر
ثمة شعور بغياب أو بالأحرى بسفر البهجة وكأنما هي تراوغنا لا ترغب في الإقامة لدينا هل نحن نجيد خصومتها إلى هذا الحد؟
ثمة ثورة في المحروسة نهضت معانقة أحلامنا في الخامس والعشرين من يناير في الحرية والخبز والعدالة. قدم المئات أرواحهم فداء لهذه الأحلام غير الآلاف الذين مازال أنينهم يتصاعد من فرط ألم فقد أجزاء من أجسادهم. وانبعث ميلاد جديد لشعب ظل قابضا على جمر الحياة على مدى ثلاثين عاما متطلعا للعتق والخروج من زمن القيود وإجهاض الأشواق إلى الكرامة.
ابتهجنا بالثورة، قلنا ولى زمن القهر وحان قطاف الثمار، بيد أن الأشهر تمضي دون أن تتجسد ألوان البهجة في أرجاء المحروسة ومع أن الشمس أشرقت بعد الحادي عشر من فبراير إلا أن الغيوم والسحب مازالت تحول دون بلوغ أشعتها مراميها.
هل سكنت همة الرجال؟
لا أظن. بدليل هذه المليونيات التي تطل علينا بين الوقت والآخر
هل احتشد الرافضون والكارهون للشمس؟
أجل هم يحتشدون من اللحظة الأولى التي انطلقت فيها شرارتها. غير أن الرجال في البدء كانوا يترصدون لهم ويجهضون أحلامهم في العودة فما الذي جرى في المحروسة بعد هذه الأشهر التي تقترب من التسعة وهي فترة الحمل الطبيعية التي من المفترض أن ينتج عنها مولود جديد.
الرأس الكبرى وثمة رؤوس أخرى معه في الزنازين والأقفاص لكن عسسهم وبصاصيهم مازالوا يقبضون على المواقع الحيوية يوجهون الأحداث يقذفون بالثورة وراء ظهورهم فثمة رجل أمن قال لناشط ثوري بعد اعتقاله: هي ليست ثورة إنها أحداث يناير وثمة رجال في دوائر نافذة تقول اللغة نفسها فأحدهم قال عندما كان يحقق مع نفر من الثوار الذين تم اعتقالهم غدرا في الشهر الثاني بعد انبثاق الثورة في وقائع مازالت غامضة بميدان التحرير: هل صدقتم أنكم قمتم بثورة؟
وإذا توقفت عند مسيرة الحرية التي انطلقت الملايين مطالبة بها عبر ثمانية عشر يوما منذ اندلاعها في الخامس والعشرين من يناير ترصد هامشها يضيق بدلا من أن يتسع ولعل آخر تجلياتها تفعيل ما يسمى بحالة الطوارئ وهو ما ينبئ عن أن الأشخاص أنفسهم في زمن مبارك مازالوا يشيرون على صانع القرار ما الذي ينبغي أن يفعله ودون تفكير يستجيب وينفذ من غير أن يدرك أن مناخا مغايرا من المفترض أن يسود في المحروسة بل يبدو لي- في ضوء الخطوات المقيدة للإعلام مؤخرا - أن ثمة محاولة لإعادة إنتاج توجهات هذا الزمن من خلال القذف بالكرة في ملاعب الآخر فهاهي الجزيرة مصر مباشر تتهم بأنها تمارس عملها من دون ترخيص وبالتالي يتعين إغلاقها بينما هي في واقع الحال كانت تقدم منتجا إعلاميا شديد المهنية افتقده الإعلام الرسمي الذي لا يمنح كوادره المهمش المطلوب من الحرية والحركة رغم كفاءتهم العالية لكن الخطوط الحمراء مازالت مقيمة في ماسبيرو حتى لو جاء أسامة هيكل الوفدي الهوية بدلا من أنس الفقي في زمن الحزب الوطني الذي كان حاكما وذلك رغم تحفظ المرء على بعض أنماط الشكل الذي تقدم به مضمونها
والفاجعة الكبرى أن يسارع وزير سيادي في حكومة من المفترض أنها تنتمي للثورة إلى توجيه الاتهام لـ"دول عربية شقيقة" بتقديم تمويل لجمعيات أهلية مصرية بمئات الملايين من الجنيهات بهدف الإسهام في إثارة الفتنة والاضطرابات حتى لا تنجح الثورة المصرية وتقدم نموذجا لهذه الدول المتوجسة خيفة منها. وهكذا ببساطة عثرنا على المعضلة وقدمنا التشخيص وحددنا أسباب الداءات التي تكابدها المحروسة ومن ثم ينبغي أن نلجأ إلى العلاج اعتمادا على روشتة خارجية وهي تكاد تكون نفس الروشتة التي كان يقدمها النظام السابق لمشكلاته بما في ذلك طريقة تعامله مع مقدمات ثم وقائع ثورة 25 يناير.
إنها عملية إعادة إنتاج لأسلوب لم يعد يليق تبنيه من سلطة جاءت على أكتاف الثوار وتدافعت في بداية الثورة لتصحح مسار علاقات مع دول عربية تركناها في زمن مبارك فلجأت إلى الأطراف الإقليمية والدولية كي تحقق لها منظومتها الأمنية بينما كان النظام السابق لا يقدم لها سوى الوعود وحتى تدخله في أزمة الكويت بعد احتلالها المرفوض من نظام صدام حسين جاء ضمن سياق تحالف دولي قادته الولايات المتحدة في حين أنه لو كان يتسم بالقوة والرشد السياسي لمنع تفجر الأزمة بين بلدين عربيين شقيقين أو على الأقل لحال دون غزو قوات صدام للكويت مثلما فعل الزعيم الخالد جمال عبدالناصر.
فبدلا من أن نفتش عن أخطائنا في الداخل وأسباب التعثر في إدارة المرحلة الانتقالية وتجاوز نتوءات صنعها الحكام الجدد ربما لمحدودية خبرتهم السياسية أو لضيق الخيارات والبدائل المتاحة أمامهم وجهنا عيوننا إلى الخارج وتحديدا إلى دول شقيقة -على حد تعبير الوزير السيادي - وتلك سمة الفاقدين للخيال السياسي والقراءة الموضوعية للواقع واللافت أن الحديث عن الدور الصهيوني في محاولة إجهاض الثورة وشل حراكها الإيجابي وإثارة الفتنة لم يعد يرتفع في الآونة الأخيرة، وللإنصاف فإن الدكتور يحيى الجمل كان هو الذي يشير إلى هذا الدور في معظم أحاديثه الصحفية والتلفزيونية ولكن الرجل نتيجة بعض الأخطاء سرعان ما ذهب من دائرة السلطة فهل كان ذلك مقصودا؟ مجرد تساؤل.
إنني قليل القراءة لطروحات ومقالات الكاتب المصري الدكتور مأمون الفندي بسبب خلفيته الفكرية والسياسية المنحازة لما يسمى بالليبرالية الجديدة وتشجيعه للتطبيع مع الكيان تحت مسمى الدعوة إلى السلام فضلا عن أشياء أخرى رغم أنه بلدياتي من جنوب مصر لكنه كتب قبل أشهر مقالا في الزميلة الشرق الأوسط دعا فيه إلى ضرورة التخلص من رجال الصف الثاني في المؤسسات الحكومية المصرية فلا يكتفي بإبعاد الرجل الأول مثلما وقع خلال الأشهر الثمانية المنصرمة من عمر الثورة بل يتعين التوجه لقيادات الصف الثاني والثالث وهي المتحكمة في إدارة المرحلة الانتقالية من حيث التخطيط والتدبير وتقديم المشورة والنصح لرجال الصف الأول ومعظمهم لا يمتلك الخبرة بوزارتهم ومؤسساتهم وهو ما أفضى إلى أن الكثيرين لم يشعروا أن ثمة تغييرا حقيقيا جرى في الدوائر الحكومية خاصة السيادية منها والتي تشرف على تسيير أمور البلاد ومكمن الخطورة هنا أن هذا الشعور بدأ يأخذ طريقه إلى من شاركوا في صناعة الثورة والجماهير البسيطة التي سارعت إلى تقديم الإسناد إليها.
إن الثورة تعني في أبسط مفاهيمها التغيير الجذري بيد أن ما وقع في المحروسة حتى الآن هو تغيير لامس القشور والرؤوس فحسب. إنني أدرك أن البناء - ليس مثل الهدم - يتطلب متسعا من الوقت. غير أن الواقع يشير إلى أننا مازلنا نسكن منطقة الكلمات والأدهى أن الانقسامات طالت قوى الثورة فيما بينها وتفجرت خلافات بين الثوار والمجلس الأعلى للقوات المسلحة رغم الشعار الذي تسيد الموقف على مدى أيام الثورة وما تلاها من أحداث وهو الشعب والجيش يد واحدة وهو أمر يتعين أن نعض عليه بالنواجز فأول معول يوجه للثورة –وهو ما أخشى منه بشدة - هو اتساع الانقسامات والخلافات بين قوى الثورة والقوة الوحيدة التي ساندتها وحمتها من السقوط وحافظت على بنية الدولة المصرية بينما كانت مؤسساتها المهمة في طريقها إلى التلاشي.
نحن في حاجة إلى استعادة البهجة الغائبة أو المسافرة فمازال مكانها شاغرا ونترقب أشعتها كي تهبط علينا رطبا وسلاما وأمنا واستقرارا وعودة للمحروسة وهو ما يستوجب إعادة النظر في خطواتنا لصياغة المستقبل وبلورة مكونات المرحلة القادمة بعيدا عن المنهجية واللغة والخطاب الذي كان سائدا في زمن مبارك. فللثورة محدداتها ومنهجها القائم على الشرعية الثورية التي تقود وفق ضوابط قانونية وسياسية إلى الشرعية الدستورية التي نتطلع إليها غير أن الأهم في اللحظة الراهنة هو مكابدة ما يسمى بالانفلات الأمني حتى لا يحبط كل أشواقنا للثورة وما بعد الثورة .
السطر الأخير:
وأنت أيا شمس وجودي
انطلقي للبهجة
كوني حقلا لحبوري
كوني نهرا يغزل زهري وورودي
كي أنسى وجعا مرسوما بدفاتر أيامي
دثريني بغطاء عينيك
ارزعي الحنطة بسواحلي
ابني لي قصرا ببهاء وجدك
أغلقي سيرة الخوف
أكتبك تميمة العمر
elazab1@gmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
34641
| 01 سبتمبر 2026
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10251
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8268
| 03 سبتمبر 2026