رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن حدث الهجرة من الأحداث العادية التي تطوى في سطور الكتب أو تنسى في خضم الأحداث، فيأتي على ذكرها الزمان ويطويها النسيان, ولكنه حدث غير مجرى التاريخ ومثل تحولا هائلا ونوعيا في كل مجالات الدعوة الإسلامية, وكان تتويجا لتضحيات وصبر النبي (ص) وأصحابه الطيبين الذين أعطوا الإسلام عرقهم ودموعهم, فأوذوا وعذبوا وصبروا وصابروا حتى جاء أمر الله وأذن لهم بالهجرة.
بالهجرة قامت الدولة بعد أن أقيم المسجد وعقدت المعاهدات وتوالت التشريعات وتوالت الانتصارات وتكونت الأمة, فتماسك النسيج الاجتماعي وتوحدت القبائل العربية وبددت شمس الإسلام الظلام الدامس الذي غطى العالم فتهاوت الإمبراطوريات ومن الجزيرة العربية خرجت القيم والمبادئ والمنظومات المعرفية التي تنحاز إلى جانب الإنسان ضد كل أشكال القهر والاستغلال والاسترقاق البدني والروحي والنفسي والعقلي, وبالهجرة حمل العقل العربي المتفتح والشجاع هذا كله ليكون بشرى وخلاصا لكل المظلومين والمستضعفين في الأرض. وبالهجرة انطلقت مواكب الفاتحين بأعظم رسالة وبأكمل دين يحث سيرها ويدفع تقدمها نحو بلوغ غاياتها قوة لا تعرف الضعف وعزم لا يعرف الفتور وإيمان بالنصر يسكن في القلوب وحركة لا تعرف النكوص. بالهجرة أصبحت يثرب المدينة المنورة, وقاعدة الإسلام الأولى وعاصمة الدولة, وسرى في أجوائها من ذلك الزمان وإلى أن تقوم الساعة عبق النبوة, وعبق أنفاس الرسول الكريم (ص) ليكون لأهلها ولزوارها سكينة واطمئنانا وأمنا, وسلاما قائما ورحمة, فسرى حبها في كل قلب وتطلع كل مسلم إلى الإقامة فيها والموت على ترابها. وكيف لا وقد دعا لها النبي (ص) فقال:"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد, اللهم وصححها. وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل حماها واجعلها بالجحفة"..
وعن أنس رضي الله قال: قال رسول الله (ص) "اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة".. الهجرة يوم من أيام الله تعالى التي ينبغي أن نتوقف عندها فنتدارسها ونعلم دروسها لأبنائنا فالأمم التي تنسى تاريخها تذوب في غيرها وتعاني من العقد وربنا تبارك وتعالى يأمرنا بذلك "وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ".. (ابراهيم5).. قال الإمام الألوسي في تفسيره: "{وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله} أي: بنعمائه وبلائه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واختاره الطبري لأنه الأنسب بالمقام والأوفق ومثلما فرح الصحابة بالهجرة نفرح.
في ذكرى الهجرة دروس وعبر ينبغي أن تظل ماثلة في ذاكرة الأجيال, فالنبي (ص) أخذ بكل الأسباب, وخطط ونظم ونفذ وتابع بدقة بالغة وبحذر شديد ولم يقف بطش مكة به وبأصحابه حائلا بينه وبين رد الودائع إلى أصحابها فعهد بها إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ذلك الفارس الشجاع النبيل الذي نام في فراشه غير مكترث بالموت.
لقد شرع رسول الله (ص) بالهجرة بسرية كاملة وبكتمان شديد, فتوجه إلى دار أبي بكر الصديق بالهاجرة ( أو عند الظهيرة) حيث يأوي الناس إلى بيوتهم في القيلولة واجتمع به منفردا قائلا له (أخرج عني من عندك, فقال: يارسول الله, إنما هما ابنتاي, وما ذاك ؟ فداك أبي وأمي, !فقال: "إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة"، فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله, قال: الصحبة.. وعندها ظل أبو بكر يبكي من الفرح كما تروي ابنته أسماء كما لم يبك من قبل. كان حب أبي بكر لرسول الله (ص) حبا لا يحد ولا يبارى ولا يبز, أحبه أكثر من نفسه ومن أهله ومن الناس أجمعين وقد بينت الهجرة مدى ما كان يكنه للنبي (ص) من حب, فعندما انتهيا إلى الغار ليلا, خشي على النبي (ص) فدخله قبل النبي (ص) لينظر أفيه سبع أو حية ليفتدي النبي (ص) بنفسه. وفي الغار أوشك أبو جهل ومن معه من مشركي قريش أن يمسكوا بهما فحزن أبو بكر وبكى وقال همسا للنبي (ص): والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره, فقال له رسول الله (ص): لا تحزن. إن الله معنا. أيد الله رسوله (ص) في هجرته بجنود لم يبصرهم الناس كما قال تعالى في سورة التوبة: ((إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم)).. لم يدع أبو بكر لأهله مالا وتروي أسماء أن جدها أبا قحافة دخل عليهم وقد ذهب بصره فقال "والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبت! إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. قالت: فأخذت أحجارا, فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيها, ثم وضعت عليها ثوبا, ثم أخذت بيده, فقلت: يا أبت, ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه, فقال: لابأس, إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن, وفي هذا بلاغ لكم.
أعد النبي (ص) وصاحبه كل شيء إعدادا محكما فكان عبدالله بن أبي بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به, وما يقولون في شأن رسول الله (ص) وأبي بكر, ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر, وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه يرعى في رعيان أهل مكة, فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر, فاحتلبا وذبحا, فإذا عبدالله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة, اتبع عامر ابن فهيرة أثره بالغنم حتى يعفي عليه, حتى إذا مضت الثلاث, وسكن عنهما الناس, أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له, وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما, ونسيت أن تجعل لها عصاما, فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فلم تجد فشقت نطاقها باثنين, فعلقت السفرة بواحد, وانتطقت بالآخر. ولذلك سميت بذات النطاقين. ولما همّا بالمسير قدم أبوبكر الصديق للنبي (ص) أفضل الراحلتين, ثم قال اركب, فداك أبي وأمي! فقال النبي (ص) "إني لا أركب بعيرا ليس لي", قال: هي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي, قال: لا, ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به؟ "قال: كذا وكذا, قال: "قد أخذتها به, قال: هي لك يا رسول الله فركبا وانطلقا. وفي الطريق كان أبو بكر الصديق من شدة حبه للنبي (ص) يمشي أمامه مرة وعن يمينه مرة وعن يساره مرة يخشى عليه، وإذا نام النبي (ص) ظل مستيقظا يحرسه وإذا حلب شاة صب على اللبن من الماء حتى يبرد أسفله ثم ينتظر النبي (ص) حتى يفيق فيقدمه له. إذن في الهجرة صحبة تخلت عن الأهل والمال والولد قدمت حب الله ورسوله على الدنيا ومتاعها وما أحوجنا أن نقتدي بهذا النموذج الإنساني الفريد.
كان صلى الله عليه وسلم حاضرا في عصره مستوعبا لأدواته مدركا أن نصر الله لا يأتي إلا لمن يبذل ويعطي ويعمل ويأخذ بالأسباب فمن يعمل خيرا يجز به ومن يعمل سوءا يجز به وأنه ليس بالأماني العذاب وحدها تدرك الغايات, وتنهض الأمم, وتقام الأمجاد وإنما بالجهد والعرق والأخذ بالأسباب وبالتخطيط والتنظيم القائم على قراءة مفردات الواقع وإدراك علاقاته وقوانينه كما فعل النبي (ص) في هجرته .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
9825
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1635
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1425
| 29 يوليو 2026