رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
محمد أعظم الشخصيات الإصلاحية التي ظهرت في تاريخ البشرية
الهجرة النبوية رؤية إلهية للاستخلاف الحقيقي للإنسان وكيفية عبوديته لله وحده
الهجرة هي التطبيق العملي لحقيقة الرسالة التي قلب بها محمد موازين الحياة
الإستراتيجية النبوية في إدارة الدولة حفظت عليها كيانها وهويتها ودينها وأخلاقها
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله مبشرا ونذيرا وبعد..
هلَّ علينا عام جديد من أعوام الهجرة النبوية المجيدة، عام 1438 على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، لنقف عنده مليا نستلهم منه العبر، ونستذكر تاريخنا الذي أُنسيناه، وهجرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- التي هجرناها، ونعيد التذكير بها لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ونقف وقفات عندها لمراجعتها من خلال سيرة نبينا الكريم أعظم شخصية إنسانية على وجه الأرض بشهادة أعداء الأمة قبل منصفيها، فقد كان على رأس المائة من أعظم الشخصيات الإصلاحية التي ظهرت في تاريخ البشرية من أنبياء وقادة ومصلحين، فهي الرصيد الحق التاريخي الثابت الذي لا ينضب، لتستمد منه الأجيال المتلاحقة وجودها وهويتها وبقاءها من ميراث النبوة، وحملة مشاعل العقيدة الصحيحة الصافية زاد مسيرها وعناصر بقائها وأصول امتدادها فهي المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ونقول دائما: إن الهجرة النبوية ليست كأي هجرة!!
* الهجرة النبوية والسيرة العطرة.. ليست كالهجرات التي عرفتها الإنسانية بحثا عن الرزق وأسباب الحياة، كلا إنها هجرة للذات والنفس السوية والهوية بحثا عن العقيدة الصحيحة والعقل المفكر نحو الكمال الإنساني الذي تمثل وتكامل في شخصية سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد بن عبدالله (عليه الصلاة والسلام) المثل الكامل للإنسانية جمعاء في نواحيها المتعددة منذ مبعثه وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، هذا النبي الكريم الذي أنشأ وربّى رجالا ونساءً من أحضان الصحراء، وصنع أمة بدأ تاريخها مع نبيها -صلى الله عليه وسلم- ولن تنتهي إلا بقيام الساعة إذا تمسكت بهدي نبيها، تاريخ لا تغيب عنه الشمس ما دامت السماوات والأرض، وضربت أروع الأمثلة وأندرها في الصبر على البلاء، والثبات على الحق، واستقرار النفس واطمئنانها على زلازل الدنيا، فكانت منبعا ثريا للإنسانية جمعاء، ويجب على من ينتمي إليها اليوم أن يحقق المعاني السامية العظيمة من الهجرة النبوية والسنة المطهرة.
* الهجرة النبوية والسيرة العطرة، ليست قصصا تتلى وحكايات تسرد بل هي العطاء المتجدد والزاد الباقي إلى يوم الدين والقدوة الصالحة الدائمة للأجيال المسلمة، إنها التطبيق العملي والبرنامج الواقعي للقرآن الكريم في تحقيق الهدف من وجودها، وهي عبادة الله تعالى على هدى وبصيرة، تتجلى في عقيدتها وأعمالها وأخلاقياتها.. فسيرته -صلى الله عليه وسلم- منهجا ربانيا قويما عمليا في جميع شؤون الحياة، كما قالت السيدة عائشة عندما سئلت عنه: (كان خلقه القرآن) إنه الأسوة الحسنة والمثل الكامل للأفراد في السياسة والحكم والقيادة والاقتصاد والمال والاجتماع والعلاقات الإنسانية والعلاقات الدولية والأممية، وصدق الله عز وجل (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (الأحزاب 21).
ليست تراتيل
* الهجرة النبوية والسيرة العطرة: ليست تراتيل وأناشيد وذكريات نشدوا بها في المناسبات، بل نبراس يضيء لنا الطريق، للعودة بنا إلى العزة والقوة والوجود الحقيقي كأمة ولسنا كمًا مهملا على هامش الدول والأمم، أنها المنبع الوحيد الذي تنفجر منه ينابيع الحياة السعيدة الحقيقية للمجتمع البشرى كافة، ولن تحقق غاياتها من الرقي والسمو بين أمم العالم إلا إذا أدركت غاية وجودها من خلال رصيدها التاريخي الطويل الواضح الذي لم تظفر به أمة من الأمم كما ظفرت به أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- وفقهت سبب وجودها في الحياة كما فقهه السلف الصالح والمتمثل في قول ربعي بن عامر -رضي الله عنه- (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) هذه الغاية التي يجب أن تتحقق فينا وفي أجيالنا القادمة ليشاركوا الكتائب المؤمنة التي سبقتها في صناعة المجد والعزة لهذه الأمة العزيزة على الله ورسوله بوصف القرآن لها: (أعزة على الكافرين)، (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين).
* الهجرة النبوية والسيرة العطرة: ليست تقويما تزين به الحوائط والمكاتب وتوزع على الأحباب والأصحاب ويتبارى الطابعون بطباعتها طباعات عادية وفاخرة حسب المقامات العلية في بداية كل سنة هجرية تنزع أوراقها لترمى كما تتساقط أوراق أيامنا دون أن نفقه تاريخنا والحوادث العظيمة والوقائع الجليلة التي حدثت ووقعت خلال تلك الفترة المجيدة لدولتنا الإسلامية في عهدها المكي والمدني والتضحيات الجسيمة التي قدمها الجيل الأول لهذه الأمة منذ بعثة النبي-صلى الله عليه وسلم- وحتى هجرته الشريفة وتأسيس دولة عظيمة في سنوات قلائل لا تتجاوز العشر سنوات وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك نستقي منها ما يفيدنا وينفعنا في وضع استراتيجياتنا للدولة الحديثة القوية المناسبة لعصرنا، هل نعرف ونتذكر كيف بنى النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الدولة القوية التي هزت عروش قيصر وقضت على أكاسرة الفرس، فلم تقم بعدها لهم قائمة ولن تقوم أبدا بوعد من الله سبحانه، هل فقهنا تلك الاستراتيجية النبوية العبقرية في سياسة الدولة ورقي مواطنيها، والعمل على النهوض بها بما يحفظ عليها كيانها وهويتها ودينها وأخلاقها، أم حال أجيالنا المظلومة والتي غيبت ظلما وعدوانا فجهلت حتى معرفة أسماء الأشهر العربية القمرية فضلا عن الأحداث التي قامت عليها شريعتنا وأحكامنا وعباداتنا وارتبطت بها حياتنا جميعها لطغيان عباد الغرب والاحتكام لقوانينه الوضعية وسنته الميلادية وأشهرها التي لا تمت لنا بصلة من قريب أو بعيد أو ماض أو حاضر أو مستقبل غير التبعية لأربابها وفرضها علينا قهرا، أن جميع أمم الأرض تفتخر بتاريخها وتوقيتها وخصوصيتها وهويتها، إلا نحن الذين فقدنا بوصلة وجودنا فأصبحنا عالة على الأمم نسترجي حتى أيامها ومواقيتها ومناسباتها وكأننا أمة لقيطة بين الأمم، والعياذ بالله ولولا شهر رمضان والحج لما عرفنا من نحن؟! والله المستعان!
استخلاف للإنسان
* الهجرة النبوية والسيرة العطرة: رؤية إلهية للاستخلاف الحقيقي للإنسان وكيفية عبوديته لله وحده على الأرض وفق شرعه ومنهجه سبحانه، ورسالة إلهية بتحقيق تلك الرؤية والانتقال بها من الضلال إلى الصلاح، ومن مناهج البشر إلى منهج الواحد الأحد الذي عدل خط التاريخ، وغير مجرى الحياة في العالم الإنساني، إن السيرة النبوية المطهرة.. هي التطبيق العملي لحقيقة الرسالة التي جاء بها النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وقلب بها موازين الحياة، فقد أخذت منه -صلى الله عليه وسلم- ومن أصحابه الكرام (رضي الله عنهم وأرضاهم) من الجهد والعمل الدؤوب ثلاثا وعشرين عاما من عمره الشريف بعد تكليفه بالرسالة على رأس الأربعين من عمره وهو ما تعورف عليه تاريخيا بالمرحلة المكية والمدنية، المرحلة المكية التي دامت 13 عاما كان هدفها إعادة هيكلة بناء شخصية الإنسان وتحرير وتنقية عقيدته من أدران الضلالات والأوثان وعقليته من الأوهام وشوائب الجاهلية وتقويم سلوكياته وأخلاقه، صحيح أن عدد المسلمين الأوائل في تلك الفترة لم تتجاوز المئات، ولكن النجاح الباهر الذي تحقق في تربيتهم أن جعلنا نتساءل: كيف رباهم الرسول (عليه الصلاة والسلام) حتى أصبحوا صفوة الصفوة من الخلق حتى وجد في هؤلاء المؤمنين أمثال أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعمر بن الخطاب الذين عرفوا بفضلهم العلمي الغزير وقوتهم العملية ويقظة الضمير وصفات السمو الخلقي فكانوا قادة العالم جميعا، وكذلك مصعب بن عمير وجعفر بن أبي طالب وأبو عبيدة بن الجراح الذين امتازوا بالكفاءة العالية والدعوة الصادقة، فأسلم على أيديهم أهل الحبشة ويثرب ونجران بدعوتهم، وعبدالله بن مسعود وعبدالرحمن بن عوف ممن عرفوا برواياتهم التي احتوت على مئات من اللطائف العلمية، والزبير وطلحة وعمار بن ياسر وبلال ممن أنهكوا الظالمين بثباتهم واستقامتهم، والسكران وشماس وأم سلمة وأم حبيبة وخنيس الذين هاجروا وآثروا الإقامة في الحبشة مغتربين ولم يبالوا بالأهل وذي القربى والوطن في سبيل الدين، وغيرهم من السابقين الأولين الذين تميزوا بالسبق إلى فضل الدعوة وفق هدى ونور من الله، والعودة بعقيدتهم إلى فطرتها السوية بعد أن لوثتها المناهج الوضعية السائدة في بيئتهم الجاهلية آنذاك، ولا عجب، فقد كان مربيهم ومعلمهم وهاديهم النبي الأمي -صلى الله عليه وسلم- ربّاهم على عينه، وأمرهم بالصبر والاحتساب وضبط النفس والمجاهدة في سبيل إعلاء دين الله -دين التوحيد الخالص- حتى استطاعوا تحمل أعباء الدعوة وبناء الدولة العصرية الإسلامية فيما بعد.
تربية الأجيال
والملاحظ أن المرحلة المكية تساوي في زمننا الفترة التأسيسية لتربية وتعليم الأجيال التي نحتاجها لبناء الأوطان، هذه الأجيال المستقبلية لبناء الوطن للأسف أضعنا تربيتها وانحدرنا بها إلى الجهل بدينها وعلمها ولغتها والتغريب بالبعد عن هويتها بسبب تجاربنا الفاشلة ومناهجنا الضعيفة الملفقة من هنا وهناك التي لا تسمن ولا تغني من جوع في جميع مراحلنا التعليمية من الحضانة وحتى الجامعة، والتي انتهجت عن عمد بحجة التطوير والتنوير والتغيير الضحالة العلمية والعجمية اللغوية، ومن أراد إنقاذهم من ذلك التخبط والتشتت الواقع عليهم ألقى بفلذات كبده إلى المدارس الأجنبية وهذا همٌّ آخر، فكأنما استجار بالنار من الرمضاء، إننا نمارس الوأد الخفي لعقيدة أجيالنا والمسخ الفكري للغتهم وهويتهم، سنوات أعتبرها سنوات التيه لأجيالنا، وما أحرانا أن نعود لتاريخنا ونقدم هجرتنا النبوية بسيرتها المحمدية في مناهجنا العلمية والتخصصية، فإنها منهج حياة ثبت نجاحها، إن التحدي الحقيقي لوجودنا هو (أن نكون أو لا نكون) وهذا يحتاج تكاتف جميع أبناء الوطن المخلصين لا المتسلقين والصادقين لا المنافقين والمستجلبين لوضع مناهج حقيقية صادقة مستمدة من دستورنا المقدس (قرآننا وسنة نبينا) أولا، ثم معارف وعلوم عصرنا النافعة لأجيالنا حتى نستطيع بناء دولة حديثة على أسس عصرية كما كانت دولة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في عهدها المدني خلال سنواتها العشر (10) بمؤسساتها العديدة والعظيمة، تلك المرحلة التي أنشأت لنا المدينة الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة والمصلحون قديما ولم تتحقق إلا على يده الشريفة -صلى الله عليه وسلم- بفضل هذا المنهج الرباني وبهؤلاء الصفوة النجيبة من البشر الذين اختارهم الله لصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ونشر رسالته ودعوته وتطبيق منهجه وتأسيس دولة الحرية والإخاء والعدل والمساواة، فكانت التنمية الحقيقية للمجتمع بالمصطلح الحديث بعد أن عمل على إعداد الكوادر البشرية إعدادا متميزا خلال ثلاث عشرة سنة فاقتدوا بهديه وساروا على نهجه فدانت لهم الدنيا وأصبحوا سادتها وقادتها بعد أن كانوا رعاة على سفوح جبال مكة أو كانوا خوة أعداء يهلكون بعضهم بعضا بالثارات والعداوات في يثرب فألف الله تعالى بينهم بفضل هذا الدين ونبيه فأصبحوا إخوانا متحابين متآلفين وصدق الله (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) وليس هذا فحسب بل استقبلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- بكل حب وافتخار وآووه ونصروه واتبعوا الحق الذي أنزل معه وفرحوا بالمسلمين المهاجرين وشاركوهم بالأموال والبيوت وآثروهم على أنفسهم إنهم الأنصار الذين وصفهم القرآن بصفات يندر وجودها إلا من سار على هديهم في حب الله ورسوله ودينه وأصحابه أصبحت خصائصهم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة (الذين آمنوا يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في أنفسهم حاجة ويؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة) وقال النبي فيهم (اللهم أحب الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار) فما أحوجنا إلى هذه الألفة بين أبناء هذا الوطن الواحد بعد أن استفحلت العصبية القبلية البغيضة بينهم ولم تكن موجودة في السابق، وبين أبناء الأمة التي مزقتها المذهبية والطائفية والحزبية فمزقتهم كل ممزق وجعلتهم أحاديث الأمم ومحل سخريتها واستهزائها فتهافتت عليها من كل حدب وصوب كما تتهافت الأكلة إلى قصعتها كما جاء في حديث الصادق المصدوق (تتهافت عليكم الأمم كما تتهافت الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة يا رسول الله، قال: بل أنت كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، فما أحوجنا إلى إعادة هذه الألفة بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة من جديد، وما ذلك على الله بعزيز إذا فقهنا ذكرى الهجرة النبوية والسيرة النبوية الشريفة وما تحمله من خير للبشرية إذا فقهنا تاريخنا واستخلصنا العبر والدروس من أحداثها وعدنا إلى سيرة نبينا العطرة في تربيتنا وتعليمنا لأجيالنا وصياغتها من جديد بما يناسب زمنهم وعصرهم في الأعوام القادمة بإذن الله فإننا يجب أن نربيهم لزمان غير زماننا ونهيئهم لمستقبل غير حاضرنا يحفظ عليهم عقيدتهم الصحيحة وعزتهم وهويتهم، فهل من مشمر من قادتنا الكرام لنيل هذا الشرف العظيم، اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
جوهر الحضارة ورياحين النفوس
في تجربتنا الإنسانية على هذه البسيطة، جميلٌ أن يُدرك المرء أن الفنون جوهر الحضارة ولبّها الأصيل، يرتفع بها... اقرأ المزيد
189
| 02 يونيو 2026
رحلتي وعودتي من الحج.. ذكريات لا تغيب
عندما غادرت أرض الوطن متوجهاً إلى الديار المقدسة، كنت أحمل شوقاً طال انتظاره إلى بيت الله الحرام، لكنني... اقرأ المزيد
255
| 02 يونيو 2026
قطر تدين اقتحام المسجد الأقصى
في امتداد لموقفها الثابت والتاريخي الداعم للقضية الفلسطينية والدفاع عن القدس ومقدساتها، أدانت دولة قطر اقتحام متطرفين إسرائيليين... اقرأ المزيد
132
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4335
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2634
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1635
| 29 مايو 2026