رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
محمد أعظم الشخصيات الإصلاحية التي ظهرت في تاريخ البشرية
الهجرة النبوية رؤية إلهية للاستخلاف الحقيقي للإنسان وكيفية عبوديته لله وحده
الهجرة هي التطبيق العملي لحقيقة الرسالة التي قلب بها محمد موازين الحياة
الإستراتيجية النبوية في إدارة الدولة حفظت عليها كيانها وهويتها ودينها وأخلاقها
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله مبشرا ونذيرا وبعد..
هلَّ علينا عام جديد من أعوام الهجرة النبوية المجيدة، عام 1438 على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، لنقف عنده مليا نستلهم منه العبر، ونستذكر تاريخنا الذي أُنسيناه، وهجرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- التي هجرناها، ونعيد التذكير بها لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ونقف وقفات عندها لمراجعتها من خلال سيرة نبينا الكريم أعظم شخصية إنسانية على وجه الأرض بشهادة أعداء الأمة قبل منصفيها، فقد كان على رأس المائة من أعظم الشخصيات الإصلاحية التي ظهرت في تاريخ البشرية من أنبياء وقادة ومصلحين، فهي الرصيد الحق التاريخي الثابت الذي لا ينضب، لتستمد منه الأجيال المتلاحقة وجودها وهويتها وبقاءها من ميراث النبوة، وحملة مشاعل العقيدة الصحيحة الصافية زاد مسيرها وعناصر بقائها وأصول امتدادها فهي المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ونقول دائما: إن الهجرة النبوية ليست كأي هجرة!!
* الهجرة النبوية والسيرة العطرة.. ليست كالهجرات التي عرفتها الإنسانية بحثا عن الرزق وأسباب الحياة، كلا إنها هجرة للذات والنفس السوية والهوية بحثا عن العقيدة الصحيحة والعقل المفكر نحو الكمال الإنساني الذي تمثل وتكامل في شخصية سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد بن عبدالله (عليه الصلاة والسلام) المثل الكامل للإنسانية جمعاء في نواحيها المتعددة منذ مبعثه وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، هذا النبي الكريم الذي أنشأ وربّى رجالا ونساءً من أحضان الصحراء، وصنع أمة بدأ تاريخها مع نبيها -صلى الله عليه وسلم- ولن تنتهي إلا بقيام الساعة إذا تمسكت بهدي نبيها، تاريخ لا تغيب عنه الشمس ما دامت السماوات والأرض، وضربت أروع الأمثلة وأندرها في الصبر على البلاء، والثبات على الحق، واستقرار النفس واطمئنانها على زلازل الدنيا، فكانت منبعا ثريا للإنسانية جمعاء، ويجب على من ينتمي إليها اليوم أن يحقق المعاني السامية العظيمة من الهجرة النبوية والسنة المطهرة.
* الهجرة النبوية والسيرة العطرة، ليست قصصا تتلى وحكايات تسرد بل هي العطاء المتجدد والزاد الباقي إلى يوم الدين والقدوة الصالحة الدائمة للأجيال المسلمة، إنها التطبيق العملي والبرنامج الواقعي للقرآن الكريم في تحقيق الهدف من وجودها، وهي عبادة الله تعالى على هدى وبصيرة، تتجلى في عقيدتها وأعمالها وأخلاقياتها.. فسيرته -صلى الله عليه وسلم- منهجا ربانيا قويما عمليا في جميع شؤون الحياة، كما قالت السيدة عائشة عندما سئلت عنه: (كان خلقه القرآن) إنه الأسوة الحسنة والمثل الكامل للأفراد في السياسة والحكم والقيادة والاقتصاد والمال والاجتماع والعلاقات الإنسانية والعلاقات الدولية والأممية، وصدق الله عز وجل (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (الأحزاب 21).
ليست تراتيل
* الهجرة النبوية والسيرة العطرة: ليست تراتيل وأناشيد وذكريات نشدوا بها في المناسبات، بل نبراس يضيء لنا الطريق، للعودة بنا إلى العزة والقوة والوجود الحقيقي كأمة ولسنا كمًا مهملا على هامش الدول والأمم، أنها المنبع الوحيد الذي تنفجر منه ينابيع الحياة السعيدة الحقيقية للمجتمع البشرى كافة، ولن تحقق غاياتها من الرقي والسمو بين أمم العالم إلا إذا أدركت غاية وجودها من خلال رصيدها التاريخي الطويل الواضح الذي لم تظفر به أمة من الأمم كما ظفرت به أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- وفقهت سبب وجودها في الحياة كما فقهه السلف الصالح والمتمثل في قول ربعي بن عامر -رضي الله عنه- (إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) هذه الغاية التي يجب أن تتحقق فينا وفي أجيالنا القادمة ليشاركوا الكتائب المؤمنة التي سبقتها في صناعة المجد والعزة لهذه الأمة العزيزة على الله ورسوله بوصف القرآن لها: (أعزة على الكافرين)، (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين).
* الهجرة النبوية والسيرة العطرة: ليست تقويما تزين به الحوائط والمكاتب وتوزع على الأحباب والأصحاب ويتبارى الطابعون بطباعتها طباعات عادية وفاخرة حسب المقامات العلية في بداية كل سنة هجرية تنزع أوراقها لترمى كما تتساقط أوراق أيامنا دون أن نفقه تاريخنا والحوادث العظيمة والوقائع الجليلة التي حدثت ووقعت خلال تلك الفترة المجيدة لدولتنا الإسلامية في عهدها المكي والمدني والتضحيات الجسيمة التي قدمها الجيل الأول لهذه الأمة منذ بعثة النبي-صلى الله عليه وسلم- وحتى هجرته الشريفة وتأسيس دولة عظيمة في سنوات قلائل لا تتجاوز العشر سنوات وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك نستقي منها ما يفيدنا وينفعنا في وضع استراتيجياتنا للدولة الحديثة القوية المناسبة لعصرنا، هل نعرف ونتذكر كيف بنى النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الدولة القوية التي هزت عروش قيصر وقضت على أكاسرة الفرس، فلم تقم بعدها لهم قائمة ولن تقوم أبدا بوعد من الله سبحانه، هل فقهنا تلك الاستراتيجية النبوية العبقرية في سياسة الدولة ورقي مواطنيها، والعمل على النهوض بها بما يحفظ عليها كيانها وهويتها ودينها وأخلاقها، أم حال أجيالنا المظلومة والتي غيبت ظلما وعدوانا فجهلت حتى معرفة أسماء الأشهر العربية القمرية فضلا عن الأحداث التي قامت عليها شريعتنا وأحكامنا وعباداتنا وارتبطت بها حياتنا جميعها لطغيان عباد الغرب والاحتكام لقوانينه الوضعية وسنته الميلادية وأشهرها التي لا تمت لنا بصلة من قريب أو بعيد أو ماض أو حاضر أو مستقبل غير التبعية لأربابها وفرضها علينا قهرا، أن جميع أمم الأرض تفتخر بتاريخها وتوقيتها وخصوصيتها وهويتها، إلا نحن الذين فقدنا بوصلة وجودنا فأصبحنا عالة على الأمم نسترجي حتى أيامها ومواقيتها ومناسباتها وكأننا أمة لقيطة بين الأمم، والعياذ بالله ولولا شهر رمضان والحج لما عرفنا من نحن؟! والله المستعان!
استخلاف للإنسان
* الهجرة النبوية والسيرة العطرة: رؤية إلهية للاستخلاف الحقيقي للإنسان وكيفية عبوديته لله وحده على الأرض وفق شرعه ومنهجه سبحانه، ورسالة إلهية بتحقيق تلك الرؤية والانتقال بها من الضلال إلى الصلاح، ومن مناهج البشر إلى منهج الواحد الأحد الذي عدل خط التاريخ، وغير مجرى الحياة في العالم الإنساني، إن السيرة النبوية المطهرة.. هي التطبيق العملي لحقيقة الرسالة التي جاء بها النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وقلب بها موازين الحياة، فقد أخذت منه -صلى الله عليه وسلم- ومن أصحابه الكرام (رضي الله عنهم وأرضاهم) من الجهد والعمل الدؤوب ثلاثا وعشرين عاما من عمره الشريف بعد تكليفه بالرسالة على رأس الأربعين من عمره وهو ما تعورف عليه تاريخيا بالمرحلة المكية والمدنية، المرحلة المكية التي دامت 13 عاما كان هدفها إعادة هيكلة بناء شخصية الإنسان وتحرير وتنقية عقيدته من أدران الضلالات والأوثان وعقليته من الأوهام وشوائب الجاهلية وتقويم سلوكياته وأخلاقه، صحيح أن عدد المسلمين الأوائل في تلك الفترة لم تتجاوز المئات، ولكن النجاح الباهر الذي تحقق في تربيتهم أن جعلنا نتساءل: كيف رباهم الرسول (عليه الصلاة والسلام) حتى أصبحوا صفوة الصفوة من الخلق حتى وجد في هؤلاء المؤمنين أمثال أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعمر بن الخطاب الذين عرفوا بفضلهم العلمي الغزير وقوتهم العملية ويقظة الضمير وصفات السمو الخلقي فكانوا قادة العالم جميعا، وكذلك مصعب بن عمير وجعفر بن أبي طالب وأبو عبيدة بن الجراح الذين امتازوا بالكفاءة العالية والدعوة الصادقة، فأسلم على أيديهم أهل الحبشة ويثرب ونجران بدعوتهم، وعبدالله بن مسعود وعبدالرحمن بن عوف ممن عرفوا برواياتهم التي احتوت على مئات من اللطائف العلمية، والزبير وطلحة وعمار بن ياسر وبلال ممن أنهكوا الظالمين بثباتهم واستقامتهم، والسكران وشماس وأم سلمة وأم حبيبة وخنيس الذين هاجروا وآثروا الإقامة في الحبشة مغتربين ولم يبالوا بالأهل وذي القربى والوطن في سبيل الدين، وغيرهم من السابقين الأولين الذين تميزوا بالسبق إلى فضل الدعوة وفق هدى ونور من الله، والعودة بعقيدتهم إلى فطرتها السوية بعد أن لوثتها المناهج الوضعية السائدة في بيئتهم الجاهلية آنذاك، ولا عجب، فقد كان مربيهم ومعلمهم وهاديهم النبي الأمي -صلى الله عليه وسلم- ربّاهم على عينه، وأمرهم بالصبر والاحتساب وضبط النفس والمجاهدة في سبيل إعلاء دين الله -دين التوحيد الخالص- حتى استطاعوا تحمل أعباء الدعوة وبناء الدولة العصرية الإسلامية فيما بعد.
تربية الأجيال
والملاحظ أن المرحلة المكية تساوي في زمننا الفترة التأسيسية لتربية وتعليم الأجيال التي نحتاجها لبناء الأوطان، هذه الأجيال المستقبلية لبناء الوطن للأسف أضعنا تربيتها وانحدرنا بها إلى الجهل بدينها وعلمها ولغتها والتغريب بالبعد عن هويتها بسبب تجاربنا الفاشلة ومناهجنا الضعيفة الملفقة من هنا وهناك التي لا تسمن ولا تغني من جوع في جميع مراحلنا التعليمية من الحضانة وحتى الجامعة، والتي انتهجت عن عمد بحجة التطوير والتنوير والتغيير الضحالة العلمية والعجمية اللغوية، ومن أراد إنقاذهم من ذلك التخبط والتشتت الواقع عليهم ألقى بفلذات كبده إلى المدارس الأجنبية وهذا همٌّ آخر، فكأنما استجار بالنار من الرمضاء، إننا نمارس الوأد الخفي لعقيدة أجيالنا والمسخ الفكري للغتهم وهويتهم، سنوات أعتبرها سنوات التيه لأجيالنا، وما أحرانا أن نعود لتاريخنا ونقدم هجرتنا النبوية بسيرتها المحمدية في مناهجنا العلمية والتخصصية، فإنها منهج حياة ثبت نجاحها، إن التحدي الحقيقي لوجودنا هو (أن نكون أو لا نكون) وهذا يحتاج تكاتف جميع أبناء الوطن المخلصين لا المتسلقين والصادقين لا المنافقين والمستجلبين لوضع مناهج حقيقية صادقة مستمدة من دستورنا المقدس (قرآننا وسنة نبينا) أولا، ثم معارف وعلوم عصرنا النافعة لأجيالنا حتى نستطيع بناء دولة حديثة على أسس عصرية كما كانت دولة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في عهدها المدني خلال سنواتها العشر (10) بمؤسساتها العديدة والعظيمة، تلك المرحلة التي أنشأت لنا المدينة الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة والمصلحون قديما ولم تتحقق إلا على يده الشريفة -صلى الله عليه وسلم- بفضل هذا المنهج الرباني وبهؤلاء الصفوة النجيبة من البشر الذين اختارهم الله لصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ونشر رسالته ودعوته وتطبيق منهجه وتأسيس دولة الحرية والإخاء والعدل والمساواة، فكانت التنمية الحقيقية للمجتمع بالمصطلح الحديث بعد أن عمل على إعداد الكوادر البشرية إعدادا متميزا خلال ثلاث عشرة سنة فاقتدوا بهديه وساروا على نهجه فدانت لهم الدنيا وأصبحوا سادتها وقادتها بعد أن كانوا رعاة على سفوح جبال مكة أو كانوا خوة أعداء يهلكون بعضهم بعضا بالثارات والعداوات في يثرب فألف الله تعالى بينهم بفضل هذا الدين ونبيه فأصبحوا إخوانا متحابين متآلفين وصدق الله (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) وليس هذا فحسب بل استقبلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- بكل حب وافتخار وآووه ونصروه واتبعوا الحق الذي أنزل معه وفرحوا بالمسلمين المهاجرين وشاركوهم بالأموال والبيوت وآثروهم على أنفسهم إنهم الأنصار الذين وصفهم القرآن بصفات يندر وجودها إلا من سار على هديهم في حب الله ورسوله ودينه وأصحابه أصبحت خصائصهم قرآنا يتلى إلى يوم القيامة (الذين آمنوا يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في أنفسهم حاجة ويؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة) وقال النبي فيهم (اللهم أحب الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار) فما أحوجنا إلى هذه الألفة بين أبناء هذا الوطن الواحد بعد أن استفحلت العصبية القبلية البغيضة بينهم ولم تكن موجودة في السابق، وبين أبناء الأمة التي مزقتها المذهبية والطائفية والحزبية فمزقتهم كل ممزق وجعلتهم أحاديث الأمم ومحل سخريتها واستهزائها فتهافتت عليها من كل حدب وصوب كما تتهافت الأكلة إلى قصعتها كما جاء في حديث الصادق المصدوق (تتهافت عليكم الأمم كما تتهافت الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة يا رسول الله، قال: بل أنت كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، فما أحوجنا إلى إعادة هذه الألفة بين أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة من جديد، وما ذلك على الله بعزيز إذا فقهنا ذكرى الهجرة النبوية والسيرة النبوية الشريفة وما تحمله من خير للبشرية إذا فقهنا تاريخنا واستخلصنا العبر والدروس من أحداثها وعدنا إلى سيرة نبينا العطرة في تربيتنا وتعليمنا لأجيالنا وصياغتها من جديد بما يناسب زمنهم وعصرهم في الأعوام القادمة بإذن الله فإننا يجب أن نربيهم لزمان غير زماننا ونهيئهم لمستقبل غير حاضرنا يحفظ عليهم عقيدتهم الصحيحة وعزتهم وهويتهم، فهل من مشمر من قادتنا الكرام لنيل هذا الشرف العظيم، اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5997
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5775
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1779
| 13 مايو 2026