رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبقت الإشارة إلى مركزية الإنسان في أي عملية نهضة حضارية، وأشرت إلى أن هناك اتفاقا عاما على هذا الأمر، ولكن رغم ذلك نجد كثيرا من الشعوب – السودان من بينها – تنصرف حين تهم بالإصلاح لأجل النهضة عن الإنسان لما ينطوي عليه إصلاحه من صعوبة وحاجة للصبر الطويل، فينصرفوا نحو ما يظنونه ركائز فرعية يمكن أن يتصوب جهد الإصلاح تجاهها حتى تقوم النهضة عليها عوضاً عن إصلاح الإنسان المضني. لذلك، وقبل أن نخوض في أمر إصلاح الإنسان، علينا أن نفند بعض الضلالات التي تشكلت في وعينا العام عن النهضة وسبل الوصول إليها.
• ضلالة الثروة الطبيعية:
الإنسان بطبعه مجبول على القعود عن بذل الجهد والعمل ما لم يستفز إليه أو يضطر، لذلك فإن الذي يرث مالاً عن أهله قلما ينهض لعمل إلا أن ينفد منه المال. وربما لم يختلف هذا السلوك إذا كان المرء موعوداً بالإرث حتى دون أن يقبضه، وهذا يشبه حالنا اليوم.
لا أدري متى ولا كيف انتشرت ضلالة أن السودان هو من أغنى الدول في موارده الطبيعية ولكنها الآن أصبحت شديدة الرسوخ إلى درجة عقائدية ما يجعل البحث عن أصل هذه الخرافة مثيراً للاهتمام، ولكن ذلك بحث يخرج عن الإطار الحالي، ويمكن الاكتفاء بالإشارة إلى أمرين قد يساعدا على فهم هذا الإشكال.
الأمر الأول هو أن الخرافة بدأت في السودان القديم الذي حوى بعض البترول إضافة إلى صيت الطبيعة الغنية لكل أرض استوائية وذلك الغموض الذي يحيط بكل ما هو إفريقي وبدائي، والذي يخبئ وراءه في العادة كنوزاً كبيرة لا يعرف الإفريقي – لبدائيته – كيف ينفقها، حتى يأتي الحضري الأبيض مغامراً ومتخطياً مجاهيل الغابة الإفريقية وشعوذة أهلها ليفوز بالكنز! هذه الصورة النمطية ربما تكون فيها شيء من المبالغة ولكنها لن تخلو من قدر من الحقيقة. والسودان الذي غلبت عليه الثقافة العربية رأى نفسه بمنظارها الذي اعتاد الصحراء والقفر فرآها جنة وارفة وهو كذلك بالنسبة لمنابع ثقافته. ثم إن العرب الذين ينظر إليهم السودانيون بشيء من الإعلاء يعجبهم في السودان ما يفقدوه عندهم، بعض الماء والخضرة، وذلك إعجاب تدفعه ربما الحاجة أكثر من دفع السياحة والنظر فصارت هذه الميزة السودانية على العرب – المستعلين بثقافتهم – ثمينة جداً وفريدة فأسرف السودانيون في تعظيمها طلباً للمباهاة مع العربي.
الأمر الثاني هو ذلك النزوع الطبيعي نحو الدعة والسكون الذي ذكرته في مبتدأ الفصل، والذي يعوز الدافع نحو النهضة لن ينهض. فالنهضة ليست تلقائية وليست يسيرة، بل تستدعي جهداً كبيراً وتعباً ما يعني أنها تستدعي حافزاً عالياً، وليس ثمة أمر محبط للحافز ومقعد لهمة الإنسان سوى سهولة المال والاستغناء عن العمل. ولكن كيف يتنزل هذا الإحباط لمستوى الفرد فيؤثر على همته الذاتية؟ بتعبير آخر، هل سيمتنع الفرد عن العمل بجد لكسب العيش الطيب لأن البلد غنية بالبترول والذهب؟ إذا وجد الضمان لمعاشه سيمتنع في الغالب إلا أن تكون له همة فطرية ونشاط. ولكن التعقيد يكون عندما ينعدم الضمان، أي عندما لا يجد كافلاً من الدولة أو غيرها إذا قعد عن العمل، فهل سيؤثر عليه كون البلد ذات ثروة طبيعية كبيرة أو لا؟ نعم سيتأثر.
العنصر الذي يغفله كثير من الناس في دراسة الاقتصاد وأحوال المعاش والاجتماع هو عنصر الثقافة الاقتصادية وأخلاق العمل. وهو العنصر الذي قد يغيب تأثيره عند النظر على مستوى الفرد ولكنه شديد الوضوح من المنظور الكلي. مثال ذلك نجده في نظرية ماكس فيبر عن تأثير الأخلاق البروتستانتية على ولادة الرأسمالية في أوروبا دون غيرها. وليس عسيراً ملاحظة أن بعض الشعوب اعتادت إتقان العمل أكثر من غيرها حتى إذا استوى الأجر، لأن الإتقان أصبح طبيعة وثقافة عند هذه الشعوب ولم يعد متوقفاً على قدر الأجر المقابل. ذات الأمر نجده معكوساً عند الشعوب التي تحرص مثلاً على تحضير الطعام بما يزيد على الحاجة وإكثار الأصناف، ليس لسعة في المال، بل أحياناً يكون هذا في ضائقة، ولكن لأن الأمر أصبح ثقافة، ثقافة تفسر من السلوك الإنساني ما يعجز المنطق الاقتصادي البسيط عن تفسيره.
إن مثل هذه الشعوب التي تعيش على أمل الرفاه من ثروتها الطبيعية كمثل الابن الذي يعيش على أمل الغنى من إرث والده العجوز البخيل، فهو يعيش في حال بسيط لبخل والده ويمضي في حياته كالناس، يدخل المدارس ثم يخرج ليبحث عن عمل، ولكنه في كل ذلك ضعيف الالتزام، يده في الواجب الذي بين يديه وعينه على ثروة أبيه، وهو في حاضره لا يبذل ما ينبغي من جهد تجاه واجباته ولا يحسنها لظنه أنه قريباً لن يحتاجها وسيستغني بإرث أبيه. هذه هي الثقافة الفاشية في شعوبنا إلى حد كبير، ثقافة الخلاص القدري وليس الكسبي، حيث يهبط قدر من السماء أو يخرج من الأرض فيخلص الناس من معاناتهم، والمهدي المنتظر والبترول في هذا الأمر سواء.
بهذا الفهم ظل الناس يلقون اللائمة على الحكومات باعتبارها عاجزة عن إدارة هذه الثروة وايصالها لهم بينما هم يدبرون أحوالهم بأقل مجهود ريثما يأتي الفرج. وبذات الفهم فإن الحكومات تنفق من الموارد الطبيعية باعتبارها مالاً وليس باعتبارها رأسمال، فالمال يستهلك بينما رأس المال يستثمر، ولكن اختلط الأمر على الحكومات فظنت أن إخراج الثروة من الأرض هو غاية الاستثمار وأن ما أخرجته هو النقد الذي تمضي به إلى السوق. هذا ما فعلته الحكومة بالبترول وتفعله الآن بالذهب وكانت وستظل تفعله بالزراعة حتى يفتح الله على هذه البلاد بمن يدرك مفهوم الصناعة والقيمة المضافة.
أقول هذا طعناً في منهج الاعتماد على الثروات الطبيعية إن وجدت فكيف أن لم توجد! الحقيقة التي ذكرتها في غير مرة هي أن السودان بلد محدود الموارد وليس غنياً بها، فباستثناء الثروة الحيوانية والتي لا يحسن استغلالها، فالسودان لا يصنف غنياً في أي مورد من الموارد الطبيعية الأساسية، لا في المحروقات ولا في المعادن ولا في المياه العذبة، وكل ما يقال عن أن هذه الأرض تحوي كنوزاً كبيرة هو إما مبالغة أو خرافة. ولكي ندرك خطورة استمرار هذه الضلالة على مستقبل بلادنا نسترجع مثال الابن الذي أضاع عمره دون أن يحسن التعلم أو العمل طمعاً في الاستغناء بثروة أبيه، ثم اكتشف أن أباه فقير معدم، هذا هو حال السودانيين اليوم، غفلة تستدعي عاجل الانتباه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3009
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2586
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2184
| 02 يونيو 2026