رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقول الله -تعالى-: "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً " (الأحزاب:23)، الحمد لله على كل حال، فلله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل، ولا نقول إلا ما يرضي الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رحمك الله يا أخي أبا محمود، وأعلى مقامك، وتقبلك في الصالحين، وأنا حين أكتب عنك بقلم كسيرٍوقلبٍ جريح باكٍ لعظم الفقد، أكتب القليل القليل مما حفظته الذاكرة من المعاني الصادقة، التي كنتَ تتحلى بها في كل الظروف، وعندي فيها الكثير،الذي لا يتسع له المقام. وأقدم شهادة في ذكر بعض خصائصك وصفاتك،ألقى الله عليها، تلك الخصائص والصفات، التي تميزت بها عن جميع إخوانك وأقرانك وزملائك؛ لا أقصد المديح والثناء وتعميق الجراح وتعظيم المصاب، وهو عظيم بلا شك، ولا النيل من الآخرين، وإنما بدافع الحرص على تجديد الذاكرة تجاهها، لعلها تكون تذكرة، وتعيها أذن واعية، ولعلي بذلك أساهم بتوسيع دوائر الخير في حياتنا وعلاقاتنا وامتدادها، فيحدث التغيير في نفوسنا وواقعنا، وعلى الأخص في هذه السنوات العجاف والفتن الكثيرة والكبيرة، التي تمر بنا، حيث تشتد قسوة الأيام في غياب الرواد الحكماء والخلف العدول، ويتعاظم اليوم تحريف الكلم، والعبث بالأحكام الشرعية، والتشويه للقيم الإسلامية، وإيقاظ الفتن من مرقدها، لقد غاب الرعاة الأمناء، وهجم الذئاب، وتجمعت قوى الشر، بعضهم أولياء بعض، فتحولت الأمة إلى أشلاء ممزقة، وأصبحنا نكسر أسلحتنا بأيدينا، أو بأوامر من عدونا، أو بصناعة إسلامية مزيفة، أو باختراق لمؤسساتنا ومجتمعاتنا وشبابنا الغض، لقد نذرتَ نفسك للإسلام منذ وعيت الحياة، وكنت صادقاً مع نفسك وأهلك ومع الناس، لم تتبدل، ولم تتغير، على الرغم من تغير الظروف والأحوال، بين العسر واليسر، والشدة والرخاء، والاعتقال والحرية، والاغتراب عن الوطن، والاغتراب في الوطن، ولم نعرف عليك ولا عنك مخادعة أو مخاتلة أو التواء أو باطنية أو إخفاء لما تريد، أو تبرماً أو تسخطاً لما يلحق بك، لقد كانت شخصيتك واضحة، ومواقفك مقروءة بشكل مميز من بيننا جميعاً، بعيداً عن المكر والخداع والتلبيس والتدليس والغموض، وكل وسائل وألاعيب السياسيين، التي أصابت كثيراً، فما أحوجنا اليوم لنماذج صادقة مع ربها ونفسها وأهلها وأمتها، لقد عرفتُك جاراً في الحي لأكثر من عقد من الزمان، فكنت نِعْم الجار والصاحب والأخ والصديق الصادق المعوان؛ ولم تكن آداب الجوار وحقوق الجار في الإسلام بالنسبة لك شعارات مرفوعة فوق المنابر يُتاجر بها، ولا نصيب لها من حياة وعلاقات الجيران، وإنما كانت حقيقة وجود ومحل اقتداء، وعرفتُك صاحباً في الأسفار، بكل ما يحتمل السفر من وعثاء ومشقة واختبار لحقيقة الإنسان، فالسفر يُسفر عن حقيقة الصفات، وكريم الأخلاق، ومدى الغيرية، ونكرات الذات، لقد كنت عظيم الاهتمام بإخوانك، خادماً لهم، منكراً لذاتك، على الرغم من فضلك وعلمك وسنك، لقد عشت متواضعاً، بعيداً كل البعد عن الأنانية وتفخيم الذات وتعظيم الإنجازات والشكوى من المظلومية التي تقع عليك، وكم كنت الفارس المقدام في المواقف الصعبة، الذي يتقدم ليتحمل العبء، ويفدي إخوانه بنفسه، وعرفتك شريكاً في أيام الأزمات والشدائد والكبوات والفتن، التي تحيط بنا، فلم تيأس، ولم تضطرب، ولم تغادر الابتسامة والرضا-الذي عُرِفت به دائماً- محياك، ولعل قولة الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»(أخرجه الترمذي)، كانت محور حياتك، فأنت المبتسم دائماً في وجه إخوانك ووجه خصومكن فلقد كنت دائم التفاؤل والاطمئنان والوثوق بموعود الله -سبحانه وتعالى- هذا التفاؤل العظيم الذي طبع شخصيتك، جعل منها طاقة إيجابية متجددة، ذات فاعلية كبيرة، حيث لم تعرف الطاقة السلبية والتشاؤم إلى نفسك سبيلاً، كنت دائم الحيوية والحركة والنشاط، حتى بعد أن أضناك المرض، الذي امتد لسنوات، لم تستسلم أو تتوقف أوتستكن لحظة واحدة، كنت تأخذ أدواتك وأدويتك حيثما ذهبت، وتقوم بتمريض نفسك، تحمل أدوات غسيل الكلى، وأدويته، حيثما ذهبت، ولم يمنعك ذلك من متابعة النشاط العلمي والعملي!.
وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً تَعِبَتْ في مُرادِهاالأجْسامُ
لم تدخر طاقة، مهما قل شأنها، رائدك العملي قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَلَا تقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فَلْيَفْعَلْ»(أخرجه أحمد)، فلم يتوقف غراسك حتى توقفت أنفاسك،
كنتَ من بين القليل القليل، الذي أتقن اختصاصه، وكنت أنموذجاً يحتذى للتدريس في كلية الصيدلة، في جامعة دمشق، وكنت المدرس المعلم المربي، والأب الكبير، والقلب الرحيم للناس في المخابر، الجامعية الرسمية والخاصة بك على حدٍ سواء، تواسي الفقراء، وتقدم لهم الخدمات بدون مقابل، حتى ولو كنت بحاجة، لقد تابعت التمكن والتعمق في اختصاصك، واستطعت دون الكثير من التائهين أن تجعل اختصاصك العلمي في خدمة دينك، ولم ترض- شأن الكثير ممن تخصصوا في العلوم التجريبية- أن تغادر اختصاصك، الذي أفنيت فيه زهرة عمرك، وتتحول إلى احتراف الزعامة، وصناعة الوجاهة، بعد أن أصبحت الزعامة وركوب المنابر اليوم حرفة، على الرغم من كسبك الشرعي، الذي قد يفوق بعض المتخصصين به، لقد تابعت رحلة البحث العلمي، فكنت الرائد في تأسيس وتأصيل معايير الطعام والشراب الحلال الطيب،فكان عطاؤك في ذلك نقطة انطلاق في عالم غير المسلمين؛ وما زلت تتابع البحث في ذلك حتى اللحظات الأخيرة من حياتك؛ في الوقت الذي نجد فيه الكثير ممن تاهت به السبل، تركوا اختصاصهم في الطب والهندسة والعلوم ثغراً مفتوحاً في الجسم الإسلامي، باسم الحرص على مصلحة الدعوة، وباشروا أعمالاً لا تمت إلى اختصاصهم بصله، فكانت حياتهم عنواناً للفوضى، التي يعيشها العقل المسلم والعشوائية والخبال، الذي انتهينا إليه، ابتُعثت إلى أوروبا (بلجيكا) لتتابع اختصاصك العلمي، وتابعته بشكل ملفت، رغم الظروف الصعبة، فلقد كنت أول من زرع بذور الإسلام الرحيم الإنساني الحضاري في عالم غير المسلمين، حيث بدأت تنمو بذوره وتمتد وتتوسع وتلاقي فطرة الإنسان حيثما كان، لقد امتد عطاؤك فشكل المظلة الواقية والمناعة الثقافية، التي حمت الكثير من الطلبة المبتعثين والجاليات المسلمة من الفتن والسقوط والانكسار الحضاري، ولقد حدثني بعض من أثق بدينه وروايته ممن طافوا في أوروبا كلها تقريباً، بأنه لم يسمع من أحد إلا الثناء على الدكتور الهواري- رحمه الله-،
وهذه حقيقة كنا نلمسها طيلة حياتك، فلم تذكر أحداً بسوء، على الرغم من المكر والكيد والمخادعة، التي تحيط بالناس اليوم، وعلى الرغم من أن كثيراً ممن يدعون العلم والدين والذكاء لم يعرفوا في حياتهم إلا شتيمة الآخرين، فلم ينج أحد من شرهم، حتى الموتى، -والعياذ بالله-، كما لم يذكرك أحد بسوء، فيما أعلم ولعلك ممن يلقى الله بقلب سليم، مقاربة مني بالرجل، الذي قال عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»(أخرجه أحمد)، لقد كنت كريم النفس، نظيف اليد، نقي القلب، رضياً، هيناً، ليناً، تألف وتؤلف، كثيراً ما تضحي بقناعاتك ورأيك، في سبيل وحدة وتماسك وتكاتف الجهود ونبذ الفرقة، ومراعاة شؤون إخوانك، والتزام حقوق الأخوة حسب اجتهادك، لقد كنت تعتقد أن درء المفاسد، وخاصة في زمن الفتن، مقدم على جلب المصالح، رحمك الله -تعالى-، ولعل ذلك كان السبب فيما يؤخذ عليك، حيث ما كان يدفعك إلى ذلك إلا ما تعتقده من مصلحة عامة، الأمر الذي حمّلك من التبعات الكثير، وذلك بحق حيناً وبغير حق أحياناً، وقد يكون الهدف من وراء ذلك محاولة الآخرين الانسحاب من مسؤولية الفشل، ولعل عدم الشجاعة في تحمل المسؤولية كان السبب في بعض الفجوات والحفر، الممتدة في حياتنا والتي لا يزال يسقط فيها بعض العاملين للإسلام، ولا أزال أعيش لحظات الزيارة الأخيرة بصحبة الأستاذ الفاضل عصام العطار، -حفظه الله وأطال عمره-،وبعض الإخوة الكرام، الذين أصروا على مرافقتي لزيارتك، وقد أقعدك المرض، ومع ذلك حاولت تجاوز المرض والألم، والحضور الذهني الكامل لمؤانسة زائريك، وإصرارك عليهم قبول الدعوة لتناول الطعام في بيتك، ولعل مساهمتك المبكرة في سلسلة «كتاب الأمة» بالإصدار المتميز: «المخدرات من القلق إلى الاستعباد»، الذي انطلق بالسلسلة نحو آفاق جديدة وغير تقليدية، كان بمثابة فتح كبير الأثر وعظيم الفائدة للسلسلة لمعالجة هذا الداء الوبيل، ولعلك كنت أنموذجاً متميزاً لعلاقة المسلم بغير المسلم، فعندما ألغي ابتعاثك إلى بلجيكا، ومرت بك أيام من الهم والغم، بسبب العجز عن تدبير نفقات الدراسة وتأمين ظروف المعيشة، وقد لاحظ أصحاب السكن المُستأجر ذلك، فعنّفوك أشد التعنيف، وطلبوا منك الاستمرار في الدراسة دون الالتفات لأي عقبة، وتنازلوا عن حقهم في الأجر، وما ذلك إلا لإحسانك وحسن خلقك، وإن نسيت لا أنسى ما رويت لنا عن فترة اعتقالك في سجن المزّة المشؤوم، وقد كان معظم نزلائه من رفاق الحاكم، وكيف أصبحوا رمماً، فقَدَ بعضُهم بصره، وتآكل جلد بعضهم، بمرض الجرب، وفقد بعضهم وعيه، فأصبح يصدر أصواتاً كأصوات الحيوانات المختلفة، وكيف كان الكثير منهم يغبطك حتى على سجنك، فأنت في نظرهم المضحي في سبيل قضية سامية، أما هم فخاسرون؛ لأنهم عاشوا أوهاماً وأفكاراً خسروا معها الدنيا والآخرة؛ ومع شدة خصومتهم عندما كانوا على كرسي الحكم، فلقد كنت لهم الطبيب المداوي، والممرض الحاني، الذي يسهر على صحتهم، ويؤانس وحشتهم، ويفرج كربتهم، لدرجة أنك كنت تقص شعرهم وتقلم أظافرهم وتنظف أجسامهم، كما لا أنسى، إحدى السفرات المشتركة، عندما انقلبت بنا السيارة، وتحولت من طريق الذهاب إلى طريق الإياب، وكان الوقت ليلاً، وقد شُجّ رأسك، ونزف دمك، وكيف وضعت يدي على الجرح، ضاغطاً بشدة حتى يتوقف النزف، تلك المسافة الطويلة، وقد لزمت الفراش أياماً، ومع ذلك كنت راضياً مرضياً سعيداً، لم تفارق الابتسامة محياك.
رحمك الله يا أخي أبا محمود، فلقد غيب الموت الشخص وأحيا الشخصية، وذهبت العبرات وبقيت العبر والمعاني الكبيرة، وأحسن الله عزاء الأخت الفاضلة الصابرة أم محمود، والأحبة الأبناء والإخوة والأصهار، وعوضها خيراً، وألهمها الصبر والاحتساب، فلقد صبرت في السراء والضراء وحين البأس، وتحملت الكثير مما نعرفه عن أصحاب المعادن النفيسة، ولا غرابة في ذلك، فالطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، والحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من أحوال أهل النار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9411
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026