رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تُلقي هذه النشرة الضوء سريعاً على القوانين والمراسيم بقوانين التي تصدر في دولة قطر، كما تشير إلى بعض القرارات والمراسيم ذات الأهمية.
شهد عام 2025 صدور 26 قانونًا، كان أبرزها قانون تعديل بعض أحكام قانون الموارد البشرية المدنية، وقانون البصمة الحيوية، وقانون بشأن اللقطة والأموال المتروكة. سبعة من القوانين التي صدرت في هذا العام تناولت موضوعات جديدة، بينما جاء 12 قانونًا بتعديلات على بعض أحكام قوانين سابقة. يُحمد لوزارة العدل، نشر أغلب القوانين التي صدرت خلال الموعد المقرر للنشر دستوريًا، وهو أسبوعان من تاريخ صدور القانون، مما يسجل تقدمًا ملحوظًا إذا ما قورن بالأعوام السابقة.
طبيعة القوانين
صدر في عام 2025 ستة وعشرون قانونًا. جاء 12 قانونًا لتعديل بعض أحكام قوانين نافذة، وسبعة قوانين نظمت موضوعات جديدة لم تنظم من قبل، وخمسة قوانين جاء كل منها ليلغي قانونًا ويحل محله، وقانون واحد ألغى قانونًا لانتهاء الغرض منه، وتعلق قانون واحد باعتماد الموازنة العامة للدولة.
عدد القوانين مقارنة بالسنوات السابقة
عند المقارنة بالسنوات الخمسة الماضية، كان عدد القوانين التي صدرت في عام 2024، 21 قانونًا ومرسوم بقانون واحد، وفي عام 2023 كان عددها 17 قانونًا، وفي عام 2022 كان عددها عشرة قوانين، وفي عام 2021 كان عددها 21 قانونا ومرسومين بقانونين، وأخيرًا، في عام 2020 كان عددها 20 قانونًا وأربعة مراسيم بقوانين.
الجريدة الرسمية
وفيما يتعلق بالجريدة الرسمية، فقد صدر منها في هذا العام 31 عددًا، كان نصيب الشهور: يونيو ويوليو وأغسطس وأكتوبر وديسمبر، ثلاثة أعداد لكل منها، بينما صدر في بعض الأشهر الأخرى عددان فقط، وجاء شهر مارس بأربعة أعداد. تميّز العدد 23 من الجريدة الرسمية الصادر في 19 أكتوبر 2025 بكونه العدد الذي نُشر فيه أكبر عدد من القوانين. نتمنى على وزارة العدل تثبيت أيام نشر أعداد الجريدة الرسمية، كأن يكون في الخميس الأول والخميس الثالث من كل شهر، إلا إذا صادف يوم الخميس إجازة رسمية، فيصدر العدد استثناءً، في أول يوم عمل يعقبه.
نشر القوانين
أما عن مدى الالتزام بنشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال المدة التي قررتها المادة (142) من الدستور، وهي أسبوعان من تاريخ صدورها، فبخلاف عام 2024 الذي لم ينشر فيه أي قانون خلال المدة المذكورة، وعام 2023 الذي لم ينشر فيه إلا قانونًا واحدًا خلال المدة المذكورة، فإن عام 2025، سجل تقدمًا ملحوظًا ومحمودًا، إذ نشر 19 قانونًا من أصل 26 قانونا خلال الموعد المقرر دستوريًا، بينما نشرت القوانين السبعة المتبقية خلال شهر من تاريخ صدورها.
ومن جانب آخر، يلاحظ أن القانون رقم (22) لسنة 2024 بتعديل بعض أحكام قانون الضريبة على الدخل، صدر في 29 ديسمبر 2024، غير أنه لم ينشر إلا في العدد الثامن من الجريدة الرسمية بتاريخ 27 مارس 2025. والغريب، أن هذا القانون نص على أن يعمل به في الأول من شهر يناير 2025، وقد فرضت بعض مواده جزاءات مالية على من يخالف أحكامه! بينما لم ينشر إلا بعد قرابة ثلاثة أشهر من التاريخ المحدد لدخوله حيز النفاذ.
تاريخ العمل بالقانون
ترك المشرع العمل بـ 19 قانونًا للأصل العام الوارد في المادة (142) من الدستور، أي يعمل بالقانون بعد شهر من تاريخ نشره. بينما نُص في شأن أربعة قوانين أن يعمل بها من تاريخ صدورها، ولقانونين أن يعمل بهما من اليوم التالي لنشرهما. أما قانون اعتماد الموازنة العامة للدولة، فقد نُص على أن يعمل به من الأول من يناير 2026. النص على العمل ببعض القوانين قبل نشرها ومن تاريخ صدورها، كان في الغالب مبررًا هذا العام لارتباط هذه القوانين إما بتمديد امتياز، أو بقواعد تنظيمية داخلية، أو بمزايا تفيد الخاضعين للقانون.
سلطة اقتراح القانون
جميع القوانين التي صدرت قدمت مشروعاتها من قبل مجلس الوزراء، عدا قانون تعديل بعض أحكام اللائحة الداخلية لمجلس الشورى. عدم مبادرة أعضاء مجلس الشورى بتقديم اقتراحات بقوانين لم يقتصر على هذا العام فحسب، بل في جميع أدوار انعقاد الفصل التشريعي السابق، بالرغم من أن المادة (105) من الدستور تجيز لهم ذلك.
المراسيم بقوانين
لم يشهد عام 2025 صدور أي مرسوم بقانون، ويحمد للمشرع عدم استخدام هذا التشريع الاستثنائي في فترة عدم انعقاد مجلس الشورى، لكون الدستور لا يجيز استخدامه إلا في الأحوال الاستثنائية التي تتطلب اتخاذ تدابير عاجلة لا تحتمل التأخير. ويلاحظ أن المراسيم بقوانين التي صدرت في بعض السنوات السابقة لم يتحقق في شأنها شرط الحالة الاستثنائية فكان من الصعب تبرير إصدارها.
استدراك على قانون
صدر قانون رقم (3) لسنة 2025 بشأن مكاتب السفر والشحن الجوي، في العدد رقم (6) من الجريدة الرسمية بتاريخ 10 مارس 2025، وقد نص في القانون خطأ، أن صدوره كان في تاريخ 12 /2/ 2024، فجاء الاستدراك في العدد 24 من الجريدة الرسمية بتاريخ 25 سبتمبر 2025 لينص على أن تاريخ الإصدار هو 12 /2/ 2025.
تشريعات أخرى
بينما صدر 26 قانونًا في عام 2025، كما بينا سابقًا، فقد شهد هذا العام أيضًا صدور 67 قرارًا أميريًا، و122 مرسومًا، و38 قرارًا لمجلس الوزراء، 34 قرارًا لرئيس مجلس الوزراء.
قرارات أميرية
كان من أبرز القرارات الأميرية، القرار الأميري رقم (27) لسنة 2025 بتحديد أيام العمل والمناسبات والعطلات الرسمية في الدولة، صدر في 25 نوفمبر 2025 ونشر في العدد 29 من الجريدة الرسمية بتاريخ 17 ديسمبر 2025.
مراسيم
كان من أبرز المراسيم التي صدرت في عام 2025، المرسوم رقم (6) لسنة 2025 بالموافقة على انضمام دولة قطر إلى اتفاقية التسوية السلمية للمنازعات الدولية. صدر في 27 يناير 2025، ونشر في العدد الرابع من الجريدة الرسمية بتاريخ 24 فبراير 2025.
قرارات مجلس الوزراء
كان من أبرز هذه القرارات قرار مجلس الوزراء رقم (3) لسنة 2025 بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون التأمينات الاجتماعية الصادر بالقانون رقم (1) لسنة 2022، وقرار مجلس الوزراء رقم (4) لسنة 2025 بإصدار اللائحة التنفيذية للقانون رقم (2) لسنة 2022 بشأن التقاعد العسكري.
لا شك بأن لوجود اللوائح التنفيذية أهمية كبيرة في تطبيق بعض أحكام القوانين، وقد يؤدي التأخير في إصدارها لمدة طويلة تصل إلى سنتين من صدور القانون، كما هو شأن اللائحتين السابقتين، إلى تعطيل تنفيذ بعض أحكام القانون، وعليه نأمل أن تصدر اللوائح التنفيذية بعد صدور القوانين مباشرةً، أو خلال فترة قريبة من صدورها.
من جانب آخر، صدر عن مجلس الوزراء، القرار رقم (14) لسنة 2025 بشأن إضافة أعمال ذات منفعة عامة إلى الأعمال المنصوص عليها في القانون رقم (8) لسنة 2022 بشأن نزع ملكية العقار والاستيلاء عليه مؤقتًا للمنفعة العامة. صدر في 25 مارس 2025 ونشر في العدد 10 من الجريدة الرسمية بتاريخ 28 أبريل 2025.
قد يكون في هذا الأمر مخالفة للمادة (27) من الدستور التي تنص بكل صراحة على أن «الملكية الخاصة مصونة، فلا يحرم أحد من ملكه إلا بسبب المنفعة العامة، وفي الأحوال التي يبينها القانون وبالكيفية التي ينص عليها وبشرط تعويضه عنها تعويضًا عادلًا». مما يقتضي تحديد الأعمال ذات المنفعة العامة بالأداة التشريعية (قانون). نأمل من المشرع أن يُدخل تعديلًا على قانون رقم (8) لسنة 2022 بشأن نزع ملكية العقار والاستيلاء عليه مؤقتًا للمنفعة العامة، بحذف الفقرة الأخيرة من المادة (3) منه، التي تجيز إضافة أعمال ذات منفعة عامة بقرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير البلدية.
قرارات رئيس مجلس الوزراء
كان من أبرز القرارات التي صدرت في عام 2025، قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (3) لسنة 2025 بإنشاء اللجنة التوجيهية للحكومة الذكية والريادة الرقمية. صدر في 3 مارس 2025 ونشر في العدد السابع من الجريدة الرسمية بتاريخ 16 مارس 2025. وتهدف هذه اللجنة إلى الإشراف العام على تنفيذ إستراتيجية الحكومة الرقمية وتنسيق العمل ببين الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى، والهيئات والمؤسسات العامة والجهات غير الحكومية، فيما يخص المبادرات والمشاريع والبرامج ذات العلاقة بالحكومة الرقمية، تعزيزًا لخطط التنمية الشاملة.
الصحة والفراغ.. ثروات متاحة
خير استفتاح واستدلال لهذا المقال هو الحديث الشريف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال «نعمتان مغبون... اقرأ المزيد
45
| 18 مايو 2026
رواتب لربات البيوت
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى... اقرأ المزيد
63
| 18 مايو 2026
لعبة روبلوكس المدمرة
تذكرون بلا شك حينما اتخذت دولة قطر وبعض الدول الخليجية قرارا لا رجعة فيه بحظر لعبة (روبلوكس) الشهيرة... اقرأ المزيد
42
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5730
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5529
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1749
| 13 مايو 2026