رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلقيت من الأستاذ وليد الراشد أحد مؤسسي حركة السادس من أبريل المصرية والتي شكلت إلى جانب كيانات أخرى أحد المرتكزات المهمة والحيوية في إنجاز ثورة الخامس والعشرين من يناير مقالا مهما يعلق فيه على مقالي الذي نشر في هذه الزاوية الاثنين الماضي بعنوان "في المسألة المصرية الأمريكية "ولأنه يحتوي على رؤية أخرى رأيت نشر بعض من محتوياته إيمانا بمنظور الرأي والرأي الآخر خاصة أنه دارس للعلوم السياسية ويقوم بتحضير لأطروحة الماجستير فيها - كما أبلغني في رسالته الإلكترونية - فليشاركني القارئ المحترم في قراءة أهم ما في هذا التعليق نظرا لمقتضيات المساحة.
يقول وليد: لا الذي رفض ديمقراطية العالم حين صوتوا لصالح عضوية كاملة لفلسطين في اليونسكو وعلى أساسها عاقب دول العالم الفقيرة بوقف تمويله مشروعات اليونسكو الإنسانية يشجع حقوق الإنسان ويدعم الديمقراطية.... ولا الذي يتلقى تمويلا سنويا معلنا منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد وقبل 30 عاما من أمريكا وقدرة 2.1 مليار دولار لمصر، (منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية) يخشى تدخلها في الشؤون الداخلية لمصر. فمن السذاجة بمكان أن تخيل لنفسك ولشعبك أن المساعدات والمعونات الاقتصادية التي تتلقاها ليست مرتبطة بقرارات ومواقفك السياسية
لا الذي رفض ديمقراطية أتت بحماس على رأس السلطة في فلسطين يشجع الديمقراطية ويدعمها ولا الذي يتسول المساعدات الاقتصادية من البنك الدولي والدول الثماني العظمي ودول الخليج العربي يحق له أن يستخدم كلمات رنانة طال عليها الزمن وعفى من نوعية لن نركع ولن نستسلم ونرفض التدخل الاجنبي فلم تعد علاقات الدول ببعضها تقوم على غير المصالح المتبادلة والمشتركة.
تعريف الديمقراطية في أعين الإدارة الأمريكية لخصها (دينيس روس) - الذي كان مبعوثا خاصا للسلام الشرق الأوسط – بقوله بعدما فازت حماس في الانتخابات الفلسطينية " من حق الناخبين (في الشرق الأوسط) أن يختاروا من يشاءون، ومن حقنا أن نتعامل مع من نشاء، فالانتخابات لا تصنع ديمقراطية، وليس علينا أن ندعم من يرفضون معتقداتنا "
ديمقراطية أمريكا نعرفها نحن من تهديدها أناء الليل وأطراف النهار باستخدام الفيتو حال صوتت دول الأمم المتحدة لصالح عضوية كاملة لفلسطين في مجلسهم الموقر... فكيف لهم أن يتحدثوا عن دعم الديمقراطية؟
وهل يعني المجلس العسكري أن تدين دول أجنبية اعتداءات وحشية مصورة صوت وصورة لجنوده البواسل على مواطنين عزل أم يعني أن تتوقف بالأساس تلك الممارسات ولا تسمع شجبا ولا إدانة؟
لا الذي دعم ومازال يدعم أعتى الأنظمة الديكتاتورية والشمولية في العالم وآخرها نظام مبارك وبن علي وعلي عبد الله صالح وإلى آخر القائمة المفتوحة يشجع الديمقراطية وحقوق الإنسان ولا المجلس العسكري الذي يمتاز بعلاقات تاريخية مديدة وقوية مع الإدارة الأمريكية زينتها صور لقاء المشير طنطاوي مع رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة مارتن ديمبسي قبل أيام بالقاهرة تعكس مدى التقارب والود.. جاد في اتهامه لأمريكا بأنها تسعى لأعمال تخريبية في مصر.
كلاهما ببساطة وبصراحة مطلقة محتال بامتياز ويخدع شعبه.. وكلاهما يريد لنا دائما أن نفهم غير الذي نرى وأن نصدق غير الذي نسمع. فعلى أمريكا أن تفهم وعلى المجلس العسكري أيضاً أن يفهم أنه ولد في مصر جيل جديد يفهم ويقرأ ويفكر ويحلل... يسمع ويرى... حقق ثورة حين كانت الإدارة الأمريكية ومعها المجلس العسكري يدعمان مبارك ويشجعانه على فساده وانتهاكه لأبسط معاني حقوق الإنسان
إذا كانت أمريكا حقا تدعم الديمقراطية ويشغلها الإنسان وحقوقه في مصر فإنه يتعين عليها فورا وقف تصدير شحنات القنابل المسيلة للدموع التي خنقت وقتلت ومازالت تقتل المتظاهرين السلميين في مصر وغيرها من الدول.
وإذا كان المجلس العسكري بحق يرى في تدخل أمريكا وزرعها منظمات مجتمع مدني يرى في أعمالها شبهات تصل إلى حد التجسس وتخريب البلد كما ينشرون في أبواق إعلامهم صباحا ومساء فهل هذه اتهامات تعالجها حوارات السياسة واللقاءات المشتركة والصور الودودة؟ ما هي قرارتك التي اتخذتها ضد أمريكا أيها المجلس الوطني العظيم؟ هل سحبت سفيرنا في واشنطن مثلا؟ هل استدعيت السفيرة الأمريكية في مصر لإبلاغها تهديد شديد اللهجة بانتهاك إدارتها لسيادة الدولة المصرية؟ هل مثلا حتى عدلت في قوانين منظمات المجتمع المدني داخليا وأعلنت أنه لا تمويل خارجيا بعد اليوم في مصر؟ الإجابة على كل الأسئلة (لاشيء) لم تفعل ولن تفعل شيئا.
بل على العكس تماما فالسيدة فايزة أبو النجا وزيرة التخطيط والتعاون الدولي لا تكف عن ملء آذاننا بأن العلاقات المصرية الأمريكية استراتيجية وأن أزمة منظمات المجتمع المدني لن تؤثر على علاقات البلدين.
نعم هناك أزمة وعدم ارتياح فاحت رائحته بين الإدارتين: المصرية والأمريكية.. لكن الأزمة الحالية المعلنة ما هي إلا غطاء يلعب من خلفه الطرفان سياسة. وستستمر الأزمة هكذا طالما لم يصرح الطرفان بماذا يريد كلاهما من الآخر وستستمر الأزمة طالما لبست أمريكا قناع دعم الديمقراطية ولبس أمامها المجلس العسكري قناع محاربة التدخل الأجنبي... وستنتهي الأزمة في أقرب فرصة وعلى حين فجأة ودون مقدمات أو سابق إنذار حين يأخذ كل طرف من الآخر من يريد... قد تنتهي اليوم أو ربما غدا... هي فقط مسألة وقت.
أمريكا لا تستطيع أن تعيش أو تتنفس دون أن تزرع أنفها في كل شيء يدور حولها ظنا منها أن العالم يتآمر عليها وعليها حماية نفسها وما يعنيها الآن أن تضمن تعاونا وشكلا للعلاقة مع الإدارة المصرية الجديدة لا يختلف كثيرا عن إدارة مبارك.
ولا المجلس العسكري يستطيع أن يعيش دون أن يرسم سيناريوهات ويطلق الفزاعات في أوجه المصريين من قبيل أن مصر مستهدفة وثمة مخططات لتقسيمها وكأننا تلك القطعة التي لا يفكر العالم في شيء غير التآمر عليها. فالمجلس العسكري أضاع على نفسه فرصة تاريخيه في مصر بسوء إدارته التي لم يسبق لها مثيل للفترة الانتقالية منذ رحيل مبارك انعكس مما أدى إلى انخفاض شعبيته لأدنى مستوياتها بدءا من (الجيش والشعب ايد واحدة) ووصلت الآن إلى (يسقط يسقط حكم العسكر) وقالوا قديما إن هاجمك معارضوك فاتهمهم بأنهم أصدقاء الأمريكان حتى وإن كنت أنت نفسك أشد أصدقاء الأمريكان. أسلوب قديم مكرر استهلك يوضح أنه لم يحدث أي تطور في عقول من يحكموننا وأن الفلسفة مازالت هي نفسها
لكن هذه المرة يعتقد المجلس العسكري أنه الطرف الأقوى حاليا في هذه الأزمة ورأيي كذلك – فقد هزم الحليف الاستراتيجي لأمريكا شر هزيمة وعليه فالطبيعي أن تأتي أمريكا لخليفة مبارك لبناء شكل العلاقة الجديدة واعتقاده أيضا مفاده أن أمريكا لا يمكنها الاستغناء عن حليف استراتيجي قوي متمركز في أهم مناطق العالم (الشرق الأوسط) طالما دعمت علاقتها بة منذ 1973.... وهنا يعتقد الطرف الأقوى أن عليه أن يملي شروطه ويفرض حدود وشكل ونوع العلاقة الجديدة.. وهنا أيضا ذهب معظم المحللين السياسيين على أنه (ينبغي على أمريكا أن تفهم أن كنزها الاستراتيجي مبارك لم يعد على رأس السلطة في القاهرة وأن تغير من شكل علاقتها مع النظام الجديد بعد مبارك)... لكن هل المجلس العسكري هو النظام الجديد أو حتى النظام القادم في مصر؟ كلام المجلس نفسه يؤكد عكس ذلك فهو لن يكون في السلطة بعد يونيو القادم. وعليه فالمجلس العسكري سيضغط على الإدارة الأمريكية قدر استطاعته ليحقق أعلى مكاسب تحقق مصلحته وفي أقرب وقت باعتباره سيرحل في يونيو القادم.
أول المكاسب حققها بالفعل داخليا من اكتسابه شعبية محلية بهجومه على أمريكا. وثانيها ستكون مكاسب في منطقة إدارته وعمله - أقصد العسكرية... قد تكون الحصول على صفقات أسلحة جديدة مثلا!! أو ورقة ضغط قد تأخذ شكل أجراء تعديلات في اتفاقية كامب ديفيد يسعى المجلس العسكري من خلالها لتعديل بعض البنود الخاصة بانتشار الجنود المصريين في سيناء؟ كلها بالتأكيد مكاسب.
أو يسعى المجلس العسكري باستبدال المواطنين الأمريكان المعتقلين في مصر على ذمة قضية منظمات المجتمع المدني الغير شرعية مثلما انتهت علية قضية الجاسوس الإسرائيلي من أصل أمريكي آلان جراييل؟ لكن بمن تستبدلهم هذه المرة؟ قد يكون الشيخ عمر عبد الرحمن المعتقل حاليًا بالسجون الأمريكية والصادر في حقه حكما بالسجن مدى الحياة بتهمة التورط في تفجيرات نيويورك عام 1993... وهنا يتحقق مكسب جديد للإسلاميين الذين ينتمي لهم الشيخ عمر عبد الرحمن؟ يجوز... أو مقابل الحصول على عمر عفيفي المعارض المصري والحاصل على حق اللجوء السياسي في أمريكا والذي يرى فيه المجلس العسكري أحد أسباب إشعال الأزمات الأخيرة في مصر؟ ربما... جميعها مكاسب شعبية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8922
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4842
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026