رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
الصباح الباكر من الثالث والعشرين من آذار مارس لعام 1983.
البناية رقم 14 بشارع حسن كيكيتش بالعاصمة سراييفو.
تصعد قوات الأمن إلى الطابق الثالث وتطرق بقوة باب الشقة.
يفتح الحكيم بابه مندهشا، فيتدفق عشرة من أفراد الشرطة السرية إلى الداخل.
دقائق ويتحول المكان إلى فوضى عارمة وكأن المغول مروا من هنا.
تصل ابنته في اللحظة المناسبة.
يقتادونه إلى خارج البناية.
عند الدور السفلي يتذكر فيصيح في ابنته أن يقوموا بطباعة كتابه كما كان مقررا.
(2)
هل تعرفون «المسرح الهمجي»؟
يتكون من طاولة يجلس عليها القضاة، وواحدة أخرى للمدعي العام، فوقهم صورة للزعيم اليوغسلافي «تيتو»، الراحل قبل فترة، الحي في نظرهم، وكأن الناس عادت إلى عبادة الأصنام.
القاضي والمدعي العام والجميع مجرد ممثلين، يؤدون أدوارا رُسمت لهم من قبل، لن يستمع أحد منهم إلى الأدلة والبراهين المبرئة، لن يحاول أحد منهم فهم حقيقة الأمر، فالجميع لا يريد أن يتجاوز الدور الذي حدد له، والأحكام قد أعدت من قبل.
في المواجهة صفان من 12 متهما ومتهمة واحدة، وشعور سائد بالكرامة، وكاميرات وسائل الإعلام وصحفييها، وجمهور مستأجر لحبك المشهد.
يجلس الحكيم في سكينة، يبدو لأي مشاهد أنه زعيم هذه المجموعة المتهمة بتكدير الأمن العام، ومحاولة هدم يوغسلافيا، حليق الذقن، هادئ تماما كأنه يشاهد فيلما، وينتظر أن ينتهي ليعود إلى بيته، جاد جدا، يسرح قليلا، لا يبدو عليه أي مظهر للخوف، وكأنه كان يتمنى ما حدث لتكون فرصته ليقول للنظام وللناس ما يرغب في قوله.
يحين دوره، فيتكلم بهدوء مدافعا، لا يظهر الغضب عليه، لا يعلو صوته، يشير إلى البند رقم كذا بالوثيقة كذا، معلنا أن ما كتبه هو رأيه كمثقف ومفكر يبحث في التاريخ، يبحث في حركة المجتمعات، يبحث في الفلسفة، يعلن أن من حقه أن يفكر وأن يتكلم وأن يكتب.
يتابعه الحضور وكأنه يقود مناظرة ضد نظام الحكم، الذي يفهمه جيدا، ليس كقانوني فحسب، بل وكمثقف أيضا، يبنى مناظرته على الأسس الأيديولوجية للشيوعية، وبالأخص على التعامل الفعلي لنظام الحكم تجاه الذين كانوا يفكرون بطريقة مختلفة.
يختتم مرافعته بجملته الشهيرة:
«لقد منحت حبي بكامله للإسلام، ولم يبق شيء منه للنظام الحاكم».
(3)
الذين يعرفون علي عزت بيغوفيتش يعرفون أنه تمرد على رجال الدين، بل تمرد على الدين كله، ثم عاد إليه ولم يفقده أبدا، بعد أن قرأ تقريبا كل الأعمال الفلسفية الأوربية الهامة وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره.
أيام التيه التي عاشها، عوضها بعشرات المقالات المذيلة بغير اسمه، ثم بكتابه الشهير «البيان الإسلامي»، «وهروبي إلى الحرية»، الذي خطه في سنوات السجن، لكن «الإسلام بين الشرق والغرب» هو أشهر كتبه على الإطلاق، وقد ترجم إلى لغات متعددة.
لا جدوى من سجن مفكر، فأفكاره قادرة على الطيران في كل الأنحاء.
(4)
العشرون من آب أغسطس 1983.
يوم النطق بالحكم.
يطلب القاضي من الحضور الوقوف.
يعلن أن العقوبة هي سجن الحكيم أربعة عشر عاما، وسجن رفاقه مددا متفاوتة.
رأسه مرفوع، لكن قلبه يخفق بشدة.
الكاميرات مسلطة تجاهه، تنتظر أن تسجل الصدمة على وجهه.
لكن لا يفعل سوى تقليب بصره في سقف القاعة.
ينظر إلى ابنتيه، يجدهما تبكيان، يتأثر كثيرا، فهو مفعم بعاطفته تجاه أولاده.
الحكيم، المولود في الثامن من أغسطس لعام 1925، كانت له تجربة سابقة في السجن حين حكم عليه في مارس آذار لعام 1946 بثلاث سنوات لنشاطه الفكري، قضاها كاملة.
يحكم عليه مجددا بالسجن 14 عاما، ثم لاحقا تخفض العقوبة إلى تسع سنوات، يرفض توقيع التماس بالعفو عنه، وفي 25 من نوفمبر تشرين الثاني لعام 1988، يوم العيد الوطني للبوسنة والهرسك يطلق سراحه بعفو من الدولة لم يطلبه.
(5)
يرسل من سجنه رسالة إلى ابنته ليلى: «أتعلمين، لقد أدركت فجأة حقيقة أنه لا يوجد هنا أطفال، وهنا يكمن الخراب الرئيسي فيه، إنني أحاول تعويض ذلك ولو جزئيا، بمشاهدة أفلام الأطفال في التلفاز، وبالتفكير الطويل في حفيداتي الثلاث الصغيرات، أو بالرجوع إلى أيام طفولتكم أنتم، إن روحي متعطشة لهذه المخلوقات الصغيرة، ويزيد الشوق لأنني محاط بكتل بشرية من المجرمين الذين يخرجون من جميع الاتجاهات، فلا تجدين مكانا تلجئين إليه هربا منهم ولو للحظة».
لقد كان يشعر أنه مكلف بمهمة تاريخية، ومن الواضح أن هذه المهمة كانت تنتظره.
وعندما خرج من السجن إلى الحكم، لم يفكر بالانتقام، ولا بإقالة رجال الأمن المسؤولين مباشرة عن حبسه واضطهاده، كان مغاليا في سعة صدره، حتى اعترض عليه رفاقه، لكن لم يصغ إليهم، وأصر على التمسك بمبادئه.
كان يعي معنى الحرية، إذ عاش وناضل من أجلها، وعندما أتيحت له فرصة التحكم بها، منحها للآخرين بالكامل وبلا حدود.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
12717
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3846
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026