رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
احتشد آلاف الشباب العربي يوم 15 مايو الماضي – في ذكرى قيام دولة الكيان الصهيوني عام 1948- وحاولت التسلل إلى داخل الأراضي الفلسطينية، ولو رمزيا، وذلك بالتظاهر بالقرب من الحدود الفلسطينية في لبنان وسوريا والأردن، وأمام السفارة الصهيونية بالقاهرة.
هذا الوضع كان له صداه في الإعلام الصهيوني، فتحت عنوان (هذه مجرد البداية.... مئات الآلاف سيقتحمون حدودنا) كتب الصحفي الصهيوني أليكس فيشمان في صحيفة يديعوت أحرونوت في اليوم التالي مباشرة للأحداث يوم 16 /5/2011 يقول: حين وقع الحدث المخجل أمس في هضبة الجولان، كان قادة جهاز الأمن منشغلين باحتفال آخر تماما: الاحتفال على شرف تسلم رئيس المخابرات الجديد. من لم يكن هناك: رئيس الأركان، والمفتش العام للشرطة، ورئيسا المخابرات المنصرف والوافد، ووزير الدفاع، ووزراء، ورئيس الوزراء. وقد كانوا على أي حال واثقين من أن الجيش جاهز، متحفز ومستعد لكل التطورات وأن أحداث يوم النكبة باتت محسومة في جيبهم الصغيرة وأنه يمكن مواصلة الأعمال كالمعتاد.
لم يتصور أحد تأجيل هذا الاحتفال إلى موعد قريب آخر، ليبعده عن يوم النكبة الذي هو موعد حساس ومؤهل للاضطرابات، يا لها من ثقة. في ليلة أخرى بقي رئيس الأركان لينام في بيته، فيما أن رئيس قسم العمليات، الذي نام في مقر القيادة العسكرية بمناسبة الحدث، حدد لنفسه لقاءات في السادسة صباحا، إذ كان واضحا جدا بأن السيطرة على السفينة ستكون لعبة أطفال.
المرة تلو الأخرى تتكرر الفجوة الهائلة التي بين إعداد الخطط، وتقويمات الوضع، والإعلان عن التأهب العالي ونثر الوعود للجمهور بأن كل شيء تحت السيطرة وبين ما يحصل في الواقع. يبدو أن القيادة الأمنية تعاني من نوع ما من التضليل الذاتي حول القدرات المهنية للجيش في المجال الأكثر إشكالية للتصدي للمدنيين.
وتحت عنوان جانبي (خلل عملياتي) يوجه الكاتب الصهيوني اللوم لأجهزة الأمن الداخلي فيقول:
من يدعي بأن مظاهرة الجماهير الفلسطينية في ذلك الصياح كانت بمثابة مفاجأة للاستخبارات لا يقول كل الحقيقة. معلومات عن المظاهرات وعن بؤر الاحتكاك في أرجاء الجولان نقلت إلى القوات، وعليه فقد زودت القوات بوسائل لتفريق المظاهرات. فضلا عن ذلك، في ساعات الصباح ظهرت في قاطع مجدل شمس حركة نحو تسعين باصا، والآلاف الذين نزلوا منها احتشدوا في نطاق أعد مسبقا في القاطع في صالح المظاهرة أمام السياج. في أثناء تقويم الوضع عرض الجيش على القيادة السياسية سلسلة نقاط احتكاك محتملة في يوم النكبة. القيادة السياسية، من جهتها، وجهت الجيش بكلمات واضحة: كل خرق للسيادة هو خطر على الحياة، وعليه فإن كل اقتحام للجدار الحدودي سيستقبل بالنار بداية بنار انتقائية نحو الأقدام، وإذا لم يجدِ ذلك فتطلق النار لغرض القتل. استخدام تعبير ' خطر الحياة' نبع من الاعتبار بأن كل اختراق للجدار الحدودي من شأنه أن ينتهي بتسلل مواطني دول معادية إلى البلدات، إلى المستوطنات، إلى استحكامات الجيش وما شابه. وعليه فتطلق النار. أوامر النار هذه مقبولة، كما يبدو، من رجال القانون في الجيش.
حيال غزة ولبنان نفذ الجيش تعليمات القيادة السياسية نصا وروحا، وقد نجح هذا. هذا نجح في غزة، حين حاول الفلسطينيون اقتحام حاجز ايرز، وهذا نجح في لبنان، حيث شارك أيضاً الجيش اللبناني بالنار على المتظاهرين الذين اقتربوا بشكل مهدد نحو الجدار الحدودي مع إسرائيل. ولكن في تلة الصياح، في هضبة الجولان، لم ينجح شيء.
في اختبار النتيجة: كان هناك قصور. الجيش لم ينفذ قرارات الحكومة، لم يستعد كما ينبغي، ومن المعقول الافتراض بأن الشروحات للجنود أيضاً لم تكن جيدة بما فيه الكفاية. كانت هناك جلبة كبيرة بدت للحظة بأن الجيش في هذا القاطع ببساطة أضاع بنطاله. وهذا خلل مهني، عملياتي، موضوع في ساحة قيادة المنطقة الشمالية، أحد ما هناك يتعين عليه أن يقدم التفسيرات، الميل عندنا هو دوما أن نلقي بالتهمة على الإيرانيين الذين ينبشون وعلى السوريين الذين غيروا قواعد اللعب دون أن يبلغونا مسبقا هو ميل صبياني وليس مهنيا.
إذ لا يدور الحديث عن خلل عملياتي في اشتباك مفاجئ مع مخربين على الحدود، يدور الحديث هنا عن حدث تم الاستعداد له على مدى أشهر طويلة ويمكن أن تكون له آثار شديدة على جودة ردع الجيش الإسرائيلي في المستقبل، يحتمل أنه بسبب هذا الخلل سيتعين، ابتداء من اليوم فلاحقا، التصرف في الحدود مع سوريا بشكل مغاير تماما. نجاح أمس يمكن أن يخلق محاولات أخرى لمسيرات جماهيرية إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، وليس فقط من جهة سوريا. هذا قد يحصل في يونيو بالتوازي مع الأسطول إلى غزة، وقد يحصل في سبتمبر حول الإعلان عن دولة فلسطينية.
ماذا سنوقف في وجههم؟
وفي هذه النقطة توجد لدولة إسرائيل مشكلة منظوماتية. باستثناء الردع، ليس في أيديها وسائل لمنع اقتحام حدودها من عشرات ومئات وآلاف الفلسطينيين الذين ينجحون في تنظيم أنفسهم وتحقيق حلم عودتهم بأقدامهم.
أمس تلقينا تحذيرا: فالفلسطينيون ساروا نحو حدود إسرائيل من ثلاثة اتجاهات: غزة ولبنان وسوريا. الأردن، ومصر والسلطة الفلسطينية ستوقف مسيرات من ثلاثة اتجاهات محتملة أخرى. ولكن ليس هناك ما هو مضمون تماما. كلما جرى الحديث أكثر عن تسوية سياسية أو عن إقامة دولة فلسطينية، سيصبح حق العودة علم الكفاح الفلسطيني. هكذا بحيث إن المسيرات والأساطيل لتحقيق حق العودة ستنال المزيد فالمزيد من الزخم، ما الذي سنوقفه في وجههم؟ قناصة؟ ربما بنادق ألوان، مثلما في مرمرة.
وفي الصحيفة نفسها وفي اليوم نفسه كتب الكاتب الصحفي الصهيوني ناحوم برنياع تحت عنوان (لن تعودوا إلى فلسطين) يقول:
يسيرون الآن في مسيرات إلى الجدار الحدودي: في مجدل شمس ومارون الرأس وايرز وقلندية. يرفعون أعلام فلسطين ويطلبون العودة إلى القرى التي خسرها آباء آبائهم في 1948. قال الساسة إن هذا ما سيكون، ووعدهم الوعاظ بعون الله. وقدم رعاة أجانب أعلاما وحافلات. خرجوا للمهمة واثقين بأن المشروع الصهيوني ـ كما يسميه إسماعيل هنية ـ حكمه واحد هو أن ينهار، فما هي إلا دفعة صغيرة حتى تصبح أرض إسرائيل كلها من الأردن إلى البحر فلسطين.
ويوجه الكاتب الصهيوني الساخر كلامه للفلسطينيين مهددا ساخرا يقول:
عندي أنباء لكم يا أبناء عمومتنا الأعزاء: لن يحدث هذا في أيامكم. لن تعودوا إلى إسرائيل داخل الخط الأخضر. انقضت 63 سنة منذ تلك الحرب. وآن أوان الأخذ بأحلام أخرى.
أعلم أن لا أحد من متظاهري يوم النكبة سيقرأ هذه السطور. لكن في غرفة صغيرة في المقاطعة في رام الله يجلس عدة فلسطينيين نشطاء مخلصين لعملهم ويترجمون لأبو مازن ووزرائه كل كلمة ذات صلة تنشر في الصحف العبرية وكلامي موجه إليهم.
أبو مازن هو السياسي الأكثر إنسانية والأكثر وداً في الحكومات الثلاث التي تتولى الأمور الآن في أرض إسرائيل، وهو مصغ مثل كل سياسي إلى أهواء جمهوره، تكون الكلمات التي تخرج من فمه أحيانا أقوى منه فهو ينساق.
وعد شعبه عشية أحداث النكبة بألا يقوم زعيم فلسطيني يتخلى عن حق العودة. قال: 'ليست العودة شعارا. فلسطين لنا'.
أما سؤال أين وكيف سيتحقق الحق، هل بتعويض مالي أو بعودة مادية، هل بدولة فلسطينية تنشأ أم في إسرائيل أيضا، فقد امتنع عن إيضاحه، كان كل واحد يستطيع أن يسمع في كلامه ما أراد سماعه.
في أحاديث خاصة يقول مسؤولو السلطة الفلسطينية الكبار منذ سنين إنهم يعلمون ألا سبيل لإعادة العجل إلى الوراء.
سيُقترح على اللاجئين بناء حياتهم في مساقط رؤوسهم أو في الدولة الفلسطينية أو الحصول على تعويض مالي.
لكنهم يتحدثون إلى شعبهم بلغة أخرى، فهم غير قادرين على تبشير مئات آلاف الفلسطينيين ممن لا جنسية لهم ويعيشون في مخيمات لاجئين في سوريا ولبنان ببشرى عدم العودة. بدل ذلك يُنمون عندهم أحلاما باطلة بعودة لن تأتي.
دُفع أبو مازن نفسه قبل بضعة أشهر إلى ضيق كبير عندما نشر موقع 'ويكيليكس' كلاما قاله في حديث خاص لدبلوماسي أمريكي في عدم جدوى الإصرار على حق العودة. وقد سارع إلى الإنكار بطبيعة الأمر.
عندما يُسأل ساسة فلسطينيون لماذا يمتنعون عن قول الحقيقة لشعبهم يُجيبون بأن حق العودة هي ورقة مساومة فهم سيتخلون عنها فقط مقابل تخلٍ مواز من قبل إسرائيل في شأن شرقي القدس مثلا.
في موقفهم في ظاهر الأمر منطق: فالسوق في الشرق الأوسط لا تحترم سوى من يُصر على المساومة. لكن الأوهام لها قوة خاصة بها. إن الأمل الباطل الذي يذيعونه في جمهورهم قد يصبح عنفا يسوق المنطقة كلها. إنهم يركبون ظهر نمر.
يجب قول الحقيقة في قضية حق العودة لا للفلسطينيين وحدهم بل للإسرائيليين أيضا. إن رفض العودة إلى إسرائيل هو الخط الأحمر الذي لن يجتازه الإسرائيليون الذين يؤيدون حل الدولتين، في اليمين كثيرون لا يهمهم فهم يسعون إلى إنشاء دولة واحدة ـ دولة تمييز عنصري؛ وفي اليسار أيضاً هناك من لا يهمهم: فهناك أيضاً يوجد من يسعون إلى إنشاء دولة واحدة هي دولة النكبة.
من أراد أن يحيا في دولة إسرائيل السيادية والصهيونية والديمقراطية فلا مناص له سوى أن يكرر القول لأبناء عمومتنا: مع كل الاحترام، ما كان كان ولن يعود أبدا.
قُضي علينا بأن نتقاسم: فنحن سنعيد مستوطنينا إلينا وأنتم ستستوعبون لاجئيكم عندكم. ولن تعودون إلى إسرائيل.
لكن كل هذه السخرية لا تنفي أن لدى الصهاينة خوفا حقيقيا من احتمالية تكرار هذا الزحف مستقبلا.
Mostafaragab2@gmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8898
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4797
| 22 سبتمبر 2026
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر 2026 عمّمت إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حظر استخدام العقاب مع الطلبة بكل أشكاله: البدني واللفظي والنفسي، وكل ممارسة تُسيء إلى الطالب أو تؤثر سلبًا في سلامته وتكيفه مع البيئة المدرسية. وفي العاشر منه دشنت الوزارة سياسة إدارة سلوك الطلبة بالمدارس ورياض الأطفال الحكومية ودليلها التنظيمي. الخطوتان صحيحتان، والأسبوع الفاصل بينهما هو المشكلة: كان كافيًا ليستقر في الأذهان أن الحظر جاء بلا بديل، فامتلأ النقاش العام بعبارة «من أمن العقوبة أساء الأدب» قبل أن يصل خبر البديل. والحظر ليس مستجدًّا حتى يُفهَم هكذا. قرار وزير التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1993 يمنع العقاب البدني، والقرار رقم (57) لسنة 2001 يحظر أي شكل من أشكال العنف ضد الأطفال والطلبة، وقد ذكرت الوزارة بهما في تعميم سابق عام 2024. أي أن عمر الحظر ثلاثة عقود، وأن الجديد في سبتمبر هو البديل لا المنع. لكن البديل، كما أُعلن، يرتب سلوك الطالب ولا يُعلن ما يقابله: الإجراء الذي يحمي المعلم حين تُرفع في حقه شكوى غير صحيحة. وهذه بعينها الثغرة التي دفعت كوريا الجنوبية ثمنها. حظرت العقاب البدني المباشر في مدارسها في مارس 2011 بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون التعليم الابتدائي والثانوي، وتركت المعلم وحده أمام الشكوى. وبعد اثنتي عشرة سنة، وعقب احتجاجات واسعة للمعلمين في صيف 2023، أقرّ البرلمان في 21 سبتمبر 2023 أربعة تعديلات عُرفت بقوانين استعادة حقوق المعلم: تشدد معايير مساءلته بتهمة إيذاء الطفل، وتمنع إيقافه تلقائيًّا عند مجرد الاتهام، وتمنع مدير المدرسة من التهوين أو الإخفاء. وكانت الكلفة قد ظهرت في الأرقام قبل ذلك: 1133 معلمًا تعرضوا لمضايقات من هذا النوع بين 2018 و2022، و589 معلمًا خدمتهم أقل من خمس سنوات تركوا المهنة في عام واحد مقابل 303 في العام السابق. ثم ألغى مجلس سول لائحة حقوق الطلاب بعد اثنتي عشرة سنة من سنّها، لأنها أُخذت على إغفالها المعلم. والمسألة عندنا مقاسة لا متوهَّمة. في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن نتائج قطر في برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) لعام 2022، أفاد نحو 26% من الطلبة بأنهم لا يستطيعون العمل جيدًا في معظم الحصص أو كلها، و33% بأنّ الطلبة لا يستمعون إلى ما يقوله المعلم. فالمعلم يواجه مشكلة ضبط حقيقية، وحين يُسحب منه أسلوبٌ قديم ولا يُسلَّم إجراءً مضمونًا، فأقصر الطرق أمامه أن ينسحب من التدخل أصلًا: لا يُقوّم ولا يوثق ولا يبلّغ. وهذا الانسحاب أضرّ من العقاب، لأنه لا يُرى ولا يُحصى. وقد تردد في الأيام الماضية على ألسنة المعلمين والمعلمات ومديري المدارس قلق من تلاشي صورة المعلم المهيب، وأن يحل محلها موظف يؤدي ولا يربي. والخاسر الأكبر في هذه المبادلة هو التعليم نفسه. والمطلوب أن يُستكمل الدليل التنظيمي بطرفه الثاني، في ثلاث خطوات متسلسلة: أن تُنقل الشكوى من عاتق المعلم إلى فريق مدرسي مختص يتلقاها ويحقق فيها، فلا يبقى المعلّم خصمًا وشاهدًا في الوقت نفسه. وأن يُنص صريحًا على أن التوجيه التربوي المنضبط الموصوف في السياسة نفسها ليس إساءةً بحكم التعريف، وأن الاتهام وحده لا يترتب عليه إجراء في حق المعلم قبل التحقيق. وأن يُدرب الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون على تشغيل السياسة لا على تلقّي نصها، فهم من ستُحال إليهم الحالات. وهذه الخطوات مجتمعةً تُقيم التوازن في الإجراءات والتوجيهات الإدارية، فلا تُكتب لطرف على حساب طرف. ويبقى أن تُفتح هذه الزاوية الحساسة على الشفافية. فعدد حالات السلوك المسجلة، ومتوسط زمن معالجتها، وعدد الشكاوى المرفوعة على المعلمين وما ثبت منها، مؤشرات ثلاثة إن أُعلنت سنويًّا قومت المسار وحفظته. فما لا يُقاس لا يُدار. أسبوع واحد فصل بين المنع والبديل، ولو صدرا معًا لاستُغني عن هذا كله. والأصل أن يخرج الحظر وطرفه المقابل في وثيقة واحدة، يستقيم بها التوازن في المحيط المدرسي فلا يطغى طرف على طرف. فحماية الطالب وحماية المعلم ليستا خطوتين متعاقبتين، بل وجهان لإجراء واحد.
3321
| 16 سبتمبر 2026