رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في مؤتمره الذي عقد الخميس الماضي 13 / 6 في القاهرة تحت عنوان « دور العلماء في نصرة سورية » اعتبر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في البيان الصادر عنه والذي ألقاه الشيخ محمد حسان أن " ما يجري في أرض الشام من عدوان سافر من النظام السوري والإيراني وحزب الله وحلفائهم الطائفيين يعد حرباً معلنة على الإسلام والمسلمين ".. البيان أعلن وجوب الجهاد ضد هؤلاء بالنفس والمال والسلاح وكل أنواع الجهاد وكل ما من شأنه إنقاذ الشعب السوري.. كما دعا لمقاطعة الدول الداعمة له وعلى رأسها روسيا وإيران.. وبحسب وسائل إعلامية فإن رؤية ورسالة المؤتمر تركزت على توحيد أهل السنة في جبهة عامة للدفاع عن الإسلام وشريعته الخالدة ومقاومة المشروع الصفوي في بلاد الإسلام..
فإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العلماء هم ورثة الأنبياء، وأنهم بذلك يجب أن تتبوصل مواقفهم بطهورية الأنبياء الأخلاقية اتجاها وقوة ووضوحا بقدر ما يجب أن تبتعد عن الانفعال والاستعجال والنزق.. فإن موقف العلماء هذا لا يمكن اعتباره بعد كل هذه الفترة من بداية الثورة وبهذه الصيغة المتوازنة وإذ حصروا الإدانة الطائفية بحكومات تلك الدول وبالحزب لا بشعوبها ولا بكل الشيعة.. فلا يمكن اعتباره بهذه المحددات إلا غاية الحكمة والإمهال وإلا في إطار الأخلاقية العالية والإحساس بالمسؤولية.. إذ لا يجوز أن نغرق في اللحظة التي يراد لنا فيها أن نذهب إلى صراع طائفي مفتوح وصريح يدمر الصيغ الوطنية والقومية والأخلاقية التي حكمت العلاقة بين الطائفتين لمئات السنين، ويدمر البلاد والمنجزات ويرهق الأمة ويدمي كيانها.. مع ذلك فإن المرجو من هذا المؤتمر أكثر من عبارات (طالب وأوصى واستنكر ودعا) التي عنونت فقرات بيانه الأخير.. وأرى في هذا السياق ومن قبيل الحرص على أن يقع المؤتمر في مواقعه التي يجب أن يقع فيها، وحتى لا ننزلق لصراع يستفيد منه غيرنا كالذي كان في أفغانستان ثم في العراق.. وحتى يكون لكلام علمائنا الفضلاء الوجاهة القيمية الاعتبارية التي يجب أن تكون له، ولا تتحول كلماتهم ومواقفهم لمجرد فقاعات هواء أو انعكاسا للحالة الباردة البائسة التي اعتدنا أن نراها في مجمل تفاعلنا مع الأحداث الجسام والنوائب التي طحنتنا خلال الثلاثين سنة الأخيرة.. فإن المطلوب من العلماء في المشهد السوري وفي غيره كما أرى:
أولا: أن يقدموا جهدهم في ثلاثة مقامات أو ثلاثة أدوار، هي على الترتيب لا على المصادفة 1- قيادة وتوجيه الأمة للموقف المبدئي المؤصل شرعا والعادل والمعمق دراسة وفهما حتى يشد المخالف قبل الموافق للاقتناع به وهو ما قاموا به في هذا المؤتمر.. 2- المحافظة على هامش فرق عن مواقف السياسيين والنظم الرسمية ولو في جانب الإجراءات والتنفيذ، مهما كانت هذه النظم على حق، لأن مصلحة الأمة في الفرق بين العلماء والنظم أكبر بكثير من مصلحتها في التطابق الكامل بينهما ليبقى لكل فريق هامش التحرك خارج موقف الفريق الآخر ؛ ثم إن للعلماء دورا لا تملكه النظم والحكومات الرسمية المنخرطة في الأزمة وهم في مقام الأب للجميع، 3- وعلى العلماء أن يتحركوا في كل القضايا وفي كل الأوقات بالأخص في القضية الكبيرة والوجع الدائم – فلسطين - حتى يكونوا مواكبين للأحداث وكلها تتصل ببعضها وتشترك في معظم محركاتها، وحتى لا يظهر علماؤنا الأجلاء بمظهر من يستدعون حينا وينسون أحيانا، أو كأنهم يتحركون بأجندات غيرهم..
ثانيا: المتوقع من علمائنا الأجلاء أن يتابعوا إعلان الجهاد المقدس الذي أعلنوه في الموضوع السوري، ولكن وفق منهجية وتراتبية حكيمة ووفق أجندة رصينة.. وحتى يكون ذلك فالمتوقع أن يشكلوا من وراء مؤتمرهم هذا لجنة تتابع ما قرروه، وتضع الآليات المناسبة لتنفيذه، ويتوقع أن تصير لهم تواصلاتهم مع كل الجهات المعنية بالأزمة.. العلماء لا يصلح أن يظلوا من دون مركز للدراسات الإستراتيجية والاستشرافية يكون مستقلا عن الانحياز والأهواء السياسية حتى يمتلكوا زمام الموضوعية والمبادرة وحتى يسبقوا الأحداث ولا يظلوا يلاحقونها ملاحقة، وحتى يمكنهم صياغة وسبك الأفكار والمشاريع تجاه الأزمات الواقعة والمتوقعة ولا تظل اجتماعاتهم وفتاواهم انعكاسا لأحداث ومعالة لأخطاء تفرض عليهم.
ثالثا: إذا تنبهنا إلى أن هامش عمل العلماء مختلف عن هامش عمل السياسيين، وتنبهنا إلى أن موقفهم يعبر عن الدين أولا وليس عن آرائهم الشخصية أو مواقف الدول التي ينتمون إليها، وتنبهنا إلى أن عملهم يبدأ بدراسة المشكلة، ثم القيام بمهمة (فأصلحوا بين أخويكم)، ثم تهيئة الرأي العام للقرارات الحاسمة ضد الطرف المعتدي الباغي، وأخيرا إلحاق القرارات بالعمل على توليف الحلفاء والداعمين والتحرك فيما بينهم.. فالأكيد أن على العلماء سوى ما قاموا به أن يدعوا علماء الشيعة من إيران وسوريا ولبنان، وأن يناقشوهم جديا وتفصيليا في الموقف ومخارجه ومداخله ومخاطره؟ ثم يشكّلوا منهم جميعا لجنة متحركة بين الأطراف تلملم الجراح على غرار اللجنة التي شكلت يوم احتل العراق الكويت؟
آخر القول: ما قام به علماء الأمة من نصرة للثورة وتجريم للنظام السوري الطائفي هو عين الصواب والواجب المتعين في وقته ومحله ؛ ولكن السؤال: هل هذا الموقف القوي والمباشر هو أول المطاف ؛ أم هو آخر المطاف؟ وهل هذا كل ما سيقومون به..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8709
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2565
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1479
| 25 أكتوبر 2026