رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه أشبه بالحكايات التاريخية الجميلة
- سمو الأمير يواصل طريق التنمية وإدارة الدولة بكفاءة وصمود أمام كل التحديات
- الأمير الوالد أمر بتحويل المؤسسات الربحية لشركات مساهمة باكتتابات عامة للناس
- بنى السياسة الخارجية على قيم السلام ومناصرة المظلوم والانحياز للشعوب
- تطوير مشاريع الغاز كان من أولى أولوياته لامتلاك قوة اقتصادية ووفرة مالية
- حوَّل قطر لورشة عمل كبيرة فأثمرت الجهود في صناعة دولة جديدة كلياً
- كان يشترك بنفسه بالعرضات والرزيف ويحث أبناءه على المشاركة فيها
في البدء
إن القادة العظام في التاريخ يحلمون برؤى عظيمة وطموحات لا سقف لها، ويتميزون بامتلاك القدرة الكاملة على تحويل هذا الحلم الجميل إلى واقع في حياة الناس، وقد كان الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني من هذا النوع النادر والاستثنائي من القادة، ولأن أولى خطوات النجاح دائماً تبدأ بترتيب الأولويات فكان من أوائل قراراته بعدما تسلم الحكم 27 يونيو 1995 وترتيب مؤسسات الدولة، اطلاق العمل على تطوير مشاريع الغاز والتعاقد مع كبرى الشركات العالمية في هذا المجال وكانت وقتها خطوة جريئة محفوفة بالمخاطر وتحتاج لشخصية شجاعة وعندها القدرة على اتخاذ القرار، وكان يعلم رحمه الله بحكمته أن الدولة التي لا تملك قوة اقتصادية ولا وفرة مالية لا يمكنها الوصول لأهدافها وإنجاز ما تحلم بتحقيقه من طموحات.
جهوده في التنمية الداخلية
بعد نجاح استثمارات الغاز في توفير الموارد المالية الكافية انطلقت عجلة التنمية في العمل على إعادة بناء قطر لتكون في الواقع مطابقة للصورة الذي طالما حلم بها أميرها وتمناها لها، فوجّه اجزاء ضخمة من الواردات المالية في مشاريع البنية التحتية فتحولت قطر لورشة عمل كبيرة في شتى النواحي، فأثمرت كل هذه الجهود في صناعة دولة جديدة كلياً تمتلك شبكة طرق حديثة تضاهي أفضل شبكات الطرق العالمية، ومطارا من الأفضل عالمياً إن لم يكن هو الأفضل، وأسس العمل لميناء بحري بُني وفق أحدث المواصفات والمعايير العالمية، حتى اصبح كل زائر تتملكه الدهشة والإعجاب من تطور البلاد وما يشاهده من إنجازات فيها وعمران حيثما نظر أو التفت.
وكان رحمه الله يؤمن أشد الإيمان بالإنسان وقدراته ويرى أن واجب الدولة الأول هو تأهيله وتمكينه وإزالة العوائق من طريقه ليقوم بدوره في عمارة الوطن وبناء مستقبله حيث يقول في هذا:
«إن الثروة الحقيقية ليست في الموارد بل في الإنسان، وإن الاستثمار في العلم والمعرفة هو الطريق الأقصر لبناء الأوطان وصناعة المستقبل» وكان يقدم بفعله القدوة الحسنة والنموذج الصادق في اتباع القول الفعل، فوجه الدعم الضخم لمجالات الصحة والتعليم واستضافة الجامعات العالمية المتميزة، ما جعل مستوى التعليم والصحة في الدولة من الأعلى وفق المعايير العالمية.
دوره في تعزيز الهوية القطرية
كان رحمه الله يحرص اشد الحرص على زرع حب الهوية والتمسك بها في نفوس الاجيال الجديدة، فكان يشترك بنفسه بالعرضات والرزيف ويحث أبناءه على المشاركة فيها، كما كان يحث على لبس الزي الوطني من الثوب والغترة والعقال والتمسك به في حين كثير من الشعوب الخليجية ضعف التزامها بزيها الوطني حتى أصبحت هذه ميزة قطرية تثير الاعجاب، كما أمر بإعادة إعمار سوق واقف بعدما كان متهالكاً يقرب من الاندثار فوجه بتجديده وفق تصاميمه القديمة والتراثية حتى غدا من أهم المعالم السياحية التي يحرص الزوار والضيوف على زيارته والاستمتاع بالأجواء فيه، ووجه للحفاظ على المباني القديمة والحفاظ عليها وصيانتها كجزء من الذاكرة التاريخية لقطر مثل القلعة وقصر الشيخ عبد الله بن جاسم في الريان وقصور الحكم القديمة في الريان وقرب الكورنيش كقصر المرمر وغيرها.
السر بين الأمير الوالد وشعبه
أما علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه فكانت علاقة اشبه بالحكايات التاريخية الجميلة التي قرأنا عنها في الكتب، فكانت تنطوي على سر غريب من الترابط فهي علاقة تتسم بالحب والعطف والرحمة والثقة من جانبه، وتتسم بالحب والولاء والطاعة والثقة من طرفهم، وكان يحرص رحمه الله على القرب من الناس والحديث معهم بوجه بشوش وتذاكُر القصص الجميلة والأحاديث المناسبة ومعرفة أخبارهم والسؤال عن اسم من لا يعرفه منهم والتخبّر منه عن أحاول آبائهم وأمهاتهم وتفقد احتياجاتهم، وكان على علم بالعوائل وفروعها والقبائل وتفرعاتها واستيعاب كامل للخريطة الاجتماعية.
ومن محبته للناس ورغبته الكبيرة بتقديم الخير لهم، بادر باتخاذ القرار برفع الرواتب في جميع القطاعات المدنية والعسكرية بنسب عالية تحقق مداخيل مجزية للأسر تفوق احتياجات المعيشة، حتى سمعنا من بعض المواطنين قولهم ان الرواتب بعد ارتفاعها أصبحت للشخص كأنها إيراد عمارة، كما أمر رحمه الله بتحويل المؤسسات الربحية التابعة ملكيتها للدولة إلى شركات مساهمة وأن تطرح للناس باكتتابات عامة وبأسعار اقل من سعرها الحقيقي مع تقييد مقدار تملك الأسهم المتاحة للشخص الواحد حتى تُعم الفائدة اكبر شريحة ممكنة، وقد انعكس ذلك جلياً في ارتفاع مستوى الحالة المادية للمواطنين وزادت ظاهرة شراء السيارات الجديدة بكثرة في تلك الفترة، وبدأ الكثير منهم في توسعة مساكنهم وبناء المجالس الخارجية، ثم أضف إلى ذلك قراره بزيادة رواتب الضمان الاجتماعي للفئات المستفيدة منه، وقد صنع ذلك حالة جميلة من أجمل حالات الفرح التي لا تُنسى في ذهن من عاصرها، كل تلك الإجراءات وغيرها ساهمت في توفير مستوى معيشي مرتفع سهل عليهم تحقيق مستوى معيشة يتوافق مع معايير جودة الحياة الطيبة الكريمة والمرفهة.
إن الأمير الوالد لم يكن يرى الشعب كتلة بشرية واحدة صماء وانما يراهم مجموعة أفراد متمايزين لكل واحد منهم أحلامه الخاصة واهتماماته المختلفة وظروفه الذاتية، وكان يحرص رحمه الله على وضع بصمة خاصة في نفس كل شخص يتعامل معه يُشعره بها بقربه منه وخصوصيته عنده، وهذا شيء يشعر به ويعرفه كل من كان له تعامل معه وهي موهبة تفرّد بها وقدرة استثنائية لا يقدر عليها إلا نوادر الرجال، وكم سمعنا وشاهدنا من هذه الأحوال قصصا وعجائب لا تحصى.
وكان رحمه الله جميل المعشر طلق الوجه هينا لينا مع مهابة من الله له في القلب، إن مفتاح شخصيته رحمه الله في رأيي هو البعد الإنساني الطاغي في شخصيته الذي يتمثل بحبه للناس وقربه منهم والتعامل معهم بتواضع ولطف وعفوية فريدة تخلو من التكلف، جعلت منه رجلا يمتلك سحرا في الشخصية وكاريزما خاصة لا تكاد تجدها، وأكثر ما كان يسعده أنه يوجه بحل مشكلة إنسان أو ينفس كربة عن مكروب، ويفرح إن سمع عن شخص أخبارا طيبة.
ومن أخص صفاته رحمه الله الكرم والسخاء وهو في هذا مضمار لا يُبارى فكان يحب أن يكرم الناس ويبادرهم بالعطاء حتى بدون مسألة منهم.
مدرسته في السياسة الخارجية
إن الأمير الوالد رحمه الله صاحب مدرسة متميزة واضحة المعالم في السياسة الخارجية تبنى على قيم السلام ومناصرة المظلوم والانحياز للشعوب في تطلعاتها وهمومها والوقوف مع الحق والعدل في وجه الظلم والطغيان، فكانت السياسة القطرية بفضل توجهاته شعلة نشاط في القضايا الدولية تقدم دائماً المبادرات الخلاقة لمعالجة الأزمات الدولية لحل الخلافات وتدعم المساعي الإنسانية الحميدة، ابتداءً من احتضان الفرقاء في السودان من أجل حل أزمة دارفور ومنع عودة الحرب إليها، والوساطة لإيقاف اشتعال الأهلية في لبنان والدعوة للحوار في اليمن وليبيا والمواقف الشجاعة في مناصرة الثورة السورية، واحتضان المفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية.
لكن موقفه من قضية فلسطين والوقوف مع غزة والسعي الدائم لوقف الاعتداءات الجائرة عليها قصة أخرى وحكايات تروى أكبر وأظهر من أن تحتاج لبيان، فكان رحمه الله يأمر ببناء المساكن والمستشفيات والتعليم وعلاج الجرحى وتحمل رواتب المؤسسات الحكومية في القطاعات التي توفر للناس لقمة العيش وتسد احتياجاتهم الضرورية لهم بعزة نفس وكرامة، ورغم التحديات والمخاوف والمُعيقات إلا أن أفعاله دائماً كانت تُصدّق أقواله، في زمن قل به الصادقون.
ومن الأشياء التي تفرد بها رحمه الله قراره بإنشاء قناة الجزيرة التي تقوم سياستها على مبدأ تبني هموم الشعوب وطموحاتها واحلامها وتحمل كل الضغوط في سبيل تمكينها من القيام بدورها في نشر الوعي والعلم وثقافة الانفتاح على الآراء المتنوعة والمختلفة، ودعم دورها في فضح الجرائم والانتهاكات والفساد، ووقوفه بشجاعة في وجه كل الضغوط العربية والغربية التي واجهها والتي تعجز عن تحملها دول أكبر وأقوى، لكن همة الأمير الوالد وقوة شخصيته ورباطة جأشه وإيمانه الكامل بقناعته وما يؤمن به جعلت منه الصخرة التي تتحطم عليها كل تلك التحديات، ما فتح الطريق أمامها لنجاح في معركة الوعي ومناصرة المظلومين والانحياز لقضايا الأمة، الأمر الذي مكّن الجزيرة من صنع وحدة شعورية لها مع غالبية الشعوب حتى أصبحت الجزيرة من أهم المنجزات العربية في المئة سنة الأخيرة.
الشيخ تميم وقانون الاستمرارية
إن استمرارية المسيرة وتوريثها للأجيال التالية وجعل النهج الذي رسموه والطريق الذي سلكوه لا ينتهي بانتهاء حياتهم هي من أصعب التحديات التي يواجهها القادة العظام، لذلك قرر الأمير الوالد رحمه الله العمل باكرا على تهيئة رجل المستقبل، فكان قراره بتسليم الحُكم طواعية في حياته وهو في كامل صحته وقوته وتمكنه من الأمور، لِمن رأى به مخايل النجابة وتفرّس فيه الذكاء والكفاءة والمقدرة والشجاعة والضمير الحي فكان الشيخ تميم.
وقد نجح صاحب السمو أمير البلاد المفدى في مواصل طريق التنمية وإدارة الدولة بكفاءة، والصمود أمام كل التحديات التي واجهها وتغلب عليها، فنجح الأمير الوالد في تحدي استمرارية الإرث عندما وضع أغلى بلد في يد أكفأ رجل وأجدر من يحمل الأمانة، وازداد سروره رحمه الله وهو يرى بعينيه ما يسره من حكمة رأيه وصواب القرار في الرجل الذي تربى على يديه وتخرج من مدرسته وسار على هديه.
نجحت القيادة الجديدة في تحدي أزمة الحصار كما نجحت في استضافة أكبر بطولة رياضية عالمية ونظمتها بصورة أبهرت العالم، ومنذ 25 يونيو 2013 والإنجازات تتوالى وتثبت أن سمو الأمير الشيخ تميم هو الرجل المناسب في المكان المناسب.
يقول المتنبي في بيت جميل معبر كأنما قيل في الأمير الوالد يصدق عليه ويختص به دون الناس:
يَدِلُ بمعنى واحد كُلَّ فاخرٍ
وقد جمع الرحمنُ فيك المعانيا
ويقصد أن كل مادح يفخر بممدوحه بصفة واحدة يتميز بها ويعرف فيها، فهذا يمدح بأنه كريم والاخر يمدح بأنه شجاع والثالث يمدح بأنه وفيّ وهكذا.
أما الأمير الوالد فقد جمع الله فيه الفضائل والمفاخر كلها، أما في الكرم كان دفان الفقر، وفي الشجاعة قد صادم قوى كبيرة ولم يتزعزع، وفي الوفاء ينفذ إذا وعد، ولا يرجع عن كلمة قالها إذا بها نطق، وهو المتسامح والعطوف على الأرملة والمسكين والمتواضع مع الناس وصاحب المروءة، وهو باني الدولة وقائد المسيرة والسياسي المحنك المؤسس الثاني لقطر وغير ذلك مما وهب الله له من مكارم الأخلاق وجميل الفضائل، وفوق ذلك وقبله له من أعمال الخير والبر الكثير التي لا يجازيه عليها إلا رب العالمين.
الختام
إن الشيخ حمد بن خليفة رحمه الله شخصية عظيمة واستثنائية في التاريخ لا يمكن أن يحصى نبل فضائلها وعظيم إنجازاتها في عجالة سريعة، فهو كبحر لا ساحل له وفضاء لا حدود له، وسيرته عطرة جميلة سُطرت في صفحات التاريخ بأحرف من نور، تضيء بالخير لتهتدي بها الأجيال تلو الأجيال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم»
ونحن نُشهد الله سبحانه أن قلوبنا تكُن له خالص المحبة، وألسنتنا تخصه بصالح الدعاء في صلواتنا، ونسأل أن ينزل الله عليه الرحمة والمغفرة من عنده وينير له في قبره مد بصره وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6195
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5295
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026