رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالعليم الشلفي

مساحة إعلانية

مقالات

288

عبدالعليم الشلفي

كُتُبٌ لا تكفيها الأعمار

20 أغسطس 2026 , 11:43م

في مكتبة كل واحد منا رفوف تئن وتتقوس هابطة من كثرة الكتب التي وضعناها أملاً في قراءتها وقلنا: حين نجد الوقت.

لكن الوقت، على خلاف الكتب، لا يُطبع منه إصدار جديد.

في عدد أغسطس من مجلة «هاربرز»، استوقفتني قصيدة للشاعرة الأمريكية بريندا هيلمان بعنوان: «كتب لن يتسنّى لك الوصول إليها». تتأمل هيلمان الكتب التي تمر بها على الرفوف دون أن تقرأها والغبار الذي يستقر على حوافها ثم تمنحها شيئًا من الرحمة: فالكتب، كما تتخيل، «تعرف حسن نيتك».

وتطلق هيلمان جملة ساخرة تبدو كأنها تتحدث عن عادة انقرضت: كان بعض الناس في القرن العشرين يقرأون كتبًا كاملة. ووراء المزحة شيء من حقيقة عصرنا فلم يعد الكتاب ينافس كتابًا آخر فقط، بل ينافس المقال والبودكاست والفيديو والرسالة والإشعار والخبر العاجل، وكل ما يستطيع الوصول إلى العين قبل أن تصل اليد إلى الكتاب.

لقد انتقلنا من ندرة المعرفة إلى وفرتها، ومن وفرة المعرفة إلى ندرة الانتباه.

لكن القصيدة تمضي إلى ما هو أبعد من أزمة القراءة. فالكتب التي لم نقرأها، تقول هيلمان، أبقت فينا «أنصاف آمال» حية لسنوات.

فنحن نشتري الكتب لما نأمل أن نصبحه من خلالها. كتاب في لغة جديدة هو نصف أمل في أن نتعلمها، وكتاب في الفلسفة نصف أمل في أن نفهم سؤالًا ظل يقلقنا، ورواية مؤجلة نصف أمل في عالم أردنا دخوله ولم ندخله بعد.

لهذا تتحول المكتبة الشخصية مع مرور السنوات من مستودع للمعرفة إلى شيء أشبه بخريطة للحياة. فما قرأناه يمثل بعض الطرق التي سلكناها، وما بقي على الرف يمثل طرقًا كان يمكن أن نسلكها ولم نفعل.

في الشباب لا يزعجنا ذلك كثيرًا. تبدو الكتب غير المقروءة مستقبلًا مفتوحًا؛ سنقرأها لاحقًا. ثم تصبح «لاحقًا» كلمة أقل اتساعًا مما كانت عليه ثم يأتي وقت ندرك فيه أن بعضها سيبقى خارج الزمن المتاح لنا.

كم في حياتنا من رفوف أخرى غير مرئية: لغة سنتعلمها، ورحلة سنقوم بها، وصديق سنهاتفه حين نخف انشغالًا، وجلسة مع أب أو أم نظن أن موعدها متاح دائمًا. وحتى طفولة أبنائنا قد نتعامل معها كما لو أنها كتاب يمكن إغلاقه مساء والعودة غدًا إلى الصفحة نفسها.

للزمن حيلة بسيطة: يجعل الأيام متشابهة حتى نظن أنها تتكرر. صباح الثلاثاء يشبه صباح الثلاثاء الذي سبقه، فننسى أن التشابه ليس تكرارًا وأننا في سباق مع الزمن.

ففي عصر الوفرة، لم تعد المشكلة أن نعثر على ما نقرأه أو ما نفعله ولكن المشكلة في الاختيار فالعالم يستطيع أن يعرض علينا من الكتب والمعارف والتجارب أكثر مما تستطيع حياة واحدة أن تستوعبه.

ولهذا ليست الحكمة أن نحاول الوصول إلى كل شيء، بل أن نعرف ما الذي يستحق أن نعطيه جزءًا من العمر، وأن نقبل، من دون شعور دائم بالخسارة، بأن أشياء جميلة ستبقى خارج ما نستطيع بلوغه.

ستظل على الرف كتبٌ تعرف أننا أردناها، وبعضها سيغادرنا إلى أيدٍ أخرى، كما وصلت إلينا كتبٌ لم ينتهي أصحابها من قراءتها.

لكن الحياة لا تملك هذا الامتياز. فهي لا تبقى على الرف، ولا تنتظر قارئًا لاحقًا. ما لا نعيشه اليوم لا يعود غدًا في الصفحة نفسها، بل يختفي بهدوء من الهامش إلى الفقد.

فالكتب يمكن أن تجد قارئًا آخر.

أما العمر، فما ذهب لن يعود.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية