رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سمعتُ في أحد المجالس، معلومةً حول أثر تدريس العلوم الأكاديمية باللغة العربية، تقول: حينما كان الطبيب السوري ينتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية مُهاجرًا أو متدربًا أو طالبًا للزمالة، ويبدأ بمزاولة الطب في مستشفياتها، فإنه يكون الأمهر والأبرع والأسرع تطوّرًا من بين كل الأطباء العرب غير الناطقين بالإنجليزية، كلغة أولى. السبب وراء ذلك ببساطة هو لأن الطب في جامعات سورية يُدرّس باللغة العربية، بينما تعتمد الأكاديميات في الدول العربية الأخرى -بلا استثناء- تدريس الطب وغيره من العلوم بلغات أخرى، مُفضّلةً أن تستعير العلوم استعارة، وفي دفقة واحدة. هذا يعني أن مضامين العلم في المؤسسات العلمية في سورية (قبل الثورة) مثل: المصادر العلمية والمراجع البحثية في حقل الطب، المكتوبة بلغات أجنبية، قد تُرجمِتْ إلى العربية ترجمةً لا بد أن تكون على قدرٍ عال من العِلميّة والدقة، ثم قُدّمت إلى الطالب الجامعي في سورية، ليدْرسها باللغة الأم الساكنة أحشاء عقله، والتي لا يحتاج معها إلى وسيط بينه وبين أي علمٍ كان.
تُعَدّ الحقيقة السابقة عيّنة بيّنة، ويستطيع كلُّ عاقلٍ أن يختبر صحّتها بنفسه، وليس ثمة حاجة إلى التفصيل فيها، ذلك إن عملية تحصيل العلوم بلغة ثانية، وسيطة، غالبًا ما تعتريها صعوبات كثيرة على مستويات عدة، مثل مستوى: تلقّي العلم، ومستوى إدراكه، ومستوى بناء الفهم، ثم التأصيل أي: ضم الفروع إلى أصولها، وصولًا إلى تمثّل كُليّات العلم في الذهن وأجزاءه تمثّلًا واضحًا. تحصيل كل ما سبق سيواجه مشكلة تتعلّق بدرجة تفاعل الدماغ البشري مع الأدوات اللغوية المختلفة عن تلك الأدوات التي اعتادها. بخلاف لو كانت اللغة العلمية هي اللغة الأولى.
واللغة الأولى في الأصل، وفي الغالب الأعم، ضربٌ من البرمجة الذهنية التي تصوغ عملية إدراك الوجود وتفكيكه وتركيبه لدى الإنسان. وهذه المسألة الآنفة، بالتحديد، كانت ولا تزال محلَّ نزاع طويل بين اللغويين، والألسنيين. حيث انقسم القوم إلى مذاهبَ، وانحازوا إلى فرق، وانتسبوا إلى آراء ينأى بعضها عن بعض من أبرزها تيّار يرى بأن نظرة الإنسان إلى العالم تختلف باختلاف لغته، على اعتبار أن اللغة وعاءٌ من المفاهيم والتصورات التي تراكمت حدًّا أصبحت تمثّلُ فيه خصوصيةًّ ثقافية، مقابل خصوصيّات ثقافيّةٍ أخرى تنعكس -بطبيعة الحال- في لغاتٍ أخرى. وتيّارٌ آخر يشدّد على أن العالم سيظل متشابهًا لدى الإنسان سواء كان شرقيًّا أم غربيًّا، وأن اللغة ليست سوى نظام من العلامات والأصوات يستهدف إيصال المعنى وحسب، بينما يظل تصوّر هذا الوجود متعاليًّا عن شروط اللغة ووظائفها، فلذا يصعب تقسيم العالم إلى أنساق لغوية نماذجية، كل نسق منها قائم بذاته ويحمل في داخله معطيات هي بالضرورة متمايزة من حيث الرؤية والنتيجة.
وقد يبدو أن حال اللغة العربية لدى الأسر القطرية، والمجتمع عامّةً، منقسم بين مسارات متعددة. نجمت هذه المسارات -في الأصل- عن التحوّلات الاقتصادية والسياسية والمؤسسية في الدولة، ونتجت كذلك عن مشاريع التحديث البنيوية التي بدأت منذ مطالع سبعينات القرن الماضي. وقد خاضت -تلك المشاريع- مُدَدًا تنوّعت وتيرة السرعة فيها من مُدّة إلى أخرى. إذ إن حجم عمليات التحديث ومعدل تسارعها بدءًا من الألفية الجديدة: كبير وعال، مقارنةً مع مرحلة التسعينات والثمانينات وما قبلها. وأرى أن المقام يحدوني هنا إلى التنويه على مسألة منهجية جديرٌ أن يُشار إليها. إن تحقيب تاريخنا المعاصر، أي تقسيمه إلى حِقَبْ عَقْديّة متعددة، بمعنى: تصنيف كل عقد من العقود الماضية تصنيفًا مستقلًّا، والنظر إلى عَقْدْ السبعينات -مثلًا- بصفته يمثّل مرحلة ذات سمات وأنماط متشابهة خاصّة به لوحده، ثم استنتاج -بناء على ذلك- أنه يختلف بطبيعته وظروفه ونسقه المعرفي عن عقد الثمانينات، وأن الثمانينات تختلف بدورها عن التسعينات، وهكذا دواليك. ثم اعتبار أن محصّلة جُل هذه الاختلافات هي انتساب الفرد من الناحية الذهنية والتصوّرية والثقافية إلى العقد الذي وُلِدَ فيه. ليكون المولود عام ١٩٨١م مثلًا أقرب إلى الذي وُلِدَ في ١٩٨٩م، منه إلى المولود في ١٩٧٩م. إن هذا التحقيب والتنسيب لا شك أنهما يخلوان من أي منطق، بل هما إلى الشعبوية ألصق. كما إن تقسيم المراحل التاريخية بناء على العقد الزمني: أبعد ما يكون عن الدقة، لكونه تقسيما إحصائيا جامدا، يتمركز حول السَنَة المُرقَّمَة، بما هي سَنَة. والسَّنَة -ليت شعري- هل تستطيع الإنباء أو الإفصاح عن مضمونٍ ما ذي دلالة؟ إذا كانت خالية من حدثٍ إمّا أن يكون مكمّلًا لنظام نسقيٍّ قائم، أو حدثٍ يكون قاطعًا ومؤسِسًا لنظام نسقيٍّ جديد.
على أية حال، نؤوب إلى المسارات الاجتماعية في قطر، التي اجترحتها مشاريع التحديث حول الموقف من اللغة العربية واللغات الحديثة، فنقسمّها -بشيءٍ من التعميم - إلى أربع شرائح اجتماعية:
الأولى: تعتقد بوجوب ترسيخ اللغة العربية كلغة أولى، وأن للحاضنة الأسرية دورا مركزيا في سبيل ذلك. تغلب على أرباب الأسرة فيها النزعةُ التديّنية، ولديهم حد متوسط-عالٍ من التصورات الواعية بذاتهم وبمحيطهم وانتمائهم، تجعلهم يلحقون صغارهم بحلقات التحفيظ القرآنية، ومتابعة التحصيل العربي عندهم. هذه الفئة باتت أقلية قليلة في المجتمع. كما أن جُلّ الأسر المنتمين إلى هذه الدائرة ينعمون باستقرار يطبع علاقة الزوجين ويحفظ انسجام الأسرة وتماسكها. والتماسك الأسري هنا لا يعني أنه السبب الأوحد المُشكِّل لهذه الذهنيّة.
الثانية: تستشعر قيمة اللغة العربية، من منطلق يجمع بين مقتضيات الانتماء الهوياتي والثقافي الديني، ولكنها تجد صعوبة في الموازنة بين أعبائها الوظيفية والتزاماتها الاجتماعية ونوازعها الرفاهية، مما يحول دون تعميق العربية في التكوين العلمي واللغوي لأبنائها وبناتها. فتُسنَد كل المهمة إلى المؤسسات التعليمية حكومية أو خاصة، والهدف الأكبر بالنسبة لها هو نجاح صغارها، لا تعلُّمهِم. الناتج الطبيعي من هذا المنزع هو نشوء فئة من الجيل الصاعد ضعيفة الصلة بكلتا اللغتين، هجينة الذهن، مقسومةً بينهما، لا إلى هذه ولا إلى تلك. ويتبدّى عليها سمات القلق الذاتي.
الثالثة: حيادية إزاء ضرورة تعليم اللغة العربية، أو ربما حيادها هذا أقرب إلى كونه قصورًا بليغًا من جهة الإحساس بالمسؤولية، موازاة مع اعتقادها بأهمية تكييف أبنائها في سوق العمل، المنحاز -عالميًّا ورأسماليًّا- إلى اللغة الإنجليزية بصفتها لغة المعرفة والتقنية الحديثة. وهذه الشريحة أصبحت -وفق اللقاءات الاجتماعية المتواترة والانطباع المتراكم- هي الأغلبية السائدة، في مجتمع قطر.
الرابعة: متأثرة بتدفق الثقافة الغربية، عبر إما الدراسة في مؤسسات مدرسية/أكاديمية غربية. أو الاحتكاك ببيئات غربية وأقوام غربيين وإقامة علاقات تواصل. أو التلقي الاستهلاكي للبضائع والمنتجات الغربية المختلفة، أو حتى مسايرتها لمحيط اجتماعي يتقمّص أو يتبنّى أدوات الاتصال والمعرفة الغربية. تعيش هذه الشريحة قطيعةً تامّة بأصولها الثقافية والتاريخية العربية، ويقتصر انتماؤها على شكليات المراسيم الاجتماعية. بل إن علاقتها بعمقها العربي أصبحن مرتبكات، ومُسامَةً بأشكال الخجل والاضطراب. تبرز هذه الشريحة أيّما بروز في الأماكن المفتوحة ونجدها تحديدًا لدى بعض الأمهات اللائي يخاطبن أبناءهن وبناتهن باللغة الإنجليزية، اعتقادًا منهن -ربما- بتفوّق الجرس الموسيقي الإنجليزي. أو بسبب تفضيلهن لنوع من اللطافة الذوقية الكائنة في لغة الإنجليز، وكيف أن صغارهن حين يعبّرون بالأحرف والمفردات الإنجليزية فإن ذلك يكون آسرًا وساحرًا ومعُزّزًا لشعور الأمومة، المتخيّلة، ويا لها من أمومة مقلوبة.
أما الآباء المنتمون إلى هذه الشريحة، فهم إما يلقون عبء التربية على الأمهات. أو ينساقون إلى تعزيز هذه البنية الثقافية الدخيلة على حساب البنية الثقافية الطبيعية لأن شروط العصر وأحواله قد حتّمت هذا الانسياق. أو ينخرطون نحو تعزيزها بما هي الثقافة الوحيدة الضامنة للتفوق والتقدم والنجاح؛ وهذه مأساة أخرى.
إن التقسيم الآنف، لا يعكس المشهد الأدق للتحول الثقافي داخل الأسر القطرية (ولاسيّما موقفها من المعرفة واللغة) في العقود الثلاثة الأخيرة؛ بقدر ما يعكس المشهد العام الجامع للاتجاهات القائمة داخل هذا التحول.
يعني ذلك أن عملية التأطير الرباعية للشرائح الاجتماعية بحاجة إلى المزيد من التتبع الإحصائي والفحص التجريبي والتوثّق المتمهّل، رغم حالة الركض التي نعيشها وحالة التباعد التي نعمّقها، وحالة الانفلات الاجتماعي التي بدأت تلوح بعضُ إرهاصاتها.
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله فيها أبوابًا من الرحمة والقبول لا تتكرر في غيرها، ومن... اقرأ المزيد
135
| 22 مايو 2026
معرض الدوحة للكتاب وترسيخ الوعي بالهوية
تعكس زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمس، إلى معرض الدوحة... اقرأ المزيد
99
| 22 مايو 2026
بالتعليم المبكر نصنعُ الغد
معلمة الطفولة لا تُخرّج طلابًا فحسب، بل تُسهم في صناعة مستقبل الأمة؛ فهي تبذر البذور الأولى للأخلاق، والهوية،... اقرأ المزيد
60
| 22 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1431
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1245
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
972
| 16 مايو 2026