رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يزال جدل السلطة السياسية والإعلام، قضية قائمة وملتبسة، منذ ظهور وسائل الاتصال المختلفة حتى الآن، وهذا الجدل برز مع بروز الحريات العامة، والديمقراطيات في العالم الجديد، وفي الوطن العربي عموما، صحيح أن السلطات هي التي أوجدت هذه الوسائل، لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولتنفيذ مصالحها الأخرى لكسب الرأي العام، والدفاع عن توجهاتها السياسة والإستراتيجية عند ظهور النظم السياسية، ففي كتابه (السلطة السياسية والإعلام في الوطن العربي) يرى الدكتور أحمد قراّن الزهراني أن الصحافة ارتبطت منذ صدورها بالسلطة السياسية ارتباطا وثيقا ومباشرا، وكانت تحكم هذا الارتباط الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما تحكمه قوة السلطة السياسية ونفوذها من جانب، واستقلالية الصحافة وقوتها من جانب آخر.
وبالرغم مما شاب هذا الارتباط من شد وجذب، إلا أن السلطة السياسية استخدمت الصحافة كأداة رئيسية في ترويج مشاريعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والوصول إلى الجمهور بكل شرائحه واتجاهاته. كما تعاملت الصحافة مع النظم السياسية على أنها مصدر مهم للحصول على الأخبار السياسية والاقتصادية التي تتبناها الحكومات، سعياً إلى كسب ثقة القارئ وبالتالي سرعة الانتشار وقوة التأثير في المجتمع. وقد حاولت السلطة السياسية إخضاع الصحافة لها والسيطرة عليها، إلا أن النظم السياسية التي تتبنى الديمقراطية والحرية الإعلامية لم تستطع حكوماتها أن تفرض سيطرتها على الصحافة، بينما استطاعت الحكومات غير الديمقراطية السيطرة على الصحافة وتوجيهها حسب رؤية الحكومة، وفرض إرادة السلطة على الصحافة في عدم الخروج عن المسار الذي رسمته الحكومة، وبالتالي التأثير في توجهات القراء وترتيب أولويات القضايا لديهم التي تتبناها الحكومات وتسعى إلى تبنيها من قبل الجمهور.
فالعلاقة الجدلية ـ كما يقول الزهراني ـ التي تربط السلطة السياسية والفكرية والاجتماعية بوسائل الإعلام هي علاقة تحكمها المصالح المتبادلة بين هذه الأطراف وبين وسائل الإعلام في الدول الديمقراطية، بينما تحكم تلك العلاقة التوجهات السياسية والفكرية والاجتماعية للدول غير الديمقراطية التي لا تزال تسيطر على وسائل الإعلام بشكل مباشر أو غير مباشر.
كما أن الأفكار السياسية ـ كما يرى ـ دائما ما ترتبط بالأحداث الاجتماعية وفق سياقات رمانية ومكانية، وأنساق اجتماعية واقتصادية، حيث لم تتبلور الدولة قديما بالشكل الذي هي عليه حاليا. وقد تبلورت الأفكار السياسية الحديثة وفق متغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية أثرت في مسار الفكر السياسي وأحدثت تغيرات جوهرية في الحياة العامة والبنى الاجتماعية، وبالتالي وصلت فكرة الدولة القديمة إلى ما هي عليه الآن من شكل ومفهوم وتنظيم، فأصبحت الدولة ذات مفهوم سلطوي لا يمكن قيامها من غير سلطة حاكمة تستطيع إدارة الدولة بسط نفوذها على مساحتها الجغرافية بشكل كامل.
فالعلاقة بين النظامين السياسي والإعلامي كما يرى الباحث/ أحمد الزهراني، توصف بأنها علاقة تأثير متبادل، لكن حجم التأثير يختلف بين الطرفين وفق طبيعة العلاقة بينهما ووفق شكل النظام السياسي ودرجة الديمقراطية التي يتمتع بها، ودرجة الحرية السياسية المتاحة للإعلام في معالجة القضايا السياسية والاجتماعية، ودرجة استجابة النظام السياسي لملاحظات وسائل الإعلام وآرائها تجاه القضايا، وتجاه الأداء الحكومي لتلك القضايا، حيث تعد وسائل الإعلام قنوات اتصالية فعالة بين النخب السياسية الحاكمة والرأي العام، انطلاقاً من تصورات النخب الحاكمة لمجريات الأحداث وعكسها للرأي العام من خلال وسائل الإعلام، كما تعكس اتجاه الرأي العام بشأن معالجة النظام السياسي للقضايا المختلفة.
فالأفراد الأكثر وعيا بالسياسة يتلقون معظم الرسائل وهم على وعي بها وأكثر قدرة على انتقادها وممارسة العملية الانتقائية، لأنهم يقيمون هذه الرسائل في ضوء خلفياتهم الأيديولوجية، ولكن في المقابل فإنهم يكونون في حالات أخرى أكثر قابلية للتأثير.
أما الأفراد الأقل وعياً بالسياسة فهم أقل اهتماما بها، وبالتالي فهم يتلقون قدراً محدوداً من الرسائل، ويحكمون عليها من خلال خلفياتهم السابقة، لأنهم يفتقرون إلى المعلومات ذات السياقات السياسية الآنية، فينخفض بالتالي معدل التأثر بوسائل الإعلام.
أما بالنسبة إلى الأفراد ذوي المستويات المتوسطة من الوعي السياسي، فهم أكثر تأثراً بوسائل الإعلام.
وفي خاتمة بحثه في هذا الكتاب، يطرح أحمد الزهراني رؤيته في مسألة السلطة السياسية والإعلام، فيقول: في ظل تحول العام من قرية كونية إلى "أيقونة كونية" يستطيع الإنسان من خلال هذه الأيقونة استحضار العام بضغطة زر في جهاز الحاسوب الآلي أو أجهزة الهواتف النقالة الذكية التي يصطحبها الإنسان في كل مكان، ويستطيع متابعة أخبار العالم أولا بأول، بل والمشاركة في صناعة الحدث والتفاعل معه.
في ظل هذا التحول والانفتاح ووسائل الإعلام الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي والتفاعلي، تتعرض وسائل الإعلام التقليدية لضغوط كبيرة في المحافظة على مكانتها وتأثيرها في الجمهور، ذلك لأن وسائل الإعلام الجديد تنقل الحدث حالة حدوثه ويتفاعل معه الجمهور بشكل مباشر، بينما تحاول وسائل الإعلام التقليدية مجاراة الإعلام الجديد، لكن الأنظمة والقوانين وتبعية وسائل الإعلام التقليدية للأنظمة الحكومية أو خضوعها لرأس المال والمعلنين، يجعلها تقوم بدور أقل مما تقوم به وسائل الإعلام الحديثة.
ولعل أهم القضايا التي تتحفظ وسائل الإعلام التقليدية ـ خاصة تلك التي مازالت تخضع لملكية الدولة أو تقع تحت إشرافها أو رقابتها، أو تلك الوسائل الإعلامية التي هي جزء من منظومة الدولة المركزية أو الدول غير الديمقراطية ـ عن مشاركة الجمهور والتفاعل معه في القضايا السياسية، لأن المتحكم في هذه القضايا هو الدولة والتي لا تسمح للشعب بالمشاركة السياسية فيها، وهي بالتالي تسعى إلى تركيز انتباه الجمهور نحو الاهتمام بموضوعات وأحداث وقضايا معيّنة حسب توجه حكومي، ما يؤدي إلى اهتمام الجمهور بهذه القضايا، ومحاولة ترتيب رسالة معينة من بين رسائل ومضامين مختلفة، ولهذا فإن وسائل الإعلام التقليدية، وخاصة الصحافة، وفي ظل المنافسة الكبيرة من الوسائل الجديدة، تتعرض لضغوط كبيرة للمحافظة على مكانتها وعدم فقدها للجمهور.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12177
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10680
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026