رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذا السؤال الذي وضعته في العنوان يدور في أذهان الكثير من أبناء وبنات الشعب السوداني الذي أعياه الدوران في حلقات مفرغة من الانتهاكات التي تتم تحت بصر الدولة فيما لا يتم تقديم أي شخص للعدالة، ولم يحدث أي نوع من الإنصاف للضحايا الذين تتردى حياتهم وهم يعيشون في مخيمات لجوء ونزوح طوال عقود من الزمان.
سؤال العدالة كبير ومعقد لجهة كبر نطاقات الانتهاكات والعدد الضخم للمتضررين وحتى الفترات الزمنية الطويلة التي تعرض فيها الناس للبطش وحرق قراهم وانتزاع أراضيهم فيما تقف الدولة التي سلحت سابقا المليشيات، ودعمتها لتهجير القرويين في موقف الجلاد والحكم!
وسط إحباطات متراكمة لعقدين كاملين من الزمان جاء اختتام المرافعات الختامية في محاكمة المتهم علي محمد علي عبد الرحمن المعروف بـ «علي كوشيب» أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي كبريق أمل للضحايا الأحياء من أحداث وادي صالح غربي البلاد التي يحاسب بسببها المتهم، بعضهم يعيش في معسكرات النزوح في دارفور منذ العام 2003 وبعضهم في معسكرات اللاجئين في الحدود مع دولة تشاد.
* «كوشيب» أحد المتهمين المطلوبين لدى المحكمة منذ العام 2007، فيما شملت قائمة المطلوبين الرئيس المعزول عمر البشير واثنين من قيادات حكومته هما عبد الرحيم محمد حسين وأحمد هارون الذي أُعِيد انتخابه مؤخرا رئيسا لحزب المؤتمر الوطني!
ولم يتم تسليم المطلوبين، على الرغم من وجودهم في مناطق سيطرة الجيش متنقلين بين ولايات الشرق والشمال، ويخضع كوشيب وحده للمحاكمة؛ لأنه سلم نفسه في العام 2020 للمحكمة طواعية خوفا من الاستهداف والقتل بعد سقوط نظام البشير ومنذ ذلك الوقت يحاول إنكار هويته، وختم ذلك الإنكار ببيان طلب تقديمه أمام القضاة قال فيه «أنا لست كوشيب!»
الأمر الآن متروك أمام القاضيات ليحددن هل هو الشخص المطلوب وفق الأدلة التي قدمها مكتب الادعاء أم هو رجل بريء! وبينما ينتظر السودانيون بصفة عامة النطق بالحكم في هذه القضية يتعلقون بأمل أن المحاسبة ستحدث، وأن العدالة ستتحقق وإن طال الزمن!
* كنت من ضمن مجموعة من السودانيات حظينا بحضور المرافعات الختامية في محاكمة كوشيب من مقاعد الجمهور داخل المحكمة، كانت لحظة تاريخية نادرة تقول إن الطغاة سيمثلون أمام القضاء، ويدفعون ثمن ما فعلوه في حق المدنيين العزل يوما ما الأمر الذي يرسل رسالة قوية لكل من يرتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الـ 15 من أبريل التي اندلعت في الخرطوم، وتمددت مثل النار في ولايات سودانية أخرى شردت أكثر من 13 مليون مواطن، وقتلت عشرات الآلاف، واُغْتُصِبَت عشرات النساء فيما يحاصر الجوع 25 مليون سوداني، ويموت الأطفال بسبب سوء التغذية!
* ما يحدث الآن لا يختلف كثيرا عما حدث في ذلك الوقت في العام 2003 مسرح الجرائم كان قرى دارفور التي عانت التهجير القسري والقتل والإعدام خارج نطاق القانون والاغتصاب والاضطهاد، ذات الفاعلين في تلك الأحداث هم نفسهم الذين يتقاتلون الآن، اختلفت المسميات قليلا، وتغير الزي العسكري ربما، لكنها ذات الأيادي الباطشة بالمدنيين العزل!
فأحداث دارفور كان الفاعل الرئيس فيها قوات «الجنجويد» التي سُلِّحَت من حكومة «البشير» واليوم ذات العناصر التي كونت حكومة البشير هي التي تقاتل في الأرض، وتقاتل تلك القوات التي قام نظام البشير بمنحها الشرعية وتحويلها لقوات نظامية بموجب قانون مجاز عبر البرلمان في العام 2017.
* «كوشيب» متهم بارتكاب 31 جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، ووفق شهادات الشهود احتجز رجال من قبيلة الفور قبل أن ينقلهم من مركز الشرطة، ويأمر بإعدامهم جميعا، ويدفنهم في مقابر جماعية، وكان يجعل المعتقلين يستلقون على الأرض، ويمشي على ظهورهم فيما حدثت اغتصابات واسعة للنساء. وقال بعض شهود عيان التقيتهم إنه قام بجمع عدد ضخم من الأطفال في منزل واحد وأشعل فيهم النيران!
نقلت ممثلة الضحايا في المحكمة الجنائية رسائل عدد كبير من الضحايا الذين حكوا كيف تبدلت حياتهم، وكيف منعت الوصمة النساء من مواصلة دراستهم، وكيف استمروا في حياة النزوح يفتقرون لأقل مقومات الحياة لعقدين من الزمان، وتحدث الكثيرون منهم عن رغبتهم في استعادة «كرامتهم» والعودة إلى أراضيهم.
* في أروقة المحكمة حضر بعض أبناء وبنات دارفور ممن كانوا هم أنفسهم شهودا على تلك الانتهاكات البشعة، وقالت إحدى الشاهدات إنها التقت في مستشفى بمدينة نيالا جنوب دارفور بشابتين دون سن العشرين اضطر الفريق الطبي لبتر أعضائهن التناسلية بالكامل؛ بسبب الالتهابات الفظيعة التي أصابتهن؛ لأن المغتصبين لم يكتفوا بالاغتصاب فقط، بل وجهوا طعنات بسكين حادة يستخدمها العسكريون تعرف بـ «السونكي» فيهن !
حكى شاب آخر عن تذكره مشاهدة المقابر الجماعية، نجا بحياته بأعجوبة، وفقد الكثيرين من أسرته، فيما انفجر رجل آخر في البكاء بعد أن وقف كوشيب لمخاطبة المحكمة لجهة تذكره حادثة مقتل والده على يد كوشيب وجنوده.
كتب على السودانيين أن يعيشوا حياة مليئة بالقهر، انتهاكات وقتل بالجملة مع غياب تام للعدالة، لا يطلب الناس المال بقدر ما يطلبون الإنسانية والكرامة والعودة إلى أراضيهم؛ لأنهم منتجون ومزارعون ورعاة وسط حياتهم القديمة لم يشتكوا ولم يحتاجوا إلى أحد.
* الإفلات من العقاب في جرائم حرب الجنوب أدت إلى ظهور جرائم أكبر في حرب دارفور ثم واصلت حلقة الإفلات من العقاب طوال عقدين من الزمان برفض النظام السابق تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية والامتناع من محاكمتهم داخليا، ذات الأيادي الملطخة بالدماء طوال عشرين سنة واصلت في القتل والترويع والتشريد فيما تطورت جرائم الاستعباد والعنف الجنسي واتسعت دائرة الانتهاكات
ويبقى الإجابة عن السؤال في العنوان لا بد أن تكون «نعم» فلا بد أن تكسر محاكمة كوشيب حلقة الإفلات من العقاب، ويُسَلَّم المطلوبون جميعهم لدى الجنائية ليحاكموا ولا بد أن تُؤَسَّس منظومة عدلية ومحاسبية تمنع تسلط الحكومات على الرقاب، وتكون متاحة لرقابة الشعب الذي لا يستحق سوى الكرامة.
سينتظر السودانيون النطق بالحكم في محكمة كوشيب على جمر وحال تمت محاكمته سيتنفس الكثيرون نسيم العزة والكرامة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4266
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
1674
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1140
| 28 سبتمبر 2026