رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أيام خرجت من أحد مراكز التسوق إلى سيارتي، أفرغت مشترياتي من العربة في حقيبة السيارة الخلفية، ركبت السيارة وهممت بالانطلاق، لحظات وإذ بأحد منظمي حركة السير أمام المركز يركض خلفي رافعاً بيده حقيبتي التي نسيتها في عربة التسوق، شكرته بامتنان وأنا أتصور في لحظتها حالي وقد ضاعت حقيبتي بمحفظتي، وأوراقي المهمة، وموبايلي، ومفاتيحي، وبطاقاتي الخاصة، وجدتني أكرر له شكري وخاطري يعلو بسؤال، ماذا لو كان هذا الرجل لصاً وآثر الاحتفاظ بالحقيبة - طمعاً بما سيتصوره فيها - على أن يسلمها لي؟ ورطة سيصبح الأمر ورطة بكل معنى الكلمة وأول المتاعب كيف سأدخل البيت وقد فقدت المفتاح؟ تمهلت، سألته (انته منين، اسمك إيه)، قال بأدب أنا محمد عبدالرؤوف من كفر الشيخ، وعرفت منه أنه يعمل في شركة (G4S) براتب متواضع جداً، سألته عن حاله وأحواله وأهله فما سمعت غير الحمد لله، كررت شكري له على أمانته ومضيت وقد استولى على خاطري معنى كلمة الأمانة التي قد تسكن قلب فقير بينما يحرم منها قادر طالت يده الكثير ولم يشبع فخان ما ائتمن عليه! نماذج الأمانة متكررة منها السائق الذي أوصل سائحاً إلى الفندق ثم عاد إليه مرة أخرى ليسلمه حقيبته التي بها جواز سفره ورزم من أوراق البنكنوت، ومتعلقات قيمة، أمانة (السائق) رغم اختلاف الجنسية هي نفسها أمانة (محمد عبدالرؤوف) الذي سلمني حقيبتي دون أن يمسها، صاحبني امتناني لمحمد النبيل طوال الطريق، في المساء تصفحت الجريدة لأقرأ عن حال آخر للأمانة الممتهنة فهذا (زكريا عزمي) يسدد لخزانة الدولة مليونا ونصف المليون قيمة الهدايا التي تحصل عليها من مؤسسة الأهرام دون وجه حق، وهذه زوجة أحمد شفيق (الهارب) ترد قيمة الشاليهات التي تحصل عليها الفريق زوجها دون وجه حق، وفي القائمة الطويلة للفساد الزاعق ستة وعشرون متهماً يسددون قرابة (30) مليون جنيه وفي رأسي يلح السؤال، كم مليونا نهب من مصر؟ كم مليارا سرقت من المال العام وحرمت الناس أقواتا، وتعليما، وعلاجا، واستقرارا، وسترا، وحفظ ماء وجه؟ كم مليارا هربت لتؤسس تاريخا طويلا للفقر والمرض والبؤس للغلابة المطحونين؟ وكيف الحال لو أن خير مصر ظل منذ عقود لأهلها؟ أي نماء، أي ازدهار، أي رفاهية كان سيعيشها الشعب المسروق؟ ضرب الفساد بأطنابه أرض الوطن المجروح فكانت الرشوة، وكان السلب والنهب وقضايا فساد لا يتصورها عقل، نخر السوس كل مؤسسات الدولة ليصدق مثل "إذا كان رب البيت بالدف ضاربا فشيمة أهل البيت الرقص"، كيف تسلم المؤسسات من الفساد وراعي الحمى ذئب يلغ في دم القطيع؟
شاعت الرشوة، وضاعت الأمانة التي ينتمي إليها ويعتنقها محمد عبدالرؤوف!
والسؤال لماذا يهدي رأس الهرم الوظيفي لرئيس الدولة وحاشيته؟ الجواب باختصار ودون لف ولا دوران يقول الهدية رشوة! ولماذا الرشوة؟ لتثبيت (البراغي) يعني، كي يظل المسؤول في مكانه (ملزوقاً) على الكرسي لا يفارقه، والمثل المصري يقول (اطعم الفم تستحي العين) وإذا ما استحت العين بعدما رأت حجم الهدايا المهول سكتت وتغاضت عن أخطاء فادحة فاضحة، وظل رئيس المؤسسة (قاعد على قلب مؤسسته وكاتم أنفاسها)، وهذا ما يفسر وجود مسؤولين بمؤسسات عريقة مدداً طويلة لا يتغيرون ولا يغادرون كراسيهم، وبالتالي يرد المسؤولون الجميل بصحافة بوق تحمل المباخر تعظم، وتفخم، وتلمع، وتثني على مناقب السيد الرئيس الذي ينجح في الانتخابات من حب شعبه فيه بنسبة 99.5%، أتابع قراءة أخبار الجريدة كلها محزنة، حجم ما يكتشف من فساد مهول، نسبة الجريمة تزايدت برقم مرعب، ما خلفه هدر المال العام، ونهب المؤسسات، وما خرج في شكل هدايا وعطايا من مصر التكية للذين أعطوا ضمائرهم إجازة مفتوحة كثير كثير كثير، وكل ما تعانيه مصر الآن كان لأن الأمانة ضاعت فامتدت الأيدي لتغصب ما لغيرها وامتلأت كروش الكبار من عرق الشعب الكادح في غيبة من نبالة الأمانة، ورغم كم هذا العفن الذي يوجع قلب من يقرأ أخبار السطو على الوطن يشمخ امتنان أقدمه تحية لأمانة محمد عبدالرؤوف أحد المغتربين الكادحين الذين اغتصب السراق حقهم في حياة كريمة ولم يتركوا لهم حتى فتات أفراح.
*****
* ملاحظة
* ذهبت صديقتي إلى المطار قبل ساعتين لتسافر إلى القاهرة، ورغم ذهابها المبكر لإنهاء إجراءات السفر عادت بحقائبها، لما سألتها لماذا تخلفت، قالت انتظرت طويلاً النداء على الطائرة فلم أسمع شيئاً، وعندما فات وقت الإقلاع سألت عن موعد الإقلاع الجديد فقال المسؤول إن الطائرة أقلعت فعلاً والنداء على الطائرات ألغى منذ فترة، لذا قد لا ينتبه المسافر رغم وجود مواعيد الهبوط والإقلاع فيقضي وقته منهمكاً في حديث بموبايله، أو في التسوق من السوق الحرة، أو الصلاة معتمداً على النداء الذي ينبهه للتوجه إلى الطائرة، بالنظام الجديد لا نداء على الركاب، (المطار ساكت)، ولما سألت أستاذنا إيهاب عبدالفتاح بالقطرية، لماذا ألغيت النداءات قال هذا نظام دولي، يستهدف عدم الإزعاج، ولضمان عدم تأخير الطائرات، أما التوجه إلى الطائرة فمسؤولية الراكب وحده.
طبقات فوق الهمس
* عندما بكت لمحنة صديقتها، قال قلبي بصوت عال (لسه الدنيا بخير).
* التعاطف مع الألم توجه قلبي لا يصدر إلا من نفس نبيلة.
* قد تكون ذهبي الصوت، أو ذهبي الأصابع، أو ذهبي الإحساس.
* اللسان قد يكذب وقد يتجمل لكن القلب موشوم بالصدق.
* رسالة حب طويلة قد تقولها عين دون كلمة.
* وقت الشدة تستدعي مشاعرنا إنساناً بعينه دون سواه، لا يغني عنه إلا هو!
* دائماً تأتي تباشير الأمل من أعطاف الألم، لا ألم يدوم.
* قد تبتعد لترى الصورة أوضح، الالتصاق يضبب الصورة.
* الإهانة قد تسبب شروخاً، وكم من شروخ فتحت جروحاً، وكم من جروح عزت على الالتئام.
* القلوب الكريمة تنصت لأنات لا صوت لها.
* شاعت الأقوال والأمثال فهل الصديق عند الضيق حقاً؟
* أبسط قواعد الحب تقول.. كما تتلقى المحبة عليك أن تبذلها.
* اعجب طويلاً من الذي يغيب بسؤاله عن صديقه دهراً ثم يسأله ببساطة انت فين؟
* كثرة الجروح تميت المحبة.
* عندما يغادرنا حبيب أو يسافر يترك مكانه خالياً في القلب لا يملؤه غيره ولا يسكنه سواه مهما نأى أو غاب يا ليلى.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1419
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1218
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
972
| 16 مايو 2026