رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الوقت الذي حققت فيه قوات الحرس الوطني والأجهزة الأمنية التونسية نجاحاً ملموساً في محاربة الإرهاب في الفترة الأخيرة، حيث تمكنت قوات مكافحة الإرهاب، من القضاء على سبعة إرهابيين في منطقة رواد في ضاحية تونس، بينهم القيادي في تنظيم "أنصار الشريعة" المحظور كمال القضقاضي المتهم باغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد في 6 فبراير 2013، ومن اعتقال أربعة مسلحين من أعضاء "خلية إرهابية" بينهم أحمد المالكي الملقب بـ "الصومالي" وهو أحد أبرز المتهمين في قضية اغتيال البراهمي، إثر اشتباكات معهم في محافظة أريانة قرب العاصمة التونسية، وجرح خلال الاشتباكات اثنان من المسلحين، جاءت العملية الإرهابية الجديدة التي حصلت في محافظة جندوبة المحاذية للحدود الجزائرية، وتحديداً في منطقة أولاد مناع، والتي ذهب ضحيتها استشهاد عنصرين من الحرس الوطني (الدرك) التونسي ومدنيين، بينما لاذ الإرهابيون الخمسة بالفرار، لتؤكد من جديد أن الإرهاب أصبح مستوطناً في تونس.
ما يؤكد هذا الاستنتاج، هو إعلان وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو أن الأجهزة الأمنية التابعة لوزارته "أحبطت مشروعاً إرهابياً كبيراً ضد تونس يتمثل في إقامة ثلاث إمارات إسلامية فيها".
قال وزير الداخلية: "تمكنا من تفكيك الجناح العسكري لتنظيم أنصار الشريعة، إضافة إلى جناحها الدعوي والإعلامي"، مشيراً إلى أن كتيبة "عقبة بن نافع" المسلحة المتحصنة في جبل الشعانبي في محافظة القصرين (غربي البلاد على الحدود مع الجزائر) تضم أفراداً تنتمي إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قبل أن يلتحق بها أعضاء تنظيم "أنصار الشريعة" المحظور.
وأضاف أن هذه الكتيبة "تتمتع بدعم لوجستي من القاعدة التي تدرب العناصر الإرهابية التي تحمل الفكر التكفيري في الجبال".
وكشفت التحقيقات والأبحاث والتحريات مع المجموعات الإرهابية المقاتلة سواء التي تم القضاء عليها، أو الموقوفة على ذمة قضايا تحقيقية، أن تونس نجت من كارثة حقيقية أو حمام دم كان سيقلب المشهد السياسي في تونس، لاسيما أن بعض العناصر الإرهابية ترتبط بعلاقات وثيقة مع تنظيم "القاعدة" المركزي بأفغانستان، الذي كان يتجه إلى تغيير مقر قيادته إلى المغرب العربي، وربما قد تصل بالفعل في المدة القادمة عناصر قيادية خطيرة إلى تونس بهدف فك الحصار على الجماعات المقاتلة التي يعتقدون أنه أصابها بعض الوهن وذلك بعد نجاح القوات الأمنية والعسكرية التونسية في القضاء على بعضها وقد يكون من ضمن هذه العناصر الإرهابي الخطير المتورط في قضية أحداث الروحية المدعو نبيل السعداوي.
هناك شبه إجماع لدى الطبقة السياسية التونسية أن الإرهاب استوطن في البلاد، وهناك من يعزو ذلك إلى الميوعة التي تعاملت بها الترويكا الحاكمة سابقا بقيادة حركة النهضة الإسلامية مع الإرهاب، حيث تركته حتى يتمركز في تونس طوال سنتين، بينما عندما ندرس البيئة الحاضنة لهذا الإرهاب، نجد أن الإرهاب منغرس في التربة التونسية من قبل، أي منذ عهد النظام السابق.. فقد برز تيار السلفية الجهادية للوجود في تونس ، على مسرح "الحرب الدولية على الإرهاب" التي انطلقت مع تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر2001، فالتونسيون مشاركون في الصراعات الدائرة في كل من العراق وأفغانستان والبلقان على رغم أن بلدهم ظل بعيداً من مثل هذه الحروب.
ويمكن القول إن الجهاديين التونسيين لعبوا دوراً غير مباشر في اندلاع الحرب في أفغانستان في 7 أكتوبر 2001، إذ إن اغتيال القائد الأفغاني المعادي لحركة "طالبان" الجنرال أحمد شاه مسعود على أيدي انتحاريين تونسيين في 9 سبتمبر 2001، هو الذي شكل الشرارة التي فجرت الحرب الأمريكية على أفغانستان.
تعكس الأهمية التي اكتسبها التوجه الإرهابي لدى الجهاديين التونسيين وحضورهم الدموي في أفغانستان والعراق ولبنان وإيطاليا وإسبانيا وتونس، قطيعة بين هذا الجناح المتطرف من الإسلام السياسي الذي أصبح مرتبطاً بتنظيم "القاعدة"، والإسلام التقليدي الراسخ في تونس منذ ما يربو على 14 قرناً.
لقد لعب الفراغ الأمني عقب سقوط النظامين في كل من تونس وليبيا خلال عام 2011، إضافة إلى الفوضى التي أنتجتها الحرب في ليبيا في توسيع الفجوة بين تونس على الحدود ـ سهلة الاختراق، والتي تحتشد فيها الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم «أنصار الشريعة»، والتي باتت بؤرة للجهاد والتهريب ـ وتونس العاصمة والساحل التي تنتابها المخاوف من هشاشة المناطق الداخلية التي تخشاها أكثر مما تفهمها، وفي إعادة تنظيم كارتيلات التهريب (التجار على الحدود مع الجزائر، والقبائل على الحدود مع ليبيا)، مما أضعف سيطرة الدولة التونسية ومهد الطريق لأنماط أكثر خطورة بكثير من التهريب، الذي يغذي الجماعات الإرهابية. فارتفعت وتيرة التهريب إلى حد كبير ومثير للقلق عبر الحدود التونسية – الليبية.
رغم أن التهريب كان منذ وقت طويل المصدر الوحيد للدخل لأعداد كبيرة من سكان المناطق الحدودية، فإن الاتجار بسلع خطيرة ومربحة أصبح يشكّل مصدراً لمخاوف عميقة. باتت المخدرات الخطيرة إضافة إلى كميات صغيرة نسبياً (حتى الآن) من الأسلحة والمتفجرات تدخل البلاد وبشكل منتظم من ليبيا. على نحو مماثل، فإن النصف الشمالي من الحدود التونسية ـ الجزائرية بات منطقة تشهد عمليات تهريب متزايدة للحشيش والأسلحة الخفيفة. هذه الأنشطة تزيد من قدرة الجهاديين على التعطيل وإثارة القلاقل وترفع من حدة الفساد في أوساط السلطات الحدودية. والحقيقة التي باتت ماثلة للعيان في تونس هي اختلاط الأنشطة الإجرامية والتطرف الإسلامي في ضواحي المدن الكبرى وفي القرى النائية الفقيرة، بما أن التهريب والإرهاب يخدمان بعضهما البعض. وبمرور الوقت، أسهم تنظيم "أنصار الشريعة" في ظهور مجموعات تجمع بين الجهاد والجريمة المنظمة داخل شبكات التهريب العاملة على الحدود ـ أو الأسوأ من ذلك، إلى التعاون بين الكارتيلات والإرهابيين.
وبعد تسلم حكومة الترويكا مقاليد السلطة في شهر ديسمبر 2011، تزايدت موجات العنف السياسي من قبل بعض الجماعات السلفية المتحالفة مع الجناح المتشدد لحركة النهضة الإسلامية، وانتابت المخاوف مكونات المجتمع المدني وأحزاب المعارضة اليسارية والقومية والليبرالية من تنامي ظاهرة التشدد الديني، ومن التحالف بين الحزب الحاكم ذي المرجعية الإسلامية (النهضة) والتيارات السلفية التكفيرية، لاسيما في ظل رئاسة الحكومة التي آلت آنذاك للقيادي النهضوي المعروف حمادي الجبالي الذي لطالما اتُهِم سابقا (في عهدي بورقيبة وبن علي) بممارسة العنف شأنه شأن وزير داخليته علي العريض. وتدعمت هذه القناعات لدى أطراف المعارضة، عندما سمحت حكومة حمادي الجبالي لـ"أنصار الشريعة" مؤتمرهم الأول في مايو 2012 وبعد تكرر الأحداث ذات العلاقة بالعنف المحسوب على هذا التيار على غرار حادثة كلية منوبة (مطلع 2012) وحادثة قصر العبدلية (جوان 2012) وحادثة السفارة الأمريكية (14 سبتمبر 2012) وما تلاها من أحداث بجامع الفتح خاصة يوم قيل إن أبا عياض زعيم تنظيم "أنصار الشريعة" تمكن من الإفلات من قوات الأمن بعد أن غادر الجامع متنكرا.. ومنذ مطلع 2013 ازدادت الحوادث ذات العلاقة بالتشدد الديني حدة حتى أصبحت مصنفة من الخبراء ومن السلطة نفسها أحداثا إرهابية على علاقة بتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، أهمها حادثة اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وأيضا أحداث مقتل شهداء من قوات الأمن الحرس الوطني، والجيش بجبل الشعانبي وقبلاط وبن عون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5259
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2634
| 08 سبتمبر 2026