رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لاشك أن التدخل الروسي العسكري والسياسي في الأزمة السورية، أحدث خللاً كبيرا في موازين القوى بين النظام السوري والمعارضة المعتدلة خلال الأشهر الماضية، ومع أن روسيا أعلنت أن تدخلها العسكري كان يهدف لمحاربة داعش والجماعات المتطرفة، لكن ما ظهر لكل دول العالم والمراقبين والمهتمين بالشأن السوري، من الدول المؤثرة في النظام الدولي خصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا، أن الهدف الأساسي للتدخل الروسي، كان للدفاع عن النظام من السقوط، وليس محاربة داعش وأخواتها، ومواجهة تقدم المعارضة المعتدلة والتي تمثل غالبية المعارضة السياسية والعسكرية، والتي تحتل أجزاء كبيرة من المدن السورية، وقد انتقدت بعض الدول الغربية، قيام روسيا بقصف المعارضة المعتدلة بصورة دائمة مع تدمير وقتل العديد من الموطنين السوريين الآمنين في مدنهم وقراهم، وهي التي قبلت بالمفاوضات السلمية بعكس الجماعات المتطرفة، لكن روسيا ركزت قصفها على مواقعهم، وتركت مواقع الجماعات المتطرفة، لأنها ـ كما تقول المعارضة المعتدلة ـ كانت سبباً في خلط الأوراق في جهود وتحركات المعارضة، وأنها أسهمت في إعطاء سمعة سيئة للمعارضة السورية التي هدفها تحقيق الديمقراطية، والحرية، وإقامة نظام سياسي مدني لا يفرق بين كل المكونات السورية العرقية والمذهبية، بل إن المعارضة المعتدلة، أكدت في أكثر من مناسبة أن النظام السوري، وبعض أنصاره جماعات من العراق ومن لبنان، أفرجوا عن الكثير من المتطرفين في السجون السورية والعراقية، وأنهم أتاحوا الفرصة للتحرك لهم والنشاط، بهدف إبعاد الهدف الرئيسي للمعارضة، وربما شجعت هذه الجماعات المتطرفة على تأجيج الصراع المذهبي والخلافات الدينية في القضايا الفرعية، والقتل والتكفير دون مبررات تذكر سواء ذرائع للخلافات الفرعية، وهذا ما استفاد منه النظام،خاصة في الترويج الإعلامي أن هؤلاء الذين يقاتلون النظام السوري إرهابيون ومتطرفون وتكفيريون ..إلخ.
والحقيقة أن روسيا تحركت من هذا الباب الخفي للدخول في الصراع السوري، لإبقاء نظام بشار الأسد في الحكم، ولذلك بدعوى تقاتل الإرهابيين والمتطرفين في سوريا، وهذه الأقوال كما تقول المعارضة والدول المؤيدة لها ـ مجرد شماعة ـ لتحويل ما يجري في الساحة السورية، بأنه صراع بين نظام شرعي، ومعارضة متطرفة، وهذا ما سعت إليه القوى المؤيدة للنظام من إيران وحزب الله، وبعض المليشيات من العراق التي تقاتل ع النظام القائم، ولكن المعارضة السورية سعت حثيثاً لطرح ما يسعى إليه النظام، وهو تغيير المعادلة العسكرية الراهنة لصالح النظام في سوريا، وهذا ما وضح مؤخراً للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، خاصة بعد لقاء جنيف 3، أن النظام السوري، يماطل في هذه المفاوضات بتشجيع من روسيا، بهدف تمكين القوى المؤيدة لنظام الرئيس بشار الأسد منم السيطرة على المدن التي كانت تحت سيطرة المعارضة المعتدلة قبل اللقاء المرتقب من المفاوضات في 25 فبراير من هذا الشهر، ولذلك تحركت بقوة عسكرية كبيرة مع القصف الجوي الروسي في الأسبوعين الماضيين، بهدف تمكين قوات النظام والقوى المؤدية له، من احتلال المدن التي تسيطر عليه قوات المعارضة، ولذلك جرت لقاءات سرية وعلنية من الولايات المتحدة وتركيا والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، لوقف هذه المخططات الروسية مع النظام وحلفائه، لتغيير المعادلة العسكرية استعدادا للمفاوضات المقبلة، تكون المعارضة في الموقف الأضعف، والنظام في المكانة الأقوى، وهذا بلا شك يهدف إلى أن النظام يبقى والمعارضة تعطى لها بعض المناصب المدنية مثل بقية السوريين ـ إن أرادت ـ ولا شيء غير هذا لمن يعارض هذا النظام القائم!! لكن هذه اللعبة التي أرادها النظام ومؤيدوه ـ كما ترى بعض الدول المتعاطفة من المعارضة ـ أصبحت مكشوفة تماماً وهذا ما صرح به مندوب سوريا في الأمم المتحدة، من حيث الشعور بتفوق النظام وهو بمقاومة النظام لما يسميه دائما بالمتطرفين التكفيريين! فأعلنت المملكة العربية السعودية وتركيا ودولة الإمارات العربية المتحدة ودول أخرى، مع تأييد الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول لهذه الخطوة القبلة بضرورة التدخل البري في سوريا، وأنها سوف تعد العدة عملياً لهذا العمل، وهذا ما ظهر من خلال وصول طائرات عسكرية سعودية إلى قاعدة إنجرليك التركية منذ عدة أيام، لمحاربة تطرف داعش وأنصارها، وهذا مسعى كما تقول هذه الدول لا رجعة فيه، حتى تتحقق لسوريا الاستقرار المنشود من وجهة نظر مؤيدي المعارضة، لكن هذه الدول التي أبدت استعدادها للتدخل البري، لكنها تريد أيضاً ألا يكون للرئيس بشار أي دور في الترتيبات المقبلة في سوريا، وهذا محط اختلاف بين بعض الدول المؤيدة للنظام والمعارضة له، ولا شك أن التدخل البري وربما الغطاء الجوي، هدفه إيقاف التقدم العسكري الذي تقوم به روسيا مع بعض الدول والجماعات المؤيدة للنظام، وهذا ربما سيكون مدار أزمات سياسية بين روسيا وهذه الدول التي تؤيد التدخل في الأيام المقبلة، كما أن بعض الدول التي ستشارك في التحالف طلبت أن يكون هذا التدخل تحت قيادة أمريكية، والهدف أن تعرف روسيا والنظام، وبعض الدول والجماعات المؤيدة له، أن إعطاء قيادة التدخل البري للولايات المتحدة، رسالة لروسيا في عدم مهاجمة هذا التدخل البري، وتحسب حسابات أن ضربها لهذه القوات يعني استهداف الولايات المتحدة نفسها، والقضية أن ما فعلته روسيا أنها جاءت لمحاربة تنظيم الدولة، فغيّرت موقفها إلى قتال المعارضة السورية المعتدلة، فإن التدخل البري للتحالف ضد داعش، سيكون له أجندات أخرى، ولا شك أن هذا التدخل جاء باتفاق مع دول التحالف الدولي في دعم ومساندة القوات التي ستتدخل إلى سوريا لمقاتلة تنظيم الدولة، لكن يبدو من التصريحات أن هذا التدخل سيسعى إلى إنهاء الأزمة السورية، من خلال دعم المعارضة المعتدلة التي خسرت في الأشهر الماضية العديد من المدن السورية، وهذا ما أكد عليه وزير خارجية المملكة العربية السعودية، من أهداف هذا التدخل، هو هزيمة تنظيم الدولة وضرورة إزاحة عن الحكم، وهذا يعني أن هذا التدخل الذي ربط بين هزيمة داعش وهزيمة النظام، سيكون من ضمن استراتيجيه قادمة، إما بدعم المعارضة المعتدلة بقوات كبيرة وتقدمة، وإما بتدخل عسكري مشارك مع هذه المعارضة، مثلما فعلت إيران وحزب الله، والمشاركة الجوية الروسية.
فلا أحد يعرف هذه الإستراتيجية المقبلة لإزاحة الرئيس بشار من الحكم قبل الترتيبات القادمة، لكن من خلال استقراء اللقاءات والمشاورات بين روسيا وبين بعض الدول التي أعلنت عزما على التدخل، أن هناك شيئا ما يدور في الكواليس من الصعب المعرفة الواضحة لهذه المشاورات، لكن التدخل أصبح أمراً ثابتاً من خلال وصول الطائرات الحربية إلى القوات العسكرية التركية.. والأيام القادمة ربما تكون حبلى بالمفاجآت.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4362
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3189
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1230
| 28 سبتمبر 2026