رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لعل الوضع الخطير في المشهد الليبي بشدة حساسيته وتعقيد أزمته يلجئنا إذا كنا منصفين في التحليل من جهة والعمل على حله أو التخفيف من آثار مشكلاته على الشعب الليبي عامة والثوار والنازحين من البلاد نتيجة هذه الكارثة، خاصة من جهة أخرى، أن نضع الأمور في نصابها قدر الإمكان وأن ننطلق من وعي شرعي ووطني وإنساني للعمل على حلحلة هذه العقد بألغازها الظاهرة والخفية سيما أن التدخل العسكري الأجنبي تحالف بعد قراري مجلس الأمن 1970-1973 للسير سريعا على وقف شلالات الدم التي تسيل في هذه البلاد وحماية المدنيين على حد تعبير دول التحالف تلك وعلى رأسها فرنسا التي تزعم رئيسها ساركوزي هذه الحملة معلنا أنها من واجبات التاريخ المعاصر لإنقاذ الشعب من فظائع القذافي المستبد العنيد. وأيا كانت الرؤى والسيناريوهات المتوقعة للمشهد الليبي حاليا فإننا نرى ضرورة التذكير بالمعالم والمنائر التي قد تفيدنا الآن وفي المستقبل حياك ذلك وصولاً إلى التوازن في المواقف.
أولاً: إن الثوار الليبيين المباركين قد بدأوا تحركاتهم لعملية التغيير سلميا، ثم جرت الاعتداءات الفعلية عليهم بل وعلى المدنيين فاضطروا أن يمتشقوا السلاح الذي استطاعوا أن يغنموا كثيرا منه عن كتائب القذافي أو الذي أحرزوه بعد أن حرروا بعض المدن والقرى وعلى رأسها بنغازي لاشك أن هؤلاء الثوار محقون في مطالبهم التي احتجوا من أجلها ليزول فساد نظام القذافي الذي أذاقهم الويلات على مدى أربعة عقود ولذلك لم يكن غريبا أن يضحوا بآلاف القتلى والجرحى والمشردين من أجل الحرية والكرامة فالمجد لا يقوم إلا على رؤوس الضحايا فطوبى لهم وألف طوبى ونرجو منهم من باب الأخوة ألا ينسوا الإفادة من الخطاب الإسلامي السياسي الرشيد والمرن والقوي بآن واحد، خاصة ما يستلهم من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيها المعين الكافي، وكم أعجبني موقف لأحد أمراء الجهاد الأفغاني المشهورين وهو المرحوم أحمد شاه مسعود عندما سأله أحد الصحافيين أنه سمع وقرأ أن أحمد شاه يعتمد في شن عملياته القتالية خاصة في وادي بنجشير في الشمال على ما يطلع عليه من كتب فرنسية متخصصة في مجال حرب العصابات ضد الجيش وهنا ضد السوفييت بعتادهم المتطور المعروف آنذاك، فأجاب: لا أبداً أنا لم أعتمد في كل معاركي إلا على ما فهمته وتعلمته من السيرة النبوية في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة والتابعين في الفتوحات بعده، وأقول: إن على الثوار ومسؤوليهم خاصة المجلس الانتقالي الجديد بزعامة الوزير مصطفى عبدالجليل أن يتريثوا في تصريحاتهم وأن يدرسوها بعمق أكثر وينظروا إلى مآلاتها ومقاصدها بعناية ويفيدوا من الحركات التي سبقتهم في الصراع الفعلي وهي معروفة فعلى حين سمعنا بيانات وإجابات وتعليقات ومداخلات مقدرة جدا عبر العديد من الفضائيات رأينا بعض الخطابات الأخرى أقرب إلى العاطفة ومجرد التهديد والوعيد ضد القذافي وكذلك بعض المداخلات التي كانت على مستوى الوعظ فقط وإن كنا لا نقلل من قيمة ذلك ولكن لكل مقام مقال، وإذا كان صحيحا كمثال أن ما وعد وتوعد به البعض نفذ على الأرض ضد القذافي وكتائبه وتم إسقاط طائرات وتدمير دبابات وعربات و... فإن الاستهانة بما عنده وكونه أصبح منتهيا ولم يعد إلا بمثابة الفأر الذي سيخرجه الثوار من جحره و.... لم يكن دقيقا، فالطاغية أبرز ويبرز تحديا فعليا قويا واستطاعت كتائبه ومرتزقته أن تتقدم وتسترجع عددا من المدن والمواقع وإن انهزمت في أخرى بسبب صدق المجاهدين وصلابتهم وإرادتهم وتفضيلهم الموت على حياة الذل والعمل بشعار القائد الفذ عمر المختار رحمه الله نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت ومن كافأنا بالمكر كافأناه بالغدر به وهو ما فعلوه حماهم الله وإن كانت الحرب سجالا فرا وكرا ولكن التصريح الذي يجب أن ينضج يكون أكثر تقديرا وتأثيرا، ومن جهة أخرى فقد صرح الثوار ومعهم جميع أحرار ليبيا أنهم لن يقبلوا بحال من الأحوال التدخل الأجنبي والاستقواء به قبل ومنذ أن تحركت بعض البوارج الأمريكية في ساحل البحر المتوسط تجاه السواحل الليبية وتكرر هذا التصريح، ولكن الذي حدث وأنا أعتقد أنه منذ تم هذا الأمر كان معظم الغرب قد بيت النية للتدخل بأطماعه الدنيوية وأهمها النفط والغاز، إذ أخذ رئيس المجلس السيد مصطفى عبدالجليل يطلبون التدخل عندما اشتدت عليهم الخطوب وحتى لما بدأ التدخل وضربت فرنسا قبل غيرها أهدافا للدفاعات الجوية الليبية وكانت الكتائب على إشراف بني غازي صرح الأخ عبدالجليل أن التدخل جاء متأخرا! ومع أني في هذا الموقف الحرج للثوار أميل إلى أن الضرورات تبيح المحظورات كما قال الفقهاء وأكد الإمام الشافعي أنه إن رأى الإمام أن الكافر حسن الرأي والأمانة في المسلمين وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز وإلا فلا، كما جاء في مغني المحتاج "4/221" وعلق الدكتور البوطي في فقه السيرة "ص 178" على ذلك بقوله: إن المسألة داخلة في السياسة الشرعية إذ إنه إن لم تكن حاجة فلا يجوز طلب المعونة منهم كما ذهب إليه جمهور كبير من أهل العلم، وهنا أقول: إن القرائن المتكررة عن أفعال هذه الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا وطبائع أشخاص قادتهم مثل ساركوزي لا تدل على أنهم أصفياء وذوي نيات طيبة في الغالب والأمثلة أكثر من أن تحصر ولعل حروب الخليج واحتلال العراق الذي سبقت له تصريحات أنه لن يحتل ثم احتل أكبر شاهد معاصر أمامنا فهؤلاء لا تهمهم في النهاية إلا مصالحهم ولو كانت ليبيا من البلاد الزراعية مثلا التي تخلو من النفط والغاز.. لما تقدم مثل هؤلاء فيما أظن بحجة حماية المدنيين فقط والشاهد ماثل أمامنا فقد سئل وزير الخارجية الأمريكي اليهودي الأسبق هنري كيسنجر لما حررت الكويت من احتلال صدام هل لو كانت تزرع البطاطا والطماطم تحررونها فقال: وي كيم فور أويل أتينا للبترول! وهكذا فلعلي أذكر نفسي والإخوة في ليبيا أن الضرورة تقدر بقدرها كما قال الفقهاء فكونوا على حذر كيلا تختطف ثورتكم مستقبلا لا سمح الله والله يقول (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم...)، "النساء: 71".
وكما يقول المتنبي:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة
فلا تظنن أن الليث يبتسم
وكما قال أبو الشرايا: كن بحيلتك أوثق منك بشدتك وبحذرك أوثق منك بشجاعتك وإني لأكبر فيكم إباءكم وعزتكم في وجه الريح المتغطرسة من العقيد فشعاركم المنية ولا الدنية النار ولا العار، لنا الصور دون العالمين أو القبر ولكن احذروا أن تشوه صورتكم بعد التدخل الأجنبي.
ثانياً: إن القذافي بتعنته القميء وحماقته التي تستعصي على أي دواء هو السبب المباشر للتدخل الأجنبي العسكري ولو كان وطنيا وإنسانيا حقا لتنازل لصالح الشعب وحقن الدماء، كما فعل الحسن بن علي مع معاوية رضي الله عنهما وكما فعل رئيس سوريا الأسبق أديب الشيشكلي ورئيس السودان الأسبق المشير عبدالرحمن سوار الذهب مثلا ولكن القذافي كأنه مختل في تفكيره ومضطرب لا يملك أي توازن في شخصيته وإن من شروط الحاكم في الإسلام كونه رشيدا عاقلا لا انفصام عنده.
ثالثاً: إن التدخل المباشر والقصف السريع الذي قامت به فرنسا وبريطانيا وأمريكا بالصواريخ وعطلت معظم الدفاعات الجوية الليبية غير مقبول بهذا الشكل إذ اتفق أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، ومن معه مع أولئك على حظر جوي وقائي يختلف عن هذا التعاطي العسكري المباشر منهم ومع ذلك عارضته دول أخرى وإن الخطأ بل الخطر منا نحن العرب فلو ملكنا القدرة باسم الجامعة على الاشتراك الفعال لن يكون لهؤلاء مجال كما أكد رئيس الوزراء القطري معالي الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني في باريس ولكن كما قلت هؤلاء لهم مصالحهم فالإنجليز يريدون الـ"9.5" مليون طن من غاز الخردل، كما صرحوا وفرنسا وغيرها عيونها على البترول.
رابعاً: علينا أن نعتمد على الذات مهما طال الأمر وزادت التضحيات وألا ننزلق إلى حرب شاملة وأن نحذر من تقسيم ليبيا والوقوع في كمائن القذافي أو الأجانب فالليالي حبالى يلدن كل عجيبة.
الصمت سكينة القلوب
أيها القارئ الكريم.. كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أوقرَ الناس صمتًا، وأبلغَهم بيانًا، وقد جعل الله... اقرأ المزيد
126
| 14 يونيو 2026
العقار يمرض ولا يموت.. ولكن هل ما زال يحقق الثروة؟
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في... اقرأ المزيد
6384
| 14 يونيو 2026
الجغرافيا تستعيد أهميتها في الشرق الأوسط
كان يُعتقد لفترة طويلة أن انتشار الإنترنت وتوسع النقل الجوي والتجارة العالمية قد قلّل من أهمية الجغرافيا وحدود... اقرأ المزيد
123
| 14 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
6372
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
3627
| 15 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
3249
| 10 يونيو 2026