رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد أن كُنّا نحمل همّ "تحرير فلسطين" من رجس اليهود الغاصبين ودنس الصليبيين الحاقدين أصبحنا الآن نحمل همّ "تحرير سوريا" أيضاً من رجس البعثيين العبثيين المفسدين الحاقدين المجرمين الذين عاثوا فساداً ودماراً وتخريباً في أرض سوريا الحبيبة وقتلوا شعبها بوحشية تترية بربرية مغولية .. لم يرحموا شيخاً كبيراً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأةً ضعيفةً .. يُعذّبون الأسرى ويقتلون الأطفال ويغتصبون النساء ويُنكّلون بالجثث ويُدنّسون المساجد ويستهزئون بالمؤمنين الموحّدين من أهل سوريا الأطهار الأبرار هناك.
ولطالما عشنا - ولا نزال بإذن الله تعالى - مع قضية فلسطين "المغتصبة" في الكتب والأخبار والخطب والأشعار لأنها قضية المسلمين الأولى التي اغتصبها اليهود وشرّدوا أهلها وشتّتوا شعبها، فها نحن الآن نضيف إليها قضية جديدة هي قضية سوريا "المغتصبة" من قبل شرذمة حقراء.. وحثالة مجرمين من أمثال بشار الأسد وأعوانه وأذياله في إيران والعراق ولبنان من أتباع حزب الله "تعالى الله عما يصفون". إنهم "المحتلّون الجدد" من أتباع النظام السوري الذين اغتصبوا أرض سوريا المسلمة وشرّدوا أهلها وشتّتوا شعبها بالتعاون والتواطؤ مع تلك الجحافل من قطّاع الطرق والمرتزقة من حزب "الشيطان" اللبناني والحرس الجمهوري الإيراني وجيش المهدي العراقي الذين أرادوها تصفية وإبادة جماعية لهذا الشعب المسلم الأصيل.
فبعد أن كنّا نحمل همّ تطهير المسجد الأقصى من رجس اليهود الغاصبين أصبحنا الآن نحمل همّ تطهير المسجد الأموي من رجس هؤلاء الذين لا يرقبون في مؤمن إلّا ولا ذمّة ولا يحملون في قلوبهم شفقة ولا رحمة وإنما يُضمرون حقداً دفيناً وكرهاً بغيضاً على الإسلام وأهله، أظهروه بكل وضوح في هذه الثورة السورية المباركة التي كشفت لنا كلّ ما كتموه وما أخفوه عنا طوال تلك السنين من مخططات ومؤامرات تستهدف الأمة العربية والإسلامية بالتعاون مع أصدقائهم في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وروسيا والصين ممن اشتركوا في الهدف ذاته.
وبعد أن كنّا نخشى المنتجات المسرطنة والمسببة للعقم والتي كانت تصدرها إسرائيل إلى العالم العربي والإسلامي وإلى مصر تحديداً كما هو الحال عندما صدّرت إليها كميات من القمح والخضروات والفواكة المسرطنة أو المسببة للتسمم الغذائي أو التخلف العقلي .. أصبحنا نسمع مؤخراً عن منتجات إيرانية تصل إلى عالمنا العربي والإسلامي وإلى دول الخليج العربي تحديداً وتسبب السرطان كما في قضية الفستق الإيراني أو الكحل الإيراني الذي يحوي كميات من الرصاص تؤدي إلى السرطان أو العمى وغيرها من المنتجات التي لم نكتشف مدى توافق خططها الاستراتيجية مع خطط الكيان الصهيوني في إلحاق الأذى والضرر بالعدو "أي العالم العربي والإسلامي"، وهكذا الحال عندما اكتشفت مصر والعالم العربي والإسلامي مخطط تخريب وإفساد بل قتل وتدمير الشباب العربي المسلم من خلال إرسال العاهرات المصابات بالإيدز أو إغراق بلاد المسلمين بالمخدرات وحبوب الهلوسة من أجل تدمير شباب الأمة وضياعهم .. وإلهائهم أو إبعادهم عن دينهم الذي إن التزموا به فإنهم زاحفون باتجاه الأقصى لا محالة، ولا أدري إن كانت هناك ثمة "مصادفةً أم تشابهاً" آخر في المخططات والمؤامرات مع الكيان الصهيوني عندما اكتشفت السعودية مؤخراً وأحبطت كمية هائلة من المخدرات قادمة من الساحل الشرقي للخليج وتحديداً من إيران التي دائماً ما تُظهر حسن جوارها وأجمل وجوهها في حين أن الهدف من تلك الكمية الهائلة من المخدرات معروف سلفاً ألا وهو تدمير الشباب العربي المسلم في هذه الدول وبالتالي تدمير المجتمعات فيها وجعلها ذليلة أسيرة لأعدائها ومنشغلة بمشكلاتها ومصائبها عن سائر هموم الأمة وقضاياها، ولعل تلك الأمثلة غيض من فيض لتوضيح حقيقة أظهرتها لنا الثورة السورية المباركة بأن أعداءنا الحقيقيين هم أعداء الشعب السوري الآن الذين اجتمعوا على القضاء عليه وعلى إبادته دون أدنى شفقة أو أقل رحمة، ولذا فإن مصيرنا سيكون مشابهاً لمصير إخواننا السوريين إن لم نقف معهم ونقاتل من أجلهم فإن مصيرنا قريب على يد أعداء الأمة هؤلاء الذين اتحدوا على قتل أهل السنة في سوريا، وليس أدلّ على هذا التوافق والتآلف الإيراني الصهيوني في هذه القضية تلك الرسالة والاعترافات التي كتبها يهودي زار إيران مؤخراً وانتشرت اعترافاته عبر الفيسبوك ومواقع الإنترنت حيث ذكر بأنه قد زارها ضمن وفد دولي لمراقبة برنامج إيران النووي وكان "خائفاً" من تلك الزيارة حيث كان "يشعر" بأنه متجه إلى حتفه برجله ولكنه قام بتزوير جواز سفره وتخفّى بجنسية كندية واستطاع دخول إيران واستقبله وفد من الجالية اليهودية هناك حيث فوجئ معهم بمدى الأمن والأمان والحرية في العبادة الذي يعيشه اليهود هناك بينما فوجئ من جهة أخرى بأن هناك مساجد أخرى يلهو بها الأطفال ويلعبون بكرة القدم نظراً لهجرة المصلين لها حيث أصبحت ملجأ ومأوىً للكلاب الضالة والشاردة فسأل عن سبب إهمال تلك المساجد وهجرانها فعلم بأنها مساجد لأهل السنة في إيران التي منعتهم من عبادة الله تعالى بينما سمحت لليهود بإقامة المعابد بحرية وشجعتهم على ممارسة طقوسهم الاعتقادية، فخَلُصَ هذا اليهودي إلى نتيجة ورسالة بشرى لكل يهود العالم بأن "حال اليهود في إيران أفضل بكثير من حال أهل السنة هناك ..فاطمئنوا".
إن على دول الخليج العربي تحديداً والعالم العربي والإسلامي عموماً أن تتيقن بأن هذه المؤامرة الكبرى التي يقوم بها أعداؤها على أرض سوريا تستهدف وقوع العالم العربي والإسلامي بأسره رهيناً في يد الصهاينة أو المشروع الإيراني المدعوم أمريكياً والذي مهّد له الطريق لتصفية أهل السنة وعلمائهم في العراق ولبنان حيث ذلك "الحزب المشؤوم" وهو في الطريق إلى تحقيق تلك القوّة العظمى إذا ما سقطت سوريا في براثن هذا "الاحتلال الغاشم"، فهل سيستوعب الدرس حكّام وشعوب العالم العربي والإسلامي ويحرّكون الجيوش لتحرير "سوريا وفلسطين".. قبل أن تُحتل بلادهم أيضاً .. وقبل فوات الأوان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3915
| 22 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1743
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1689
| 24 مارس 2026