رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مبارك الخيارين

* باحث في الشؤون الاقتصادية

مساحة إعلانية

مقالات

588

مبارك الخيارين

القيادة والـ «U-TURN»

21 أبريل 2025 , 03:41ص

تعني كلمة «U-TURN» الرجوع من حيث أتيت، أي إلغاء كل مجهود سابق أو تجميده أو توقيفه أو تأجيله أو تأخيره، أي التراجع بتكتيكاته المختلفة، حيث تواجه القيادة تحديات كبيرة قد تجعلها تعمل «U-TURN»، وتتراجع عن إكمال الطريق الخطأ لتصحيحه، أو مواجهة التحدي لتجاوزه. أياً كان نوع التكتيك فسوف يكون نواة لمرحلة أخرى من مسيرة المؤسسة أو الفرد، فالصحابة رضوان الله عليهم عملوا «U-TURN» عن أهلهم ولم يكملوا معهم مسيرة الضلال بالرغم من مكانتهم الاجتماعية وقدراتهم المادية وموقعهم القيادي بالنسبة للعرب، الأمر الذي تطلب منهم مواجهة العالم فراراً بدين ليس له أتباع أو دولة، ومستقبل مجهول العواقب إلا بالإيمان الذي كان السبب الرئيسي في اعتقادهم أنهم سوف ينتصرون فخلّدهم التاريخ. التراجع قد يعني «تصحيح» المسار من القرارات الارتجالية أو المستعجلة، فهذا سيدنا يونس عليه السلام عندما كان في بطن الحوت استدرك خطأه واسترجع جسامة الفعل الذي وقع فيه، فعمل «U-TURN»، واستغفر مما بدر منه من استعجال وعدم إكمال الطريق مع قومه حتى النهاية، فكان التنبيه شديد الوطأة على نبينا يونس وأرهقه من الناحية النفسية، في سجن غير اعتيادي، قرر بعده الرجوع للحق وإتمام المهمة المطلوبة. والتراجع قد يعني «الاقتناع» بالحق، ونذكر هنا سيدنا سراقة بن مالك عندما كان يطارد النبي صلوات الله عليه، وكان بين خيارين إما كسب الجائزة فوراً وهي 100 ناقة لتنقله من الفقر إلى الغنى، أو الانتظار لسنوات لكسب شيء أكبر قيمة منها وذلك بضمانة وعد شفهي من النبي صلوات ربي عليه، وكان في ذلك الوقت لا يعتبر نبياً بالنسبة لسراقة، ولكن سراقة قرر تصديقه، فعمل «U-TURN» ولم يخبر قريشاً بالاتجاه الذي كان يسلكه النبي سلام الله عليه، وكانت نتيجة ذلك أن تسلم أساور كسرى عظيم فارس. وعدم التراجع قد يعني «الهلاك»، كما فعل هتلر عندما غزا السوفييت، أو كما فعلت «ياهو» عندما رفضت عرض «جوجل» الخيالي، أو «نوكيا» عندما استهانت بما تقوم به «أبل». نستنتج مما سبق أن الـ «U TURN» استراحة محارب لمواصلة المعركة بنفس القوة التي بدأ بها، وهي التي تميز القيادات المتهورة عن القيادات المتأنية في ميزان الدول والأفراد، فاليوم أصبح مفهوم U-TURN أكثر أهمية في عالم الأعمال والقيادة الاستراتيجية، ففي عصر التغيرات السريعة، قد تضطر الشركات الناشئة إلى تعديل نماذجها التشغيلية بالكامل بعد اكتشاف أن السوق لا يستجيب كما هو متوقع. فعلى سبيل المثال نجد أن شركة pay pal التي بدأت كشركة لتحويل الأموال عبر الأجهزة المحمولة، ثم غيرت مسارها لتصبح منصة دفع إلكتروني عالمية بعد فشل الفكرة الأولى، بينما في القطاع الحكومي، نرى دولاً تعيد تقييم سياساتها عندما تثبت عدم جدواها، فسنغافورة، على سبيل المثال، عدلت عن سياسة ( السيارات للجميع) في الثمانينيات بعد اكتشاف آثارها السلبية على الازدحام والبيئة، واتجهت بدلاً من ذلك إلى تطوير أفضل أنظمة النقل العام في العالم، وكذلك على المستوى الفردي يُعد التراجع الاستراتيجي مهارة قيادية لا تقل أهمية عن المثابرة. فالقادة الأذكياء هم من يدركون أن التخلي عن فشل محتم أفضل من التمسك بخطأ واضح، كما قال مؤسس أمازون، فالمثابرة على الرؤية مهمة، لكن العناد على التكتيكات قد يكون كارثيا، لذلك الشاهد ان الـ U-TURN ليس انهزاماً، بل هو ذكاء يتطلب شجاعة الاعتراف بالخطأ ومرونة التكيف مع المتغيرات.

مساحة إعلانية