رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إلهام الكواري

مساحة إعلانية

مقالات

219

إلهام الكواري

حين يتحول التوثيق إلى موقف

21 أبريل 2026 , 02:26ص

لأن ذاكرة البشر قصيرة، ولأن الأحداث تتسارع وتتداخل فيها الروايات، تتأكد الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التوثيق بوصفه ضرورة لا ترفاً، وركيزة أساسية لحماية الحقائق من التلاشي أو التشويه. فالقضايا التي تمس الوعي العام والهوية الوطنية لا تحتمل فراغاً في الرواية، لأن هذا الفراغ لا يبقى طويلاً، بل يُملأ غالباً بروايات بديلة قد لا تعكس الحقيقة بقدر ما تعكس مصالح أو تصورات مجتزأة.

لم يعد التوثيق مجرد عملية أرشفة للأحداث، بل تحول إلى موقف واعٍ ومسؤولية معرفية وأخلاقية في آنٍ واحد. فالتوثيق اليوم لا يقتصر على تسجيل ما حدث، بل يمتد إلى كيفية تقديمه، وسياقه، ودلالاته، بما يحفظ المعنى من التآكل عبر الزمن. إنه ممارسة تتجاوز النقل إلى الفهم، وتتجاوز الحفظ إلى بناء وعي قادر على التمييز بين الحقيقة والانطباع.

وقد شهد التوثيق عبر التاريخ الإنساني تطوراً لافتاً، منذ الروايات الشفهية الأولى، وصولاً إلى كونه علماً قائماً بذاته يتقاطع مع مجالات متعددة كالقانون، والدراسات التاريخية، والعلوم الاجتماعية، والإعلام، وعلم النفس، والاتصال. وجميعها تلتقي عند هدف جوهري واحد: حماية المعرفة من الضياع، وضبطها من الانحراف، وتقديمها بصورة دقيقة يمكن الرجوع إليها بثقة.

وفي السياق التاريخي، تقدم التجربة الإسلامية المبكرة نموذجاً متقدماً لهذا الوعي، حيث لم يكن التعامل مع المعرفة قائماً على الحفظ المجرد، بل على إدراك عميق لقيمة التوثيق وأثره الممتد. ويكفي أن نستحضر ما تحقق في زمن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث لم تكن الإدارة مجرد تنظيم للحاضر، بل تأسيساً لذاكرة عادلة تحفظ الحقوق وتضبط الروايات وتمنع التداخل أو التلاعب بها. ذلك النموذج لم يكن إدارياً فقط، بل كان وعياً استراتيجياً بقيمة التوثيق كضامن للعدالة والاستقرار.

واليوم، نحن أمام اختبار مشابه، وإن اختلفت أدواته وتسارعت وسائطه. فإما أن نحسن اختيار ما نوثقه، ونقدمه في سياقه الصحيح الذي يحميه من الاجتزاء والتأويل الخاطئ، أو نتركه عرضة لإعادة إنتاج غير منضبطة، تعود إلينا بصورة مشوهة لا تعكس جوهر الحقيقة ولا سياقها.

إن التوثيق لم يعد خياراً مكملاً، بل أصبح جزءاً من صناعة الوعي، وأداة من أدوات السيادة المعرفية. فالأمم التي توثق بوعي، لا تحفظ ماضيها فقط، بل تؤسس لقدرتها على فهم حاضرها، وصياغة مستقبلها بثقة وثبات.

مساحة إعلانية