رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كامل زينته خرج الرئيس الأمريكي جو بايدن، من اجتماع ضم رئيسة وزراء السويد والرئيس الفنلندي، وقد برقت عيناه بنصر معلناً أن السويد وفنلندا تستوفيان "كل المعايير" للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مؤكداً دعم بلاده تحقيق ذلك في أسرع وقت ممكن.
هذا النصر الجزئي قابله العالم بقلق عميق بعد أن تخلت السويد وفلندا عن حيادهما طويل الأمد، وعوضاً عن تخفيف التوتر بين أفيال العالم، فقد أسهمت هذه الخطوة الانفعالية في تكريس حالة حافة الهاوية بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا التي اقتربت من يومها المائة، هذه الحالة الخطيرة التي تعتري العالم تهدد الحشائش الوادعة قبل أن تقضي على الأفيال نفسها في نهاية المطاف، اليوم العالم على قطبي رحى، سياسة حافة الهاوية التي تلعب أدوارها الرئيسية الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، كلاهما يهدفان إلى تحقيق مكاسب عن طريق تصعيد الأزمة الأوكرانية، وهو تصعيد يلامس كابوس الحرب النووية، ويعمد كلاهما إلى إيهام الآخر باستحالة التنازل أو الرضوخ ولو أدّى ذلك إلى اجتياز هذه الحافة الخطرة.
ظل التوسيع المستمر لحلف الناتو لا سيما بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق، ومن ثمّ تداعي حلف وارسو الخصم اللدود لحلف الناتو يشكل قلقاً وهاجساً لموسكو، والحقيقة أن حلف الناتو الذي ستصل عضويته إلى نحو 30 دولة بعد إكمال إجراءات انضمام السويد وفنلندا، بدأ بعدد 12 عضوا في عام 1949، بعد انتهاء الحرب الباردة، اعتمد الحلف سياسية التوسع باتجاه الشرق نحو روسيا، التي ظلت تكظم شعورها بالاستفزاز والتهديد المباشر، وعلى وجه الخصوص تسبّب ضم الدول التي كانت في السابق جزءًا من الكتلة الشرقية والاتحاد السوفييتي في تصعيد التوتر بين دول الناتو وروسيا، فمنذ عام 1999، انضمّت بولندا والمجر والتشيك إلى المنظمة، ثم جاء توسعٌ آخر بضم سبعة دول من أوروبا الوسطى والشرقية هي: بلغاريا، وإستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، ورومانيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا.
وليس كما يزعم المحللون العسكريون الأوروبيون بأن الحرب الروسية على أوكرانيا قد غيرت المشهد الأمني في أوروبا بأكمله، وأنها شكلت بشكل كبير نمط التفكير في حلف الناتو، إذ إن التوسع أمر ظل مستمرا سواء نحو روسيا شرقاً أو على حساب حلفاء تقليديين لموروثها الاتحاد السوفييتي السابق.
ورغم أن توالي انضمام مزيد من دول الجوار الجغرافي لروسيا، إلى الناتو بتحريض أمريكي غير أن محاولة ضم أوكرانيا كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ تعتبر موسكو أو ذلك خطاً أحمر وتهديدا جديا لها، وما قبل محاولة ضم أوكرانيا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مشحوناً باعتقاد أن الولايات المتحدة نقضت وعداً قطعته عبر وزير خارجيتها آنذاك، جيمس بيكر، لميخائيل غورباتشوف (آخر رئيس للاتحاد السوفييتي)، في عام 1990، إذ قيل إن بيكر تعهد لغورباتشوف، بأنه "لن يكون هناك تمدد لقوات الناتو بوصة واحدة إلى الشرق". وفي إطار التصعيد والتصعيد المقابل لا سيما بعد ترشيح السويد وفلندا لعضوية الناتو؛ هدد بوتين بإحياء حلف وارسو، وعقدت الاثنين الماضي في موسكو، قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تضم مجموعة من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، حيث برزت دعوات خلال القمة لتشكيل تحالف يواجه حلف الناتو فيما يمكن أن يشكل نسخة محدّثة لـحلف وارسو الذي حُلّ قبل انهيار الاتحاد السوفييتي.
ويبدو أن تعامل بوتين مع خصومه في الغرب اختلف عن تعامل سلفه بوريس يلتسن باختلاف موازين القوى، ففي في سبتمبر 1993، كتب يلتسن رسالة خجولة إلى نظيره الأمريكي بل كلينتون، معربا عن مخاوفه من عملية توسع الناتو قائلا فيها: "نحن نفهم، بالطبع، أن أي انضمام محتمل لدول أوروبا الشرقية إلى الناتو لن يؤدي تلقائياً إلى تحول التحالف بطريقة ما ضد روسيا، ولكن من المهم مراعاة الكيفية التي قد يتفاعل بها الرأي العام لدينا مع هذه الخطوة، فكان همه الكسب السياسي الداخلي أكثر من أمن بلاده القومي، ولعل بوتين بدا عازماً منذ انتخابه لأول مرة على تحويل روسيا من دولة مهدَّدة إلى قوة عظمى، عبّر رسالته التي حملت توجهه الجديد في أواخر عام 1999، وحملت عنوان "روسيا على العتبة الألفية الجديدة".
إن الأفيال اليوم مشغولة بإظهار عضلاتها والإمعان في تحدي بعضها البعض، غير عابئة بأنين الحشائش من تحت أقدامها؛ فحتى قبل اندلاع المواجهة المباشرة فقد وصل عدد الأشخاص الذين يعيشون في حالة نزوح داخلي حول العالم إلى أعلى مستوى على الإطلاق، حيث بلغ نحو 60 مليونا في نهاية العام الماضي. ووفقا لتقرير للمجلس النرويجي للاجئين، فإن الوضع اليوم أسوأ بشكل هائل أكثر مما يوحي به هذا الرقم القياسي، لأنه لا يشمل ما يقرب من ثمانية ملايين شخص هربوا من الحرب في أوكرانيا، وذكر الأمين العام للمجلس، يان إيغلاند، "نحن بحاجة إلى تحول هائل في التفكير من قادة العالم حول كيفية منع النزاعات وحلها لإنهاء هذه المعاناة الإنسانية المتصاعدة.
اليوم طوفان موجات اللجوء نحو أوروبا يؤرق حكوماتها ويؤزها أزا، وبلغ مستوى لم يبلغه منذ الحرب العالمية الثانية، وبدلا من تقديم المساعدة والعون للاجئين الفارين إلى أوروبا من جحيم الحروب، اتخذت أوروبا سياسات طرد وردع قاسية. من جانب آخر شكلت الأخطار المرتبطة بالطقس 94 % من إجمالي كوارث العالم، وكان العالم لا سيما غالبه الفقير والمستضعف، يطمح إلى صحوة ضمير تنتاب أكبر الملوثين في العالم وهم ذات القوة المتصارعة والتفاهم حول الاتفاقية الإطارية بشأن التغير المناخي، والذي من أهم أجنداته تقليل الانبعاثات السامة بحلول عام 2030، بالطبع لا يجوز أن يحلُم الناس يوما بجمهورية أفلاطون الفاضلة؛ فالصراع المادة هو القانون الطبيعي الذي يحكم الحياة، لكن أن تغدو الصراعات العسكرية والاقتصادية مشروع انتحار كوني فتلك هي الطامة الكبرى، وهو انتحار بأفعال الكبار لكنه لا يبقي ولا يذر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
9336
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3843
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3153
| 30 أكتوبر 2026