رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت في بلد عربي لحضور أحد المؤتمرات الفكرية في شهر يونيو الماضي، عندما بدأت قوات تنظيم الدولة الإسلامية، بالسيطرة على مدن عديدة في العراق بطريقة تبعث على الاستغراب والتوجس، مع هروب وحدات عسكرية عراقية من تلك المناطق، وترك أسلحتهم وعتادهم لتستولي عليها تلك الجماعة التكفيرية، وتستمر في امتداداتها في المدن الأخرى، خاصة الشمال العراقي، إلى جانب تفوقها العسكري في محاور عديدة في سوريا مع النظام ومع المعارضة أيضا، والأغرب أن أنصار تلك الجماعة التكفيرية المتطرفة، كانوا يتظاهرون في تلك الدولة عندما كنت متواجدا بها في تلك الفترة، وفي بعض مدنها الكبيرة، وكانوا يرفعون الأعلام والشعارات، تأييدا لنجاحاتهم المتواصلة في العراق، دون أن تتحرك قوات الأمن في تلك الدولة لوقف تحركاتهم ونشاطهم السياسي بين سكان المدن لتأييد داعش والانضمام إليها.
وطرح العديد من الكتاب والباحثين، تحليلات شتى لوصف ظهور داعش، ومن معها، ومن ضدها؟ ومن يمدها بالسلاح؟.. إلخ، فقد اتهمت من البداية من قبل المعارضة السورية (المعتدلة)، بأن داعش صناعة إيرانية/ بعثية وأنصارهما في لبنان والعراق، لعرقلة تقدم المعارضة السورية، وخلق صراع داخلي بينهما، ليتمكن النظام السوري، من ضربهما معا في النهاية، وعندما بدأت داعش في ضرب قوات النظام ومؤيديه من المليشيات الأخرى في بعض المدن، وظهر (جز رقاب بين أنصارهم)، اتهمت داعش بأنها من صنع المخابرات الأمريكية، وأنها تأتمر من قبل الاستكبار العالمي. وزاد من الشكوك والاستغراب، أن الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا، توقفوا عن دعم المعارضة السورية، والمتمثلة بالجيش الحر والأجنحة الأخرى، بدعوى أن الأمور ليست واضحة في هذا الصراع، وأن الأوضاع في سوريا ملتبسة، بعد ظهور أخبار التطرف والغلو في بعض المقاتلين، وهذا ما جعل البعض يعتبر أن داعش، أقرب إلى مسمار جحا بالنسبة للغرب، لترتيب أوضاع وإستراتيجيات مقبلة للمنطقة، أو خطة لإنهاء ما بقي من الربيع العربي، تحت مسمى (خطر الإرهاب والغلو والتطرف)، والواقع أن ظهور داعش ومجموعات أخرى فجأة، وبقدرات وإمكانات كبيرة، تجعل الكثيرين يشككون في فرضية، أن مساحات وقدرات وإمكانات، وضعت لداعش، لتتمكن من فرض نفسها على الواقع الميداني والعسكري في سوريا والعراق، حتى يتم التمهيد لخطوات أخرى لترتيب المنطقة على أسس تراها بعض الدول أنها أكثر حماية واستقرارا للمنطقة باعتبارها من المناطق الحيوية المهمة اقتصاديا.
والحقيقة أن هذه الأقوال والترجيحات مجرد تكهنات، لا ترتقي للمصداقية الدقيقة، لأن ما يجري حتى الآن عصي على التحليل الذي لا يقبله العقل تماما، فظهور داعش فجأة وبتلك القدرات القتالية وإعلان الخلافة على قرى في العراق، يبعث على الاستغراب، كما أن الحشد الدولي الضخم، لمحاربة داعش يطرح علامة الاستفهام أيضا، لأنه بذلك تم تصوير جماعة داعش، وكأنها دولة عظمى، بمعنى أن محاربة داعش لا تكفيها دول المنطقة، بل تحتاج إلى تدخل دولي كبير للقضاء على هذا التنظيم، وهذا ما يجعل الحليم حيرانا. والبعض الآخر يرى أن ظهور التطرف والتكفير والالتفاف، في دول بعينها، كسوريا والعراق، يبرز أن القمع والاستبداد، هما أحد الأسباب الأساسية لظهور التطرف والغلو، وأن هؤلاء ضحايا الظلم والاستبداد في هذه الدول، وإلا لماذا دول بعينها يظهر فيها هذا الفكر المغالي المتطرف، دون غيره من الدول، ويلقى قبولا كبيرا من الكثير من السكان، فالأسباب داخلية بحتة كما يرى البعض، كما أن هذا الفكر، ليس نبتة جديدة ظهرت مع داعش والنصرة، فهو موجود عبر التاريخ، وفي عصرنا الراهن نتذكر، جماعة التكفير والهجرة التي قتلت الشيخ الذهبي وزير الأوقاف المصري في 1977، وهذه الأفكار التكفيرية، التي تحملها التكفير والهجرة، لا تختلف كثيرا عن فكر داعش وجماعات التطرف والغلو الأخرى، وإذا كان ثمة اختلاف بين تلك الجماعات، فهي اختلافات هامشية وليست جوهرية، فالفكر التكفيري ينمو ويتحرك في مساحات التضييق والقمع، ويتغذى على انسداد الأفق، والحرمان، والإحباط واليأس، ولا نعتقد بصحة المقولات التي ترى أن هذا التنظيم صنعته الولايات المتحدة، أو إيران، أو حزب البعث أو غيرها، بل إن البغدادي الذي نصّبته داعش خليفة للمسلمين، كان أحد أعضاء تنظيم أبو مصعب الزرقاوي في العراق الذي قتلته القوات الأمريكية في أحد الكمائن قبل سنوات، إنما ربما أتيحت لهذا التنظيم، الفرصة للتمدد، لتحقيق أهداف لأطراف الصراع، لكنم ليسوا صناعة أجنبية بالقطع، لافتراق الأفكار والمشارب والتوجهات.
الحشد الدولي لقتال داعش فيه مبالغة كبيرة في قدرات تنظيم الدولة، فمهما كانت قدرات هؤلاء وإمكاناتهم العسكرية، فإنهم لا يملكون قدرات دولة واحدة فقط من دول التحالف الجديد لقتال هؤلاء، فطائرات حربية على عدد الأصابع مع قوات برية من دول المنطقة، تكفي لإنهاء قدرات داعش وتقضي عليه تماما، مع ما تكنيه هذه الحرب على الشعبين السوري والعراقي، لتضاف هذه الحرب الداعشية محنة أخرى إلى معاناتهم التي يرزحون تحتها منذ سنوات.
لقد صور أحد سكان العراق قبل فترة لإحدى الصحف، عن أسباب ظهور التطرف والغلو في العراق على وجه الخصوص، وقال كلاما دقيقا وصادقا ومعبرا، وهو أن ظهور هذه التنظيمات المتطرفة والعنيفة، ليس كما قال جورج بوش الابن، من أن العراق ما بعد صدام، سيكون نموذجا يحتذى به للديمقراطية بالمنطقة، فظهر العراق، نموذجا للتطرف والتكفير والصراع الطائفي البغيض، فعلى مدى سنوات ـ كما قال ـ "برزت الصورة الأكثر سوداوية في تاريخ العراق، فشباب في عمر الزهور فقدوا آباءهم بين قتيل وشريد، واعتقال وتعذيب، وقد شبَّ هؤلاء عن الطوق كثيرا، فضاعت كلمات الاعتدال، وذهبت أصوات الحكمة والتعقل، وتعاهد القوم على الثأر ورد الصاع، فخرجت من رداء الاستبداد موجات التطرف العاتية التي أحرقت الأخضر واليابس، وداست على كل القيم، وازداد المشهد تعقيدا، وانزوى العقلاء وارتفعت رايات التكفير والانتقام بأسماء وعناوين مختلفة، كلها تدعو إلى الحق بطريقة التصفيات والأخذ بالثارات، فماذا كانت النتيجة؟ زاد الاحتقان وسقطت المحافظات وتبخر الجيش الطائفي ونزح الناس وتكلمت البنادق وتحدثت الوحشية، والسبب هو الاستبداد والثأر المقابل". وهذه الصورة المروعة إلى قالها هذا الشخص الذي تكلم بحرقة وألم، لكن من المهم أن تكون هناك مراجعة لكل السياسات القائمة التي تعتمد على القوة والحلول الأمنية، لذلك لابد من التفتيش عن المشكلة، وإعادة النظر فيما هو قائم من أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية، فلن ينتهي التطرف والغلو بمجرد خسارته في المواجهة المقبلة، وهي متوقعة فعلا، لكن هذا الفكر وهذا الحقد المتبادل والمظالم والإقصاء، ستكرر نفسها بأدوات وإمكانات أخرى، إذا لم نراجع تلك السياسات القائمة، فالحل المقبل في القضاء على التطرف والغلو والتكفير، في تأسيس رؤى جديدة تقوم على العدل ورفع الظلم، والبعد عن الإقصاء والاستبداد، فالقوة وحدها لن تستطيع القضاء هذه التوترات والجماعات، لأنها تتغذى ـ كما قلنا ـ على وجود المظالم، وغياب العدل، وإقصاء التسامح والتآلف بين كل المكونات.
****
التحالف الدولي في حربه على داعش سينال ما يريد من نجاحات في حملته العسكرية المقبلة، وفي أقصر الأيام لو أراد، إلا إذا كان هناك مآرب أخرى!! لكن هل ستحقق الحملة العسكرية ما تريده في الأفق الأبعد في القضاء على التطرف والغلو والتكفير؟.. وللحديث بقية.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9726
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3459
| 22 أكتوبر 2026