رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تواجه الأزمة السورية في المرحلة الراهنة منعطفا خطيرا, على نحو يدفع بها إما إلى مرافئ التوصل إلى تسوية سياسية, أو يدخلها نحو المزيد من سفك الدماء حتى يتمكن, أحد أطرافها من حسم الموقف لصالحه, وهو ما لا تبدو له ثمة إشارات في الأفق, ولعل أبرز تجليات هذه المرحلة يتمثل فيما يلي:
أولا: التقاطع بين التحركين الروسي من ناحية, والأمريكي من ناحية أخرى, ووصول الأمر إلى حد التلويح بالقوة العسكرية, وهو ما أخذ منحى عمليا في قيام موسكو بإرسال أفراد من جيشها إلى اللاذقية معقل الرئيس بشار الأسد, وإنشاء قاعدة عسكرية, فضلا عن عتاد عسكري ضخم من أسلحة ثقيلة بل وتمدد هذه المساعدات إلى تخوم العاصمة دمشق, للحيلولة دون سقوطها لاسيما مع تقدم من قبل بعض تنظيمات المعارضة المسلحة باتجاهها, والهدف المعلن من قبل روسيا هو منع التنظيمات الإرهابية من الاستيلاء على سوريا, بوضوح منع سقوط نظام بشار الأسد, التي تتحمل روسيا إلى جانب إيران عبء وكلفة حمايته, والمحافظة عليه سواء من الناحية اللوجيستية أو العسكرية أو الاقتصادية..
وفي المقابل فإن الولايات المتحدة ترفض هذا التدخل العسكري المباشر من قبل روسيا, وتراه تجاوزا للخطوط الحمراء المتفق عليها بين الدولتين اللتين تتصدران المشهد العالمي الراهن, وترى واشنطن أن موسكو عبر هذا التدخل تسهم في استمرار الصراع الدموي في سوريا, وتغلق أمامه أبواب الحل السياسي على أساس أنه يوفر لحكم الرئيس بشار الأسد أرضية الشعور بالقوة والرغبة الشديدة في الاستمرار في الحكم, وهو ما بدا واضحا في تصريحاته الأخيرة التي تحدث فيها, بشكل قاطع أنه لا يقبل أي تدخل خارجي لدفعه إلى التخلي عن السلطة, فذلك مرهون بإرادة الشعب السوري فحسب, على حد تعبيره..
وفي منظور واشنطن فإن هذا النظام فقد أي صدقية أو شرعية له, وهو ما يحظى بتأييد من دول أوربية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا.
ثانيا: ثمة تناقض واضح بين مواقف الأطراف الإقليمية المؤثرة في مسار الأزمة السورية, فبينما ترفض أغلب دول مجلس التعاون الخليجي, وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية مسألة بقاء الأسد في معادلة المستقبل بالنسبة لسوريا, فإن إيران والعراق يرفضان تماما إزاحة بشار, بينما يتسم الموقف المصري برؤية تتجاوز الأشخاص أو الانحياز لطرف دون آخر, بقدر انحيازها إلى حل سياسي من شأنه أن يحافظ على الدولة السورية بمؤسساتها وهياكلها, وبمشاركة كافة الأطراف وهو ما عبر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرا, حتى لا يتم إعادة إنتاج تجارب مريرة ما زالت ملامحها مستمرة في كل من العراق وليبيا وربما اليمن إلى حد ما.
ثالثا:على الرغم من كل التناقضات في المواقف الإقليمية والدولية حيال منهجية التعامل مع الأزمة السورية, فإن ثمة توافقا على أهمية أخذ زمام المبادرة في القضاء على التنظيمات الإرهابية, التي باتت فاعلا رئيسيا في الأزمة, لاسيما بعد سيطرة تنظيم "داعش" على أكثر من مساحة البلاد, والواضح أن التدخل الروسي العسكري الأخير اتكأ على هذا العامل, بينما الولايات المتحدة شكلت قبل أكثر من عام تحالفا دوليا لمحاربة التنظيم, عن طريق الضربات الجوية ثم تحركت باتجاه حشد الجماعات المسلحة التي توصف بالمعتدلة لمحاربة "داعش", وإن ثبت مؤخرا أن واشنطن لم تكن جادة فيما يتعلق بتدريب عناصر منها, وفق اعترافات رئيس الأركان الأمريكي الذي أقر بأن من تم تدريبهم أعداد محدودة, فضلا عن رفض بعض الجماعات الانخراط في أعمال عسكرية تخصص لمحاربة داعش فحسب, وهو ما ينبئ عن أن جهود محاربة هذا التنظيم لم تـأخذ منحى حاسما باتحاه القضاء عليه والحد من انتشاره, ولم تفض حتى الآن إلا إلى المزيد من تمدد هذا التنظيم عسكريا وجغرافيا, وبالتالي فإن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيفا لجهود الإقليم والعالم لمحاربة الإرهاب, وهو ما دفع دولة كبرى كفرنسا إلى الانخراط في معادلة شن الضربات الجوية ضد داعش في سوريا بالذات.
رابعا: هناك قناعة عربية قوية بضرورة الحل السياسي للأزمة السورية, وهو ما تجسد في اجتماعات الدورة الــ144 لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية يوم الأحد قبل الماضي, إلا أن الطرف العربي لا يمتلك الآليات التي من شأنها أن تدفع إلى بلورته -أي الحل السياسي - على أرض الواقع السوري..
وفي هذا السياق فإن الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية ودي ميستورا (والذي تحدث لوزراء الخارجية العرب في جلسة خاصة), توافقا خلال المباحثات التي عقدت بينهما في اليوم التالي للاجتماع الوزاري العربي على أن الفرصة الوحيدة المتاحة حاليا للتوصل لحل سياسي في سوريا تتمثل في تنفيذ بيان جنيف 1 الصادر في 2012, وتقوم خطة منظور المبعوث الأممي في هذا الشأن, على تشكيل مجموعة اتصال تهدف إلى إيجاد مستقبل للشعب السوري، تهدف بشكل أساسي إلى مكافحة الإرهاب, وهي عملية لا يمكن أن تتم بكفاءة من دون التوصل إلى حل سياسي وتشكيل مجموعة اتصال ثانية تركز على وضع الأسس التي من شأنها, الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية, لتجنب ما حدث من انهيار لها في ليبيا والعراق والصومال، بالإضافة إلى مناقشة المسائل الأمنية والعسكرية من قبل السوريين أنفسهم, باعتبار أن ذلك شأن يخصهم وحدهم فحسب, ولا تختلف رؤية الأمين العام للجامعة العريبة كثيرا عن هذا الطرح, فهو يشدد على أهمية بلورة خطة تحرك مشتركة مع الأمم المتحدة لمعالجة الأزمة السورية، خاصة أن المعالجات المطروحة للأزمة السورية لا تزال عاجزة عن وقف نزيف الدماء والدمار في سوريا, فالشعب السوري تتواصل معاناته ومآسيه, نتيجة استمرار هذه الأزمة, ما يستوجب صياغة رؤية عربية فعالة قادرة على التعامل مع مختلف أبعاد وتعقيدات الأزمة السورية, بالتشاور والتنسيق مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بمجرياتها, حتى يتمكن مجلس الأمن الدولي من الاضطلاع بمسؤولياته السياسية والأخلاقية تجاه هذه الأزمة، وحتى يتمكن "دي ميستورا" من إحراز التقدم المنشود في الخطة التي طرحها لتنفيذ مقررات مؤتمر جنيف ١.
رابعا: تفاقم أزمة اللاجئين السوريين, بفعل عدم توافق المجتمع الدولي على آليات محددة للتعامل معها بصورة إنسانية كريمة إلى حد قيام دولة مثل هنجاريا أو المجر سابقا, باتخاذ إجراءات تتعارض مع قواعد حقوق الإنسان ضد مجموعات اللاجئين الذين جاءوا إلى أراضيها للمرور وليس للإقامة, فضلا عن التصريحات, التي اتسمت بعنصرية مقيتة أدلى بها رئيس وزرائها اليميني, وفي مواجهة ذلك أبدى الجانب العربي التزاما ثابتا, تجلى بوضوح في قرار جماعي من وزراء خارجيتها في الاجتماع الأخير بالترحيب باستقبال الأشقاء العرب من الدول التي تعاني من مآسي النزاعات المسلحة وتقديم كل أشكال الدعم لهم وفقا لأسس الأخوة وبما تمليه واجباتها ومسؤولياتها السياسية والأخلاقية تجاه أزمة اللاجئين والنازحين, وذلك يفتح طاقة أمل لاستيعاب المزيد من أعداد اللاجئين السوريين الأكثر معاناة من بين فئات اللاجئين العرب في المرحلة الراهنة بدلا من المراهنة على الدول الأوربية وغيرها من دول العالم لتفتح لهم أبوابها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2184
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1218
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
708
| 25 يناير 2026