رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتهيت من قراءة رواية (الرجل الذي كان ينظرُ إلى الليل) للروائي المصري/ الفرنسي (جِلبر سِينُوِيه) الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، بدولة الكويت عام 2016. وقام بترجمة الرواية إلى العربية الدكتور محمود المقداد.
لن تكون هذه الوقفة للحديث عن أحداث الرواية واتجاهاتها، فهي معروفة في عالم النقد والآداب، ولكن ما جذبني لمتابعة الرواية هي الترجمة؛ التي أضافت روحاً جمالية وثقافية على سطور الرواية، وقدّمت شروحاتٍ للعديد من الكلمات التي قد تستَعصي على القارئ.
في 365 صفحة يشهدُ القارئ قاموساً دقيقاً لأية كلمة قد تبدو غريبة، أو أن يكون أصلُها عاميّا أو فرنسياً، كون الروائي مُشبّعا بالثقافة المصرية والفرنسية في آن واحد.
وأستطيع القول إن المترجم كان راوياً آخر للأحداث، مُتابعاً لما كُتب عن الروائي (سِنيوِيه) في الصحافة، وكيف أنه تحوّلَ من نهج الرواية التاريخية إلى السيرة الروائية، حيث يقول: «هذا الكتاب يعني لي الكثير، وقد وضعتُ في الكثير منّي، من ذاتي، وهذا لم أضعه في أي عمل آخر». ليأتي المُترجم في الهامش، ليقول:
«ونجد إحدى المُعجَبات بالرواية تكتبُ تعليقاً عن معالجته للطبيعة البشرية فيها، تقول: «اكتشافك للطبيعة البشرية قويّ جداً، كما في أعمال شكسبير». ( أمل دوزي). وتُذكّرُنا الرواية بروايات عربية عديدة حاولت الارتحال من الوطن، وتحدثت عن الصدمة الثقافية، والتَنازع بين قيم الشرق وقيم الغرب، كما في رواية عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم (1938)، ورواية (قنديل أم هاشم) ليحيى حقي (1940)، ورواية الحيّ اللاتيني لسهيل إدريس (1954)، وغيرها. حيث ينتقل البطلُ من مصر كي يدرس الطب في باريس. ويحمل الطبيب (تيوفان) عقدة فشله في إنقاذ مريض بالقلب، حتى نهاية الرواية، حيث ينجح في إنقاد مريض (إليكسيس) الصغير، ويجعل قلبه ينبض مرة ثانية.
ويذكُر الروائي العديدَ من أسماء العلماء والفنانين والمستشرقين، ما يدل على ثقافته الواسعة، ولكن ثقافة المترجم قد فسّرت المواقفَ التي كانت تحتاج إلى تفسير، نلاحظ في الصفحة (71)، تعريفاً موجزاً لأسماء وردت في الرواية، مثل: الروائي أندريه جيّد الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1949، نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1988، الفونسو دو لا مارتين، الشاعر والسياسي الفرنسي ( 1790-1869)، وكان قائداً للاتجاه الرومانسي عبر ديوانه المشهور (تأمّلات)، وأيضاً (أبونواس)، الحسن بن هانئ ( 145-198) من شعراء العصر العباسي الأول، وقد وُلد في البصرة، وتخرّج في الشعر على يد الشاعر (والبة بن الحبّاب) بالكوفة، والرواية خلف الأحمر، وكان مُقرّباً من الخليفة الأمين، وصاغ أغلب شعره في الخمريات.
كما يورد الروائي بعضَ الحِكَم والمقالات، يقول في صفحة (82) على لسان (ديمتري):
«ضع في رأسك جيداً أن عشرةَ بالمئة من البشرية يموتون ميتةً طبيعية، والبقية يموتون من الحَسد والغيرة، لا تضحك! إنني جادٌ، وتنبعثُ من بعض الناس، طاقاتٌ سوداء، وأفكارٌ أكثر سُميّة من السمِّ الذي قتلَ (سقراط)». وبطبيعة الحال، فإن ما ذهب إليه الروائي واقعٌ مُعاش، حتى هذه الأيام، حيث موت الأغلبية من الحسد والغيرة، وتتَبعِ حياةِ الآخرين، ولا يفوت المترجم تعريفُ (سقراط)، حيث يذكر في الهامش: سقراط، فيلسوف يوناني ( 470 -399 ق.م ) عُرف من قِبل مُريده (أفلاطون)، وهو أبو الجدلية (الديالكتيك)، وبالنتيجة أبو الفلسفة كلها، وقد حُكِم عليه بالموت عن طريق تجرّع السُمّ.
في صفحة 83 تمر علينا كلمة (باغلما)! وهي « Baglama»، وأعتقد أن كثيرين من العرب لا يعرفون الكلمة، بمن فيهم الأدباء، إلّا أنه المترجم يُزيل الالتباس، ويشرح الكلمة، كالتالي:
«الباغلما، آلة موسيقية متطورة عن (البوزوكي) أو (البُزق)، وهي من الآلات الوترية الأكثر شعبية وانتشاراً في البلقان وتركيا، وبعض المناطق في سوريا والعراق». كما يقوم المترجم بشرح بعض التعابير الفرنسية، والتي تشُكّل الذائقة والأعراف، حيث نقرأ في صفحة (169): «ويذهب إلى صيد السمك، عندما يرغب في ذلك، ويَقيلُ من غير أن يكسر إحدى أذنيه»، والعبارة الأخيرة معروفة في الثقافة الفرنسية، لكنها تُشكل على غيرهم، وفسّرها المترجم على أنها كناية عن الهدوء، وعدم إزعاج الشخص أثناء قيلولته بأي صوت.
ومن ذلك أيضاً ما ورد في صفحة (170)، في الحوار الذي يقول:
- حدث فيها الانفجار الكبير ( Big Bang)، وفسّرها المترجم كالتالي:
«الانفجار الكبير هو في الأصل، مصطلح علمي فضائي إنجليزي، أُطلق، لدى الطبيعيين، على النظرية التي تُفسِّر نشوء الكون وتشكيله، واستعمله (تيمور) هنا كناية عن تفجّر العلاقة بين الأبوين وتخريبِهما لأبنائهما».
بالطبع هذه النظرية تُخالف نظريةَ خَلقِ الكون التي نؤمن بها، ووردت في القرآن الكريم.
ونلاحظ أن المترجم مُلمٌّ بالتطورات التاريخية والأدبية، وأنه قرأ العديد من الروايات العالمية، والتي مرّ ذكْرُها في النص، فمثلاً نقرأ في صفحة (181): «لماذا كانت تعاودني بلا انقطاع صافعةً صدْغي، ولحوحة، تلك الجملة الشهيرة في رواية الغريب (L`Etranger)، اليوم ماتت أمي، أو ربما أمس، لستُ أدري! ويأخذنا المترجم إلى الهامش الذي يذكر فيه:
«رواية (الغريب) هذه للكاتب الفرنسي (ألبير كامو) 1913-1960، كان وُلد في قرية تابعة لمدينة (قسنطينة) بالجزائر، من أبٍ فرنسي، وأمّ إسبانية، وتعلّم في جامعة الجزائر. كان فيلسوفاً وجودياً، وقد بذر بذور فلسفة اللامعقول والعبثية، في كتابه (اسطورة سيزيف) Le mythe de Sysiphe، سنة 1951، وله ثلاث روايات مشهورة هي ( الغريب)، (الطاعون)، (السقوط)، وله مسرحية كاليغولا (Caligula)، نال جائزة نوبل للآداب سنة 1951، توفي في فرنسا، ونُقل رفاتهُ بأمر من الرئيس الفرنسي (ساركوزي)، لم يكن وُلد عام 1951، العام الذي توفي فيه (كامو)، ليُدفن في مقبرة العظماء (الأنفالية) في باريس، في احتفال مُهيب».
هذه الشروحات التي ملأت هوامش الرواية، أضافت معلوماتٍ جديدةً وثريةً لقارئ الرواية، وأغنتهُ عن الرجوع إلى مراجع متعددة لمعرفة تلك المعلومات والكلمات التي تصدر عن الشخصيات.
كما أن للمترجم خلفية دينية، سواء كانت يهودية أم مسيحية أم إسلامية، نلاحظ في صفحة (217)، عندما ورد ذِكرُ رقصة ِالمناديل السبعة، يشرح المترجم:
«رقصة المناديل السبعة، ورد في إنجيل (متّى)، الإصحاح 41 ( الفقرات 3-11)، أن القديس (يُوحنّا المعمدان) Jean-Bapiste، (وهو النبي يحيى بن زكريا)، عند المسلمين، كان يقول لملك اليهود، (هيرودوس انتياس) 7 ق.م- 39 ق.م، إن (هيروديا)، زوجة أخيه لا تحّل له زوجة، فسَجنهُ، ولما أراد أن يقتله، خاف من الشعب، لأنه كان عندهم مثل نبيّ. ثم لما صار مولد (هيرودوس)، رقصت ابنته (هيروديا)، وهي الأميرة اليهودية سالومي (Salome)، في الوسط، فَسَرَّت (هيرودوس)، ومن ثم وعَد - بقسَم - أنه مهما طلبت يُعطيها، فهي إن كانت قد تلقّنت من أمها، قالت أعطني على طبق رأسَ (يوحنا المعمدان)، فاغتنم الملك، ولكن من أجل الأقسام والمُتكئين معه، أمر أن يُعطى. فأرسل، وقطعَ رأس (يوحنا) في السجن سنة 28م، فأُحْضرَ رأسه في طبق، ودُفع إلى الصبية، فجاءت به إلى أمّها. ويُروى أن الرقصة (المناديل السبعة) التي رقصتها (سالومي)، هي رقصة المناديل السبعة، وسُميّت بذلك، لأن الراقصة كانت تلفّ جسدها بسبعة مناديل رقيقة، كل منها بلون مختلف، فتحِّل الأول، وترقص به، ثم ترميه، وتحل الآخر، حتى السابع، وتنتهي الرقصة بذلك. ويبدو أن أصل هذه الرقصة القديم كان، فيما يُروى، في الأساطير البابلية والآشورية، أن إِلهةَ الخصب (عشتار) كانت أول مَن رقصَها، ولكن فيما يُشبه تعرّي الراقصات قطعةً قطعة، في أيامنا، أو رقص ستربتيز (Strip- tease)، حتى تنتهي من آخر منديل، عاريةً تماماً أمام الحضور.
هذه الترجمة الرصينة والشاملة والمثيرة، أضافت إلى الرواية عمقاً وجمالاً، ما أبعدها عن الترجمة النصية الحرفية الجافة، مما نلاحظه على ترجمات العديد من الأعمال عن اللغات الأخرى.
hamsalkhafi57@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1431
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1245
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
972
| 16 مايو 2026