رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يقتضي الإنصاف أن نحدد طبيعة الأربعة والعشرين شهرا الماضية من عمر ثورة الشعب المصري من دون تزييف.
لقد كان السؤال الدائم متى يخرج الشعب المصري ليسترد إرادته؟، وخرج الشعب وكسر حاجز الخوف وأدرك أنه أقوى من الجميع، وأن إرادته جزء من إرادة الله.
كان الانحراف بالوعي قائما في الفصل بين مكونات النظام، سواء كانت تحكم أم كانت في المعارضة، وكشف الشعب بصبره طوال العامين الماضيين، أن مكونات النظام الذي ثار ضده، ليست مجرد حزب حاكم وسلطة ولكنها جمعية من المنتفعين، زادوا من عبء التردي باستسلامهم لقواعد لعبة النظام السابق، وقدرتهم على التلون مع أي نظام يأتي، انتماؤهم إلى العمل العام وجاهة اجتماعية، وهذا لا مكان له عندما يثور الشعب.
وتوالى انكشاف الحقائق، ليخرج الشعب ويتحرر العقل من غيبوبة أن ظلما قد وقع على جماعة الإخوان، وأنهم الأنقياء والنظم التي تعاملت معهم هي المستبدة، واتضح أن الاستبداد في عقيدتهم ليس استبدادا بالوطن والمواطنين ولكن معيار الاستبداد عندهم هو الموقف من جماعتهم. وانتقلت المواجهة مع الإخوان من أجهزة أمنية للدولة، إلى مواجهة مع الشعب، وتتصاعد المواجهة، لتحيل فكرة التنوع إلى ضرورة الفرز على معيار وطني ملح وغير قابل للتنازل. وانكشف أن هذه الجماعة لا تحمل في مكوناتها الفكرية غير فكرة الأنا، وأنها على استعداد للتفاوض على أي شيء وكل شيء، حتى أمن الوطن في مواجهة أعدائه. وأنها لا تدرك معانات الشعب، بل تزيد من أعبائه وتتخذ منه درجات سلم للسلطة غير عابئة بالدم المسفوك بيد سلطات انتقالية أو بيد ميليشياتها.
وانكشف أمام الشعب أن الخطر لا يحيق بالبشر والحجر فقط، بل يحيق بالدين، ولم يخجل أشخاص ادعوا بأنهم ينتمون إلى الدين عن استخدام وعيهم القاصر لإثارة فتنة الدين ذاته، بل وتجاوزوا الكذب على البشر، إلى تفسيرات للدين هي دخيلة عليه، بل هي بدع من صنع تشوههم الفكري.
وانكشف أمام الشعب أن المواجهة الحقيقية هي مع قوى وتجمعات في الداخل تفتقد الالتزام والانحياز للشعب وحاجاته، كما أنها مواجهة مع قوى بالخارج تريد أن تجهض حركة الشعب وتسلبه إرادته، بل إنها تملك مخططات لمصالحها، ولا تدخل مصر في حسابها على أي نحو غير كونها هدفا تجب السيطرة عليه.
وانكشف أمام الشعب، أن قوى الخارج التي صنعت تنظيم القاعدة تحت دعوى الجهاد الديني في مواجهة الإلحاد، لا تختلف عن قوى الداخل التي صنعت كافة التنظيمات الدينية في الداخل، بدءا من الإخوان وحسن البنا ووصولا إلى محمد عثمان إسماعيل وعثمان أحمد عثمان في السبعينيات عندما استعان السادات بهم ليحكم سيطرته على حالة الرفض لخياراته، وهذه التنظيمات أنتجت كافة الأسماء التي تملأ سماء مصر بفحيح لا علاقة له بالدين غير كونه أداة للحشد والتعبئة ولكن هدفها الوحيد الاستيلاء على السلطة.
لقد رفض الفكر الوطني والقومي ادعاءات الغرب بأن الإسلام فكر دموي إرهابي، ولكن ما يجري على الأرض العربية الآن يكشف إلى أي مدى نجحت أجهزة المخابرات وأنظمة الفساد وأمريكا وحلفاؤها في تحويل الإسلام من عقيدة إلهية ودعوة للعدل إلى مبرر لوجودات مسلحة لا تحترم دينا ولا بشرا ولا إنسانية، وليمتد أثرها بطول الوطن العربي وعرضه وإلى خارجه إلى دول العالم، ولتتضاعف مهمة الدفاع عن الإسلام في مواجهة الغرب ونظم الاستبداد وفي مواجهة التنظيمات الداخلية.
إن فضيحة التنظيمات الإسلامية المسلحة في مصر والوطن العربي تتجاوز فضيحة لافون عندما كانت إسرائيل تسعى للقتل والتفجيرات في الداخل المصري لتعيد ترتيب أمر مصر لما يخدم مصالحها. ولم يتوقف الأمر عند حمل السلاح، بل تجاوزه إلى التحالف وأعداء الوطن، وتبني فكر تنظيمات ما يسمى بالإسلام السياسي، تصورات تضرب الأمن القومي في مقتل، وصارت اللحية مطلب المسلمين، ولم تعد الحرية ولا العدل ولا التنمية، وزواج القاصرات هو قضية الثورة، والقتل والسحل تحت عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مفهوم العدل والدعوة في عقيدتهم.
لا أملك توصيفا مضافا لذلك كله غير وصف الفترة الانتقالية بأنها فترة الفتن الكبرى، وأن شعبا يتحمل كل هذه الادعاءات وانكشاف الحقائق ويظل متماسكا، هو شعب يستحق الحياة.
نجح الشعب في كشف وهم ادعاء الأسلمة، ووهم ادعاء الديمقراطية سبيلا لتحقيق أهداف الثورة بصناديق التصويت، فتراجع عن المشاركة في هذا الوهم، ومتابعة أحاديث البسطاء في منازلهم، يؤكد أن الإصرار والوعي يتزايد، مواكبا لرفض جماعات الإسلام السياسي، بل إن ما لم تنجح فيه الأنظمة طوال فترة وجود تنظيم الإخوان لخمسة وثمانين عاما من عزلهم أو حصار دعواتهم الكاذبة، نجح فيه الشعب خلال الفترة الماضية، ويكاد يبلغ التربص من الشعب مداه بما يمكن أن يفتح باب الدم على مصراعيه.
استوعب الشعب درس نكسة الثورة طوال العامين الماضيين، ومازالت أحاديث الساسة والنخبة دون إدراك أنهم صرعى أوهام إمكانية التعايش والتعامل، كاشفين بذلك عن عجزهم وليس عن حكمة الحياة ولا نداءات الشعب الصابر بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
الثورة رحلة عمل مستمر، فالشعوب تملك إرادتها لتصنع غدها ومستقبلها، وليست الإرادة مصباح علاء الدين السحري ولا خاتم سليمان، الإرادة الشعبية فكر يصدقه عمل، يقين بالحق يدفع الشعب ثمنه، الثورة حياة، والحياة رحلة، وليست محطة وصول، ومن يعتقد أنه بلغ أربه في الحياة أو في رحلة الثورة المستمرة يكون قد حكم على نفسه بالموت.
لم تحظ مصر بفترة سكون أو تحقق للأمل منذ قام شباب الثورة بتنظيف ميدان التحرير ودهان أرصفته والعودة به إلى رونقه، ولم يكونوا يعلمون حينها أنهم ينظفون الإسفلت ليستقبل منهم دماء جديدة.
حالة الترقب لما سيكشف عنه الشعب الجمعة القادمة لم تحظ بالهدوء السابق للحظات الفعل، بل حفلت بالدم والصدام وتنوع المصائب وتعددها، والأخطر من الهدوء أو المصائب، أن أحدا لا يسعى إلى الحيلولة دون خطر متوقع، ولكن يبدو أنهم وبلا استثناء يسعون إلى انفجار الموقف.
الانفجار ليس طاقة إيجابية، ولا اتجاه محددا له، ولكن حالة التشبع بالسخط، والمعاناة المعيشية، والغيوم التي يختفي خلفها المستقبل المجهول، والكفر بكل التشكيلات السياسية والتنظيمات الدينية، وانهيارات في بنية القضاء والإعلام، والمساس بالأرض، وما يتردد عن السلاح والخلايا المسلحة، كل ذلك جعل حديث العنف أقرب إلى التحقق أكثر من إمكانية اللقاء.
لقد بدأ إشعال فتيل الانفجار منذ إقرار خيارات البشري ولجنته، والتي حاصرت إرادة التغيير ودفعتها دفعا لمواكبة الرؤية الأمريكية التي لم يغيب عنها هدفان رئيسيان، الأول ألا تكون لثورة يناير نتائج تؤدي إلى تحرير الإرادة الشعبية والتمثيل لها في سلطة أو في أداء، والثاني كان ومازال إجهاض أي إمكانية محتملة لتكرار الفعل الشعبي الذي تجسد خلال الـ 18 يوما الأولى بعد 25 يناير 2011. لم تصل شعلة الفتيل إلى مفجر للإرادة الشعبية للاحتشاد وتقرير أمرها، وكانت الأكاذيب والأوهام هي معوقات الانفجار، ولكن عامان منذ الثورة ونتائج هذه الفترة كافية للخروج عن حالة الحصار للفعل الشعبي بالوهم وبيع الدين له والآمال الكاذبة.
سماء مصر تملؤها مشاعر الغضب والإحباط وجعجعة الساسة دون طحن ينتج لقمة عيش أو أمانا أو ثقة في المستقبل.
هل ستكون الجمعة القادمة جمعة إطلاق الإرادة الشعبية ولو حتى بالغضب؟، وهل ستجد الإرادة الشعبية سبيلا لتحقيق أهداف الثورة؟، هل ستمتد بعد يوم الجمعة خاصة وأن السبت التالي 26 يناير ــ وهو ذكرى حريق القاهرة عام 1952ــ ستعلن فيه أحكام مذبحة الألتراس الأهلاوي في بورسعيد والتي راح ضحية لها 74 شابا؟
ما ننتظره هو نتيجة طبيعية لكل المؤامرات التي تمت لخطف الثورة والسلطة والدستور والقضاء وإهدار الهوية وإثارة الفتنة الطائفية والمذهبية وتكفير كل من هم خارج تنظيمات الإسلام السياسي، والعشوائية الاقتصادية وعدم الإلمام بإدارة الدولة.
هل ستنجح وقائع الأيام القادمة في خلق سبيكة وطنية مغايرة لما هو معروض على الشعب، من كافة قواه الاجتماعية ومكونات القوة التي يختزنها؟ سؤال جديد ستجيب عنه وقائع وأحداث الأيام القادمة، وادعاء التوقع خارج السياق، ولكنه الأمل أن تسترد مصر عافيتها وتصحح المسار.
العدالة بين سرعة الأمس وتعقيد اليوم
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف،... اقرأ المزيد
267
| 30 يوليو 2026
العودة إلى الدبلوماسية والحوار
يعكس التصعيد المتسارع في وتيرة الاعتداءات وتوسع دائرة العمليات العسكرية في المنطقة حجم التحديات التي تواجه الأمن والاستقرار... اقرأ المزيد
84
| 30 يوليو 2026
قرارات صَنعت مؤسسة
عندما تصنع قراراً ايجايباً ذا هدف وأثر لوزارة أو منظمة اعلم أنك تسير في الطريق الصحيح. ففي ظل... اقرأ المزيد
108
| 29 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
5769
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1569
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1128
| 29 يوليو 2026