رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ومن الجدير ذكره؛ أن النقطة المحورية التي تَحدث عندها المراجعات هي لحظة المدخلات والمخرجات، حيث تمضي على أشكال الممارسة والخطاب وأنماط الفعل سنوات تكون كافية للحكم على حالة الإخفاق وتعثر المسار، وتصبح معها وظيفة التبرير غير قادرة على تجنيد التنظيم وتأطيره وضمان استمراريته على نفس الرؤية، مما يحرك الدافعية لإجراء عملية المراجعة، والتي تأخذ مساراً مطرداً إلى أن تصل إلى أحد المستويات الثلاثة التالية: تفجير نسق الرؤية أو تعديله أو خلق شروط تتعايش فيها مكوناته مع ما هي عليه من توتر.
* حركة حماس: قراءة في المشهد
كانت حركة حماس - وما زالت - هي الأقوى دعوياً وحركياً في ساحة العمل الإسلامي، فمنذ انتفاضة الحجارة في ديسمبر 1987م وحتى قيام السلطة الوطنية عام 1994م وما أعقب ذلك من تطورات سياسية وأمنية، ظلت الحالة الإسلامية التي تمثلها حركة حماس في تنامي مضطرد، وقد أضافت النجاحات التي حققتها الحركة في ساحة الفعل المقاوم والعمل الإغاثي مكانة متقدمة، بل وأعطتها قدم السبق، وجعلتها على رأس كل القوائم للنقابات العمالية والمهنية والاتحادات والكتل الطلابية، ومنحتها صدارة المشهد السياسي بامتياز بعد انتخابات يناير 2006م.
في الحقيقة، جاءت نتائج الانتخابات مفاجأة للجميع، وإن كانت التقديرات لدى بعض الإسلاميين بأن حظوظ حركة حماس بالفوز كبيرة، وقد تتجاوز نسبة الـ40%.
لا شك بأن الحصول على الأغلبية في الانتخابات التشريعية قد غيّر مسار النقاش والموقف داخل أروقة الحركة في الداخل والخارج حول قضية «المشاركة في الحكومة أو تشكيلها» أو الاقتصار فقط على ثقل الأغلبية في المجلس التشريعي.. وبدون الدخول في تفاصيل الكيفية التي تمَّت فيها عملية حسم الخيارات والبدائل باتجاه تشكيل الحكومة، انتهى المشهد بحكومة تقودها حركة حماس، وتفجر المواجهات مع حركة فتح - السلطة الحاكمة - على كل الصعد.. للأسف؛ لم يكن هناك أي دور مؤثر لفصائل العمل الوطني للعمل على تحقيق حالة من التوازن تسهم في استقرار الساحة السياسية والأمنية.
استمرت أشكال التآمر الدولي والتواطؤ الإقليمي وأساليب الكيد والمناكفة السياسية والفلتان الأمني، وكذلك عمليات الاجتياح المتكررة لجيش الاحتلال وقصفه المستمر لقطاع غزة، إضافة للحصار الخانق والتضييق على أهل القطاع وتحويله إلى سجن كبير تحاصره إسرائيل من فضاءاته الأربعة، استمرت كل هذه المكابس المحلية والإقليمية والدولية تضغط بقوة، بهدف كسر إرادة حركة حماس وإفشال عمل الحكومة التي تديرها، ودفعها للاستسلام أو الغرق.
أدت هذه الأوضاع غير المستقرة - أمنياً وسياسياً - إلى الانفجار والمواجهات الدامية في يونيه 2007م، والوصول إلى حالة من التشظي والانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وقيام حكومتين بلا رؤية وطنية واحدة، وتشرذم الساحة الفلسطينية واكتظاظها – للأسف - باصطفافات حزبية جناحاها هما فتح وحماس.
في الحقيقة؛ كان هذا المشهد هو كل ما تريده إسرائيل للتهرب مما عليها من استحقاقات للطرف الفلسطيني، واتخذت من هذا الانقسام ذريعة لاستهداف غزة - عسكرياً - بأكثر من عدوان في ديسمبر 2008م وكذلك في نوفمبر 2012م، وأيضاً في إضعاف مكانة الرئيس أبو مازن؛ باعتبار أن ولايته أصبحت مقصورة فقط على الضفة الغربية.
مع نسائم الربيع العربي ومظاهر الإصلاح والتغيير التي صاحبته كانت هناك فرصة لتحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، إلا أن البعض لم يحسن قراءة اللحظة ولم يوفق في تقدير الموقف، فضاعت الفرصة. اليوم، ومع الانتكاسة التي أصابت مستجدات الربيع العربي، خاصة في مصر وسوريا تلوح أمامنا الفرصة مرة أخرى لكي نجمع شتات هذا الوطن، ونخطو باتجاه الانتخابات التي هي اليوم بمثابة «طوق نجاة» للجميع لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني سياسياً وأمنياً ومجتمعياً، في سياق شراكة سياسية وتوافق وطني، وإصلاح لعلاقاتنا المتوترة نسبياً مع عمقنا العربي والإسلامي، وأيضاً التحرك باتجاه المجتمع الدولي الذي يبدو أنه بدأ يتفهم ضرورة إنهاء إسرائيل احتلالها للضفة الغربية، وأهمية قيام دولة فلسطينية حرة ومستقلة، لتحقيق الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والتي تشكل محطة استراتيجية لمصالحه النفطية وأسواق تجارته الحيوية.
اليوم، وفي ظل حالة الأزمة الخانقة التي تعيشها غزة، والضغوطات التي يتعرض لها الرئيس أبو مازن، نجد أنفسنا جميعاً في مركب واحد يوشك على الغرق، الأمر الذي يفرض علينا أن نقدم من التسهيلات والتنازلات ما يمنحنا الأمل بإمكانية النجاة، حيث إن أي خيارات أخرى سترهننا للزمن الذي قد يأتي - ولكن - بعد فوات الأوان.
لذا فأنا أضم صوتي لكل إخواني من جماهير هذا الشعب العظيم، ومن فصائل العمل الوطني والإسلامي ومنظمات المجتمع المدني، الذي نادوا بضرورة الإسراع بتحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، عبر تشكيل «حكومة تكنوقراط» بحسب المهام التي جاءت في تفاهمات اتفاق القاهرة وإعلان الدوحة.
إن رأس حماس – الحركة والمقاومة - ما زال مطلوباً، والحكمة تقتضي – كما يرى البعض - أن تُعفي حماس نفسها من تبعات وتكاليف الحكم الباهظة؛ سياسياً ومالياً واقتصادياً، وأن تحرر نفسها وجماهيرها من مسؤولية الالتزام والمساءلة المباشرة أمام الشارع الفلسطيني في ظل تعاظم التآمر والكارثة الاقتصادية.. كما أن الابتعاد عن صدارة مشهد الحكم سوف يسد باب الذرائع أمام أي عدوان إسرائيلي قادم، وسيقطع دابر الفتنة على أية خلفيات دينية أو سياسية يتم الترويج لها، وسوف يمنح الحركة فرصة التفرغ لإعادة بناء وترميم وتدعيم مؤسساتها الحركية والتنظيمية والاجتماعية، ويهبها آفاقاً أرحب نحو تفكير أدق وأصوب حيال المشروع المقاوم، وسبل صيانته وتنميته وإرساء قواعده ونشر أشرعته وفق رؤى تجديدية وتطويرية تتم بلورتها في ظل التحديات التي تعصف بالوضع الفلسطيني قاطبة.
ومن الجدير ذكره؛ أن عملية الخروج من الحكومة يجب أن تتم بتوافق مع الأخ الرئيس أبو مازن، والذي حرص في لقاءاته مع بعض قيادات الحركة في الضفة الغربية على التأكيد بأن الشراكة السياسية مع حركة حماس هي قناعة راسخة عنده وليس مسألة فيها نظر.
المراجعات بين الواجب والضرورة
في الفترة الأخيرة تكاثرت الاقتراحات من داخل حركة حماس ومن خارجها تطالب الحركة بضرورة القيام بمراجعات لملفاتها السياسية والحركية والأمنية، وأنا أتفهم بواعث ذلك، حيث إن الكثيرين من هؤلاء وأولئك لهم دوافع صادقة، مبعثها الحرص على هذه الحركة الإسلامية التي شكلت عنواناً نضالياً كبيراً، وأسهمت بجهادها ودماء شهدائها وتضحيات أسراها داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية بصناعة ملحمة من البطولة والمجد، عجّلت بخروج المحتل من قطاع غزة في سبتمبر 2005م، ومنحت المقاومة رافعة تحملها وتحميها، وقد تبدّى ذلك في دفاعها الأسطوري عن قطاع غزة خلال حرب الفرقان وحجارة السجيل.
اليوم، لا يشعر أحدٌ بالحرج عندما يتحدث البعض عن المراجعات؛ لأن هذا العمل قد باشرت الحركة العمل به بشكل رسمي وغير رسمي، فهناك داخل مؤسسات الحركة الشورية والبحثية من يتولى ذلك، وقد تأخذ المسألة بعض الوقت، لكن العمل قد بدأ وسوف يتمخض عن مواقف تعبر عن الإجماع داخل الحركة فيما يتعلق بشأن السياسة والحكم، والنظرة لشكل وفعل العمل المقاوم، وأيضاً لطبيعة السلوك وأنماط التحالف مع الآخر، وتوجهات وأبعاد العلاقة الإستراتيجية مع دول الجوار.
إن الأسابيع والشهور القادمة سوف تشهد لقاءات فكرية موسعة، وحراكاً داخلياً للخروج برؤية أكثر وضوحاً تجاه التحولات السياسية المطلوبة والانفراجات باتجاه الكل الوطني في ظل صياغات أوسع نضجاً تجاه مشروعنا الوطني، وشكل الشراكة السياسية التي نتطلع إليها مع باقي إخواننا في فصائل العمل الوطني والإسلامي.
وأختم - هنا - بهذا الاقتباس الذي يمثل موقف ورغبة الكثيرين من الكوادر والقيادات الإسلامية: «أخيراً.. على حماس أن تدرك أن حالة المراجعة والتقييم والاستدراك بقدر ما تُعبّر عن حكمة وحيوية وسعة أفق وفهم للمصلحة وإعمال لفقه الموازنات، بما يحفظ الوطن وفصائله المقاومة، والشعب وقضيته العادلة، وسط محيط التحديات العاصفة التي تنهشه من كل حدب وصوب، فإنها تعبر أيضاً عن فهم دقيق لنواميس الكون، وانسجام واضح مع قوانين الوجود والحياة، التي لا تُحابي أو تستثني أحداً مهما كان»، وللحديث بقية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2820
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2607
| 09 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1122
| 07 يونيو 2026