رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لاشك أن التعدد الثقافي قيمة عظيمة في الحضارات الإنسانية باعتباره صيغة للتعايش والتواصل الحضاري الإنساني من خلال التعددية الثقافية، سواء داخل الحضارة الواحدة، أو مع غيرها من الحضارات والثقافات الأخرى، لكن للأسف انزلقت هذه القيمة الرائعة، إلى طائفية مقيتة في بعض دولنا العربية، والبعض للأسف جعل من التعدد والتنوع مدعاة للاختلاف والتحارب والتصارع بين الطوائف، وتحول هذا التعدد والتنوع إلى ما يشبه الانقسام، ع أن هذا التنوع والتعدد المذهبي والفكري لا يعني التنافر والتحارب، ولا يعني النفي والإقصاء المتبادل، وإنما يعني أنه مع الإيمان بضرورة التعدد والتنوع ضماناً للحركة الفكرية الاجتهادية في الجزئيات، فإن ثمة ضرورة للفهم العقلاني لتأكيد تكامل الأفكار التي تتوحد حولها الأمة، أو العامل المشترك الإنساني الأشمل، وفي هذا تلتقي وحدة الأمة في القضايا العامة، وتبقى الفروع مجال حركة بين جميع المدارس الفقهية، كل يستقي منها ما يراه مناسبا لفهمه ومدرسته، ولذلك فإن التباين في هذا الشأن ليس عامل اختلاف وتنازع، بل هو حافز لحركة قائمة على التفاعل في إطار فهم منطقي في الأمور الفرعية.
ولا شك أن هذا التنوع والتعدد في الفروع والجزئيات الذي هو مجال ثراء وإبداع حضاري وفكري، تحول ـ كما أشرنا آنفا ـ عند البعض إلى احتراب وتنازع واقتتال، هذا هو الخطر المحدق بأي أمة تتنازع فيما بينها في القضايا الفرعية الفكرية والسياسية، وعلى أسس طائفية، صحيح أن الآخر المختلف، أسهم في هذا في تعميق التوتر، وشجع الانقسام الاثني والعرقي في بعض مجتمعاتنا، بطريقته الاستعمارية المعروفة (فرّق تسد)، لكننا نحن نتحمل الجزء الأكبر من تعميق هذا الخلاف.
كما أن التنوع يعد حقيقة سسيولوجية قائمة في الفكر الإنساني، سواء كان هذا التنوع ضمن الحضارة الواحدة أو الحضارات المتعددة. ولذلك فإن قيم المجتمع نفسه تنظر إلى ثقافات الآخرين تلك النظرة المتسامحة بعيدًا عن الإقصاء والنبذ والكراهية.
ولا يعني أن القبول بالتنوع والتعدد الثقافي، سواء داخل الحضارة الواحدة، أو مع غيرها من الحضارات الأخرى، التقاطع مع "الانتماء الوطني ـ كما يشير محمد محفوظ، حيث يسعى كل تنوع إلى الانفتاح على الدائرة المنسجمة معه تاريخيا وفكريا، حتى لو كانت خارج الوطني. وبالتالي من الضروري التمييز بين الانتماء والانفتاح.
إن انتماء الدوائر الاجتماعية هو إلى الإطار الوطني، والقيم الوطنية التي تحفظ العيش المشترك والوحدة الوطنية. وهذا لا يناقض بأي شكل من الأشكال انفتاح هذه الدوائر مع الخارج، فالانتماء إلى الوطن ضرورة وطنية ومصيرية، كما أن الانفتاح على الخارج ضرورة مجتمعية.
وإذا عرجنا تاريخيًّا في فضاء الحضارة الإسلامية، وكيف تعاملت مع التعدد والتنوع في الدولة الإسلامية، فسنجد أن المسلمين عندما شيدوا هذه الحضارة، عملوا على وحدة قائمة على التنوع والقبول به باعتباره من سنن الفطرة الإنسانية. والدين الإسلامي اعتبر هذا التنوع والتعدد خلقة إلهية و"سنة" أزلية أبدية، قد فطر الله عليها جميع المخلوقات.. فلم ولن يكون الناس نمطًا واحدًا أو قالبًا فردًا، وإنما كانوا ولا يزالون مختلفين (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم)، (هود) 118، 119.
وإذا كانت الإنسانية والبشرية قد بدأت بآدم وحواء ـ أمة واحدة، في الدين والشريعة ـ فإن تحول هذه الأمة الواحدة إلى أمم قد اقتضى التعددية في شرائع الرسل بتعدد أمم الرسالات، فكانت سنة التعددية منذ فجر تاريخ الإنسان.. (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، (البقرة: 213) (15).
وهذا الاختلاف والتنوع والتعدد في الفكر والثقافة جاء لحكمة ربانية بالغة الدلالة، لأن هذا التنوع والتعدد في الثقافة والميول والاتجاهات يعد دافعًا "للتنافس والتدافع والاستباق، انتصارًا من كل فريق لما به يتميزون، وما فيه يختلفون عن الآخرين.. ولو لم تكن هذه التعددية وهذا التنوع والاختلاف لما كانت حوافز الاستباق ودواعي التدافع وأسباب التنافس بين الأفراد والأمم والأفكار والفلسفات والحضارات، ولكانت الحياة سكونًا آسنًا، ومواتًا لا حيوية فيها، ولما استطاع الإنسان تحقيق مقاصد الأمانة التي حملها بالاستخلاف لاستعمار الأرض وعمران هذا الوجود.. فالإيمان بالتنوع والتميز والاختلاف هو الحافز على الإبداع والتدافع في ميادين التقدم والعمران والارتقاء.. بينما الاعتقاد بوحدة النموذج الفكري والحضاري هو باب التقليد والتشبه، ومن ثم السكون، وذبول ملكات الإبداع.
وهذه سنة طبيعية في البشر أن يتباين الناس في رؤاهم الثقافية والفكرية والسلوكية. وهذا الاختلاف نتيجة لتعدد الأفهام والمدارك والعقليات، والبيئة الفكرية والثقافية التي تعيش فيها الأمم والشعوب، وتستقي منها معارفها ومعطياتها وتراكم خبراتها الإنسانية. لذلك لا ضير من هذا التعدد والتنوع الثقافي، سواء ضمن الحضارة الواحدة أو الحضارات المتعددة، وهذا كما أشرنا عامل من عوامل الإثراء والإبداع والتقدم، الأمر الذي يؤكد ـ كما يقول محمد صادق الحسيني على دلالة "لا لبس فيها، وهي أن إعمار الكون ومنه الأرض وما عليها من رطب ويابس وحي وجامد، لم يكن ليتم كما هو حاصل لو أن البشر خلقوا سواسية في كل شيء، ذلك أن نتائج أفعالهم وممارساتهم وصنعتهم ومحصولهم لم يكن بالإمكان أن يأتي بمثل هذا التنوع المشهود والتمايز المعروف، ولخلت الأرض وما عليها من كل أشكال التزاحم والتنافس والتعارض الذي نعيشه بكل جوارحنا على امتداد طول حياتنا وعرضها".
ومن هذه المنطلقات فإن الحضارة الإسلامية اعترفت بهذا التنوع وأعطته المساحة الواسعة من التحرك والانطلاقة إلى آفاق رحبة ومتقدمة للتبادل مع الثقافات والحضارات الأخرى، ولذلك فإن الحضارة الإسلامية شجعت على التفاعل مع الثقافات والحضارات جميعًا. وإذا نظرنا إلى الإسلام من حيث مبادئه وتعاليمه الأصلية، نجد أنه هو أرقى الأديان في تحقيق مبدأ التسامح الذي هو القاعدة الأولى للتفاعل الحضاري.
وهذا في حد ذاته اعتراف بالآخر والقبول بالتنوع الثقافي والتعدد الفكري والديني. وقد يعتقد البعض أن التنوع والتعدد مدعاة للاختلاف والتنازع والاحتراب، لأن هذا التعدد ـ كما يعتقدون ـ يعني التباين، ويربطون بين هذه الفكرة الخاطئة، وبين ما يحصل في بعض البلدان من مشكلات إثنية وعرقية ومذهبية.
وهذا في اعتقادنا من التصورات الخاطئة لمفهوم التنوع والتعدد، حيث إن هذا التنازع كان لأسباب ومسببات أخرى مختلفة، كالاحتقانات السياسية والقمع والإقصاء.. إلخ، لكن التنوع الثقافي لا يعني "التنافر الإنساني المطلق، ولا يعني النفي الوجودي المتبادل، وإنما يعني أنه مع الإيمان بضرورة التعدد والتنوع ضمانًا للحركة، فإن ثمة ضرورة للفهم العقلاني لتأكيد تكامل عنصر أو عامل التكافل الإنساني الأشمل، ووحدة الجوهر الإنساني... إن التباين ليس عامل هدم، بل حافز حركة قائمة على التفاعل في إطار فهم عقلاني ووحدة إنسانية.. ومن ثم يكون ضروريًّا أن ندقق النظر في كيفية ترابط الناس بعضهم ببعض داخل مجتمع ما. ولذلك نحن نعتقد التنوع والتعدد سبق إليه الإسلام والحضارة الإسلامية من قرون خلت، ولم تكن فكرة التنوع والتعدد جاءت من الغرب الديمقراطي الليبرالي.
والإشكالية أن الكاتب يتهرب من الغوص في المشكلات العرقية والمذهبية والاستعمار، ويتناسى أن هذه المشكلات جلها، إن لم يكن أغلبها، من صنع الاستعمار والاحتلال والاحتقان السياسي والبعد عن الديمقراطية الحقة.. صحيح أن بعض النخب السياسية أخطأت في كيفية التعامل مع هذه المشكلات، وقللت من أهميتها حتى استفحلت، وأصبحت أوراقا في يد من هم يودون أن تشتعل المنطقة العربية وتتحول إلى كيانات وكانتونات وأعراق ليس لها انتماء أو لون أو طعم والمستفيد الأكبر معروف ويشار إليه بالبنان.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3813
| 30 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
3219
| 03 نوفمبر 2026