رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"ها نحن عدنا ننشد الهولو على ظهر السفينة"، ها هو النوخذه يبحر بنا مرة أخرى كي يسرد على مسامعنا حكايات الماضي، هذا المبدع القطري الكبير المعجون بعشق المسرح، مؤلفًا، مخرجًا، مبدعًا في كل عناصر العرض المسرحي، عبر آخر أعماله التي تجسد فوق خشبة المسرح في احتفالية غابت، والآن عبر إطلالة على استحياء ولسان حالنا كما عبر أحد المسرحيين من أبناء الوطن "العوض ولا الحريمة"، معلق آخر "حراكنا المسرحي في غرفة الإنعاش".
ما يهمنا أن يعود النوخذه، وأن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء ليقدم حكاية أخرى من ألف ألف حكاية رواها، وكأنه عاش ألف ألف عام. المناعي "في وادي المجادير" يضع المتلقي وسط حكاية مغلفة بالمأساة، هنا وباء يشلّ حركة الإنسان، الكائن الأضعف، وأنا "الج" إلى مقر فرقة الدوحة لمشاهدة بروفة للعرض، شاهدت العديد من القبور، قلت في سري "لا حول ولا قوة إلا بالله"، في أي عمل يقدمه هذا المعجون بالمسرح لابد من اكتمال عناصر العرض على أرض الواقع، لماذا؟ أنا أخمن وأعتقد أن الأمر مقصود! حتى يضع أهم عناصر المسرح وأعني الممثل في لحظة اندماج، ذلك أن المشاركين طوال فترة البروفات يعيشون لحظة التأمل اليومي.
في هذا العمل، نماذج ثلاثة، كل نموذج يجسد مأساة إنسانية.
- أم سعيد: تقع بين براثن أكثر من مأساة، الزوج الذي رحل، وها هي الآن تفقد الابن، إذًا هنا الحلم لم يكتمل، ومع هذا فإن الجدري في واقع الأمر يحصد كل الأعمار، لا فرق بين طفل وشاب وكهل، أما هي، ومع أنها تدرك أن الاقتراب من القبر فإن الفناء سوف يلحقها لا شك، وعندما يطلب منها أن تترك المكان يكون الرد، ولماذا أنت لم تهرب؟!.
- أم سعيد، تتحدى الموت، ويهرب منها الموت، هي لا تتشبث بالحياة، فما طعم الحياة بدون الأمل؟، (ابنها سعيد) الذي رحل، كان سعيد الأمل الذي ينير كل دروب الحياة لها، ومن خلال الحوار بين هذه الشخوص والمشبعة بالألغاز، ولعل اللغز الأهم ما قيمة الحياة؟ إن قيمة الحياة العلاقات الإنسانية، وعندما نفقد الأحبة فلا قيمة لوجود الفرد، وعبر حواره المتدفق فلسفة كونية بين أم سعيد والمداوي.
- المداوي: لا يزال الجدري بعيدًا عنك، فلماذا البقاء هنا؟
- أم سعيد: وماذا أفعل هناك، سعيد ينام هنا كيف أبتعد عنه؟
- المداوي: يا الله، ولكنها إرادة الله يا أم سعيد.
- أم سعيد: (تقاطعه) نعم، أعرف، أعرف (تنظر حولها) هنا أكثر سلام، أكثر هدوءا لا صراخ ولا عويل!.
إذًا الموت لا يمثل الفناء، ولكن كما تقول أم سعيد، تنتهي بالهدوء والسكون! والنوخذه المناعي في كل أعماله ذات البعد الإنساني، لا ينسى أنه شاعر، بل واحد من أبرز الشعراء صاحب المفردة الخاصة والموغلة في ضمير الأمة، هنا يحمل أم سعيد الأناشيد التي تحفر في الذاكرة تأكيد الموقف والحالة في آن واحد.
الحياة هنا في المقبرة ووسط الجثث لا تبعث الرعب في النفوس، وأم سعيد تحمل فلسفتها الخاصة، من أكله الجدري ومات كان مصابًا ولم يعد كذلك، أما أنا فمصابة وسأبقى مصابة ما بقيت أنفاسي، نعم إذا كان سعيد قد رحل بسبب الجدري وقد غاب تحت الثرى، فإن الأم المكلومة مصابها أكبر، ففي كل لحظة يعيد لذاكرتها مشاهد من ذكريات فلذة كبدها، تقول "هنا يصطاد الطيور؟ والشريط يعيد لها ما كان، هنا يلعب مع أصحابه".
ومع أن الموت يحصد الأرواح، إلا تأكيد هذا يأتي عبر جملة عابرة تحمل الفلسفة، فلسفة الموت والحياة، لا أدري لماذا تذكرت مشهد حفار القبور في رائعة شكسبير "هاملت" يقول المداوي "يزداد عدد الموتى ويقل عدد المشيعين"، في اختزال عبَّر النوخذه ما هو كائن، فلم يعد هناك أنفاس أخرى بعد أن حصد الوباء معظم الأرواح!.
إذًا نحن أمام شخصيات انسلخت عن الحياة، لأنها وجدت أن الراحة في الرحيل عن الدنيا، أم سعيد فقدت حلمها برحيل "سعيد"، أما المداوي وإن كان عبر جل حوارته مع أم سعيد فهو "اليأس في المطلق"، لا أسرة ولا أهل، هارب من قدره إلى الارتماء في حضن الموت، لعله يجد الراحة، ورحلته في إطار الهروب من واقع لا ذنب له فيه أمرّ من مأساة "أم سعيد".
هناك لعبة يمارسها "المداوي" وهو كالطير يرقص مذبوحًا من الألم، أو كما نقول في المثل الشعبي "عندي دوا الناس ما عندي دوا روحي"، لا أدري بمقدور من أن يحكم على نصوص هذا الكاتب، فهو يخلق نقلات في الحوار، كي تؤكد حالة، فالمداوي وهو يقدم نصائحه لأم سعيد بالابتعاد، لكن المرأة المكلومة في إطار الحوار، يسرد على مسامعه أمرًا آخر، "كان ذا قامة مديدة كأنه والده"، هذا الانفصال أو اللامبالاة، جزء مقصود، من قبل النوخذه بو إبراهيم.
وأنا أقرأ النص، طاف بذهني سؤال، من يحكم على نصوص هذا النوخذه عبر ما قدم من نصوص للمسرح القطري والتي تعتبر علامات فارقة، المضحك أن بعضهم لم يشاهد عروضًا تُعدّ على أصابع اليد، ولكن هذا ليس طعنًا في قدرات البعض، فلا ذنب لزيد أو عبيد في اختياره، ولكن ما يشكل نقطة سوداء ألا يكونوا مدركين أبعاد الحوار، وهذا الحوار عبر الاختزال، تقول أم سعيد "كان للأيام القادمة، عكازي في الكبر، كنت أحلم بأولاده، لكنه ذهب"، ويحتدم الحوار، حول المكان - البطل - بين كليهما حتى إن أم سعيد ترفض الهروب، فالقبر يضم جثة ابنها، وتقول "وأنا كان لي ولي ولكنه أصبح هنا"، أما المداوي، فليس له أحد في دنيا الأحياء".
المكان، البطل ولأول مرة تتحول المقبرة بوحشتها ونفور الناس منها إلى ديكور يجسد الأحداث، فإذا كان المكان يخلق الإحساس بالأحداث، فهنا المكان يجسد الصمت، ولكن الحياة من خلال فلسفة الموقف بدلالاته، يقول المداوي: "أشفقت على نفسي، ليس لي ولد أو قريب"، ويبرر وجوده في المكان، بأنه لن يكلف أحدًا شيئًا، فهو سيكون جزءًا ممن رحلوا، أما أم سعيد، فعبر حوار فلسفي تقول، "ليتني مثلك، ليس لي أحد".
هروب المداوي إلى هذا المكان، لأنه انسلخ عن الحياة عندما هرب وهنا يجد في هذه اللحظة من عمر الزمن يجد رفقاء تحت الثرى، بعد أن هجرهم، وماتوا في قلبه! هل هي ذات الفلسفة التي طرحها ذات يوم "جان بول سارتر –الجحيم هم الآخرون" وهل حقًا تلظى بجحيم الأحبة؟ مجرد سؤال!.
ولذا ففي غربته هنا يجد المواساة.
النوخذه في الانتقالات عبر محاور الحوار يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الكاتب وهو يخلق الشخوص والأحداث، كيف يجعل المتلقي في لحظة انتظار لما يأتي، تقطع أم سعيد حوارهما باسترجاع سيرة راحلها العزيز سعيد، "شغلت نفسي بالبحث عن الفتيات عمن ستكون عروسته".
ومع أن معظم الأحلام تتبخر، فإن لحظات الصمت، وتلك المواويل الشجية تشكل حقًا إطارًا تكامليًا للمشهد، والسؤال الأهم، ما الذي أضافه خروج المؤذن الأعمى من القبر؟ إنه الضلع الثالث من مأساة الإنسان، موت سعيد الركن الأول في فاجعة "أم سعيد"، ومأساة المداوي وما حدث له وجعله يهرب ويفرّ خارج "الوطن، بفعل الآخر، أما هذا الأعمى، فالمأساة تتجسد من خلال "الأهل"، إن "المجدور" وهنا يطرح المداوي سؤاله اللغز، أنت حيّ، من دفنك وأنت حيّ؟ ويكون الرد المجدور: أبنائي وأحفادي.
الآن أصبح الحوار في اللعب بالمصائر، واضحًا وصريحًا بين الثلاثة، الخوف من الوباء عند المداوي وأم سعيد، بل إن أم سعيد تهدده "أكمل حكايتك ولا تقترب أكثر"، إنها غريزة حب الحياة، بين ما كانت تتمنى في البداية والآن، قد تغير الحال.
أما المجدور فهو يقوم بتغيير الحوار عندما يتحدث عن الطريق الذي كان يسلكه عندما كان مؤذنًا وسميت "درب المؤذن" أما كيف مثل لأولاده وأحفاده دور الميت حتى يهربوا بجلدهم، حتى علقت ابنته الكبرى بالقول "الحمد لله لقد ذهب، ارتاح وأراحنا"، هذا المجدور الأعمى يرد على المداوي عندما استفسر منه لماذا لم يبق تحت الثرى كما كان فعلاً؟ فيكون الرد من قبل المؤذن الأعمى "هل تعرف مصيرك".
نعم الموت والحياة بيد الخالق، إذًا لا مفر مما هو مكتوب للإنسان ولا يموت الإنسان إلا باللحظة المحددة له، ولذا لم يجد المجدور شكلاً آخر لمساعدة أبنائه وأحفاده سوى أن يدفن وهو حيّ!.
وعندما يكاشف المداوي أن "الجدري" لن يتمكن منه للمرة الثانية بعد أن أصيب به وهو طفل وسلب منه نعمة البصر، يكون رد المجدور: بحزن "وما الفائدة الآن، لقد ذهبوا، ذهبوا"، ثم يحدد مأساة كل فرد في إيجاز أنت ودعت أرضك وحبيبك منذ زمن بعيد وهي بالأمس ودعت وحيدها، وأنا ودعتهم داعيًا الله أن ينجيهم، ولا ندري من منا سيلاقيهم أولاً.
إنها حكمة تلفظ بها الأعمى وكأنه يبصر الواقع، ويعري واقع كل فرد منهم، لأن لكل فرد مأساته الخاصة، والمكان –البطل- قد جمعت فيما بينهم لكي يسرد كل واحد منهم مأساته، وعندما تعلق أم سعيد بأنهم هناك أحياء، يقول المجدور، "وما الفرق البعيد كالميت"،
ما أروعك يا أبا إبراهيم وأنت تحلّق بالمفردة وتعيد صياغة الحكمة شعرًا ونثرًا ومن هو الأقدر على صياغة مثل هذا الحوار الفلسفي العميق والأجمل أن الثلاثة قد اجتمعوا برغبتهم، المداوي وقد هرب إلى هنا يتمنى الرحيل وحيدًا، وأم سعيد قد أتت وتحف بها حلم لن يتحقق بعد أن دفنت فلذة كبدها، والمجدور الأعمى حضر برغبته.
والملاحظ أن الحوار يأخذ منحى آخر، فكل منهم يتحدث بخلاف السياق المنطقي للحوار والمواقف، إنها عبثية الأقدار، وكأنما لغة المخاطبة مفقودة فيما بينهم.
المداوي: هل أنجبت؟
أم سعيد: ليت المنيا ما عرف درب.
المجدور: ما الوقت الآن؟
المداوي سؤاله استفساري عن زوجته التي هجرها، وأم سعيد كانت تتمنى أن يعيش (سعيد)، أما الأعمى فسؤاله العبثي عن الوقت.
هنا مقبرة، هنا جثث أسلمت القيادة للموت، وهنا حياة عبر صوت قادم يترنم بالغناء، وتؤكد أم سعيد أن الحياة لابد وأن تعود يومًا وأن الأرجل تطرق أرض الوادي مرة أخرى.
وينهمر المطر، ليغسل كل شيء كما في الحكايات الشعبية أن نزول المطر سوف ينظف الأرض من الأوبئة والأمطار، أو كما في مسرحية "عربة الصلصال الصغيرة" للكاتب الهندي شودراك، عندما ينهمر المطر فيغسل كل ما علق بالنفوس ويحدث التطهر.
النوخذه بو إبراهيم، كان غيابك فراغًا حقيقيًا في مسارنا، ذلك أن غياب الرموز موات حقيقي للإبداع، وهذه العودة حتى على استحياء من قبلهم تأكيد أن الرموز هم من يخلدون الإبداع، وأنت ستظل الرمز الأكثر تأثيرًا في حياتنا.
وأخيرًا تحية خاصة لنجوم اللعبة الفنان أحمد عفيف، وجاسم السعدي، وزينب العلي، وكل من ساهم في خوض غمار هذه التجربة بكل أبعادها.
Hassan@al-mamoon.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9363
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1998
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1119
| 06 أكتوبر 2026