رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سامي جاد الشامي

* معلم اللغة العربية - ⁠مدرسة أبو بكر الصديق

مساحة إعلانية

مقالات

291

سامي جاد الشامي

القراءة حصن الوعي في زمن الفتن

22 مايو 2026 , 02:00ص

في سكونِ الليلِ، وعلى قِمَّةِ جبلٍ موحشٍ، كان قلبٌ يتأمَّلُ، وروحٌ تتساءلُ، وعينٌ تترقَّبُ آفاقَ الغيبِ؛ هناك في غارِ حراءٍ، حيثُ يسكنُ الصمتُ ويتهيَّأُ الوجودُ لولادةِ معنى جديدٍ، لم تكن اللحظةُ عابرةً، بل كانت فجرَ تحوُّلٍ عظيمٍ في مسارِ الإنسانِ والتاريخِ.

وفجأةً انشقَّ السكونُ عن نداءِ السماءِ الخالدِ: «اقرأْ»، كلمةٌ قصيرةُ المبنى، عظيمةُ المعنى، لكنها زلزلت الوعيَ، وفتحت بوابةَ النورِ الأولى؛ ومنها خرج الإنسانُ من ظلماتِ التشتُّتِ إلى نورِ المعرفةِ، ومن ضيقِ الجهلِ إلى سعةِ الإدراكِ.

وهكذا لم تكن القراءةُ حدثًا عارضًا، بل كانت إعلانًا عن ميلادِ أمةٍ قوامُها العلمُ، وسلاحُها الفهمُ، ورسالتُها البناءُ.

ثم جاء التوجيهُ الربانيُّ: «اقرأْ باسمِ ربِّكَ الذي خلقَ»، ليؤصِّل أن القراءةَ ليست حركةَ عينٍ على سطورٍ، بل عبادةُ عقلٍ، وتزكيةُ روحٍ، وربطٌ للعلمِ بمصدرِه الأعلى؛ فتصبح المعرفةُ مسؤولةً، والوعيُ منضبطًا، والعقلُ مهتديًا لا تائهًا.

ومن هنا كان العلمُ سُلَّمَ الرفعةِ، وكانت القراءةُ مفتاحَه، والحارسَ الذي يصونُه من الانحرافِ حين تختلطُ المفاهيمُ وتضطربُ الموازينُ.

ألا ما أحوج الأمة الآن في هذا الزمان الذي تتكاثرُ فيه الشبهاتُ، وتتنازعُ فيه الأصواتُ، وتُزيَّنُ فيه الشهواتُ، أن تجعل القراءةَ الواعيةَ منهجَ حياة وضرورةً وجوديةً لا ترفًا ثقافيًّا؛ إذ بها يُمحَّصُ الخبرُ، ويُوزَنُ الرأيُ، ويُعرَفُ الحقُّ من الزيفِ.

وهي التي تُنشئ عقلًا ناقدًا لا تابعًا، وقلبًا ثابتًا لا متقلِّبًا، وشخصيةً متوازنةً لا تذوبُ في تياراتِ العولمةِ الجارفةِ.

ولذلك فإن عنايةَ الأممِ بالكتابِ ليست ترفًا حضاريًّا، بل استثمارٌ في أمنِها الفكريِّ وبقائِها الثقافيِّ؛ فالمكتباتُ مصانعُ العقولِ، والمعارضُ مواسمُ الوعيِ، والقراءةُ الجسرُ الذي تعبرُ به الأجيالُ من واقعٍ محدودٍ إلى أفقٍ أرحبَ.

إن القراءةَ ليست ملءَ وقتٍ، بل ملءَ حياةٍ، تُوسِّع المداركَ، وتُعمِّق التجاربَ، وتُهذِّب السلوكَ؛ فمن لازمها عاش وعيًا متجددًا، ومن هجرها عاش على هامشِ الفهمِ، عرضةً لكلِّ ريحٍ عابرةٍ.

فلْتكنِ القراءةُ في زمنِ الفتنِ حصنًا للوعيِ، وميزانًا للتمييزِ، وجسرًا لبقاءِ الأممِ؛ فبها تحفظُ الهويَّاتُ، وتُصانُ القيمُ، وتستمرُّ الحضاراتُ في النهوضِ مهما اشتدَّتِ العواصفُ.

 

مساحة إعلانية