رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فجّر الكاتب والمحلل السياسي المصري محمد حسنين هيكل، منذ عدة أسابيع في أحد أحاديث في قناة فضائية مصرية قضية استقلال البحرين والجزر الإماراتية، أثار الكثير من ردود الأفعال المعارضة لما قاله في هذا الحديث، والأغرب أن هذا الحديث المستفز، جاء بعد شهر، من زيارته هيكل لدولة الإمارات العربية المتحدة، وخاصة إمارة دبي، ولقاءه مع أميرها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوب، وعدد من المسؤولين! ومما قال الأستاذ/ هيكل في هذا الحديث: "إنه كان حاضراً إبان عهد نظام الرئيس جمال عبد الناصر في المفاوضات بشأن الجزر العربية المتنازع عليها مع إيران، في الوقت الذي كانت فيه دول الخليج العربي تتأهب لنيل استقلالها» مضيفا في فقرة أخرى من الحديث أن» أن العاهل السعودي الراحل الملك فيصل، كان يقود هذه المفاوضات، وأن الدول العربية قبلت بأن تكون البحرين دولة عربية رغم أن أغلبية 70% من سكانها شيعة، مقابل مبادلتها بالجزر الإماراتية الثلاثة". ثم يستطرد في هذا الحديث بقوله إن «العرب فرطوا حينها في الجزر لإيران"؟!
والحقيقة أن هذه الأقوال جديدة على أسماع المتابعين لقضية الجزر الإماراتية، وقضية استقلال مملكة البحرين، فهذا الذي يطرحه الكاتب محمد حسنين هيكل، يعيد الى الأذهان التناقضات والتقلبات في آرائه وتحليلاته التي يشوبها التزييف والتحريف، ترتقي الى الكذب الصريح منه إلى الاحتمالات والتوقعات في مناسبات كثيرة. فقضية استقلال البحرين، من المملكة المتحدة، جرى بعد ادعاء الشاه بتبعية البحرين إلى إيران، وبعد الضجة والردود العربية والدولية على هذا الادعاء الإيراني، تحّرك جلالة الملك فيصل ومجموعة من الدول العربية، باللجوء إلى الأمم المتحدة لحسم هذا الادعاء من قبل شاه إيران، وتم الاتفاق من خلال اقتراح من ممثل بريطانيا في الأمم المتحدة لتشكيل لجنة دولية لاستقصاء الحقائق تحت إشراف الأمم المتحدة، وعلى إثر ذلك، وصلت اللجنة إلى البحرين، والتقت بشعبها بفئاته المختلفة، والذي تمسك بعروبتها، وعرضت اللجنة تقريرها على مجلس الأمن بحضور الدول المعنية، حيث أكد التقرير عروبة البحرين، وأوصى باستقلالها، وقبلت إيران بتلك التوصية. وهذا تم باختيار سكان البحرين على استقلال بلدهم، كدولة عربية مستقلة، بنظامها السياسي الحالي، وهذا معروف ومنشور ومؤرخ، فمن أين جاءت هذه الفرية الهيكلية الجديدة التي قلبت الحقائق والروايات والشهادات لما جرى في قضية البحرين وعروبتها رأسا على عقب؟! وهذا الاختيار تم من قبل شعب البحرين، بغض النظر إنتماءاتهم ومذاهبهم، وما دخل المذهب بالانتماء والهوية الوطنية ؟، فسكان البحرين اختاروا أن تبقى البحرين عربية مستقلة، سواء كانوا شيعة أم سنة، وهذا حتى من العيب أن يقسم هيكل الانتماء المذهبي للبحرينيين، وكأنه ولاء لدول أخرى بحكم الالتقاء مذهبيا!! وهذا إساءة لأهل البحرين جميعهم بغض النظر عن الانتماء المذهبي لكل سكانها!!
أما قضية الجزر الإماراتية، ما أدري لماذا انقلب محمد حسنين هيكل القومي على نفسه، وأقواله وضجيجه حول الوحدة والعروبة من المحيط إلى الخليج؟ وقال أخيرا بأحقية إيران للجزر الثلاث؟ مع أن الجزر عندما كانت تحتلها بريطانيا، ضمن احتلالها للإمارات قبل انسحابها الشهير في عام 1970، لم تقل شيئا عن أحقيتها للجزر إلا بعد ظهور النفط في هذه الجزر، وانسحاب بريطانيا منها !! مع أن المنطق والعقل يؤكدان أن الحق الثابت لا يتغير، ولا يفرط فيه أو يسكت عنه ومهما كانت التحديات لأن السيادة الوطنية تتطلب ذلك وهذا ما فعلته دولة الإمارات العربية المتحدة في مطالبتها بالجزر، وكان الأجدى بإيران أن تتمسك بحقها في الجزر ـ إن كان لها حق ـ سواء في ظل الاحتلال، أو في ظل الاستقلال، لكن النفط فتح شهية الكثير من الدول في عقود مختلفة ، وبحكم أطماع الشاه، وسطوته في الهيمنة، والسيطرة على المنطقة، وبحكم علاقاته مع الغرب وتحالفاته الكبيرة معه آنذاك قبل الثورة الإسلامية الإيرانية، والحل الإيجابي لإيران ودولة الإمارات الآن لحل أزمة الجزر هو عرض القضية على التحكيم الدولي، لحل الخلاف، لتبقى حسن الجوار هو الذي يحقق الوئام بين إيران ودول الخليج. ثم الكاتب هيكل ناقض نفسه بنفسه، عندما قال إن («العرب فرّطوا حينها في الجزر لإيران)؟!
فإذا كان العرب فرطوا في الجزر، فمعنى هذا أن الجزر عربية، تتبع إماراتي الشارقة ورأس الخيمة؟ وهذا الطرح من الكاتب هيكل يبرز التناقضات والتقلبات الفكرية والسياسية في تحليلاته، وهذا ليس جديدا، فهو يفعل ذلك منذ عقود طويلة !!، ففي كتابه ( لمصر لا لعبد الناصر) الذي صدر في السبعينيات من القرن الماضي، امتدح الرئيس الراحل أنور السادات، وأنه الوحيد من بين أعضاء الضباط الأحرار الذي وقف بجوار عبدالناصر، وقال بالنص في هذا الكتاب المشار إليه إن (أنور السادات في رئاسة الدولة، وهو الوحيد من أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي بقى بجوار عبد الناصر وبالقرب منه من البداية إلى النهاية)! مضيفا في فقرات عديدة، إنه تحمل بشجاعة مسؤوليته بالمشاركة في رسم سياسة عبد الناصر إلخ: وبعد اغتيال الرئيس أنور السادات في حادث المنصة الشهير في 6 أكتوبر 1981، أصدر هيكل بعدها فترة وجيزة كتابه الشهير (خريف الغضب)، فلم يترك عيبا، أو سلبية فيه، ولم يذكر له ولا حسنة واحدة، طول حياته السياسية، حتى لون بشرة السادات لحقها الاتهام، والغمز واللمز، وهذا متوقع منه، خاصة أن أنور السادات، عندما أخرجه من عرشه في رئاسة صحيفة الأهرام المصرية العريقة، يعتبره من ألد أعدائه الذين لن ينسى لهم ما حدث له، خاصة أن أنور السادات من أجل إغاظته، عيّن بدلا منه مباشرة الأستاذ علي أمين الشقيق الأكبر للصحفي الكبير مصطفى أمين، وقصة الصراع والخلاف بين الأخوين أمين، وهيكل، معروفة لكل المتابعين لما جرى بهما بعد تأميم الصحافة المصرية، ومنها الصحف المملوكة للأخوين، بعد القرارات الاشتراكية التي أصدرها الرئيس بعد في عام وصدر الميثاق 1960. وفي عام 2010، وضمن حلقاته في قناة الجزيرة، فجّر الأستاذ هيكل، قصة غريبة ولافتة ومستفزة، اتهم فيها الراحل أنور السادات، بأنه دس السم للرئيس الراحل عبد الناصر،عندما دخل السادات (كما قال هيكل) إلى المطبخ، وجهّز قهوة عربية لعبد الناصر، وقال إن الرئيس ياسر عرفات كان حاضرا في ذلك اللقاء المسمم!! والغريب أن هيكل قال في كتابه (لمصر لا لعبد الناصر) أن عبدالناصر (كان يعرف أنه لن يعيش طويلا) وأنه بسبب ذلك (دفع عبد الناصر إلى محاولة تحقيق أكثر الكثير من المنجزات في أقل القليل من فسحة الزمن)؟!! ص 26.
والأمر اللافت أيضا أن الأستاذ/ هيكل في كتابه (الطريق إلى رمضان)، سرد قصة وفاة الرئيس عبد الناصر، وجهود الأطباء ،ومنهم (طبيبه الخاص د. صاوي حبيب، واستدعاؤه لعدد من الأطباء في محاولة لإسعافه، أنه تعرض لأزمة قلبية حادة) كما جاء في تقرير الأطباء جميعهم! والذي يبعث على الضحك والبكاء معا، أن الكاتب والمحلل السياسي الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، كشف هذا السر العظيم بعد وفاة الجميع المتهمين، والأطباء، والشهود!! وهذه فضيحة أخلاقية كبيرة، لن تنسى من التاريخ أبدا. وفي فترة الرئيس حسني مبارك ـ وأنا عشت بدايات تلك الفترة من 82/ 86، أن هيكل كان يمتدح الرئيس مبارك، ويصف لقاءه معه مع العديد من السياسيين، بعد الإفراج عنه بعد حادث المنصة، وبعد ذلك يتحدث في العديد من لقاءاته الصحفية، العلاقة الوطيدة معه، واتصاله به ،في مرضه وفي سفره الخ: وبعد ثورة 25 يناير، وتنازل مبارك عن الحكم، أصدر هيكل كتابه الشهير(مبارك وزمانه.. من المنصة إلى الميدان)، قال في عصر مبارك أكثر مما قاله مالك في الخمر وأكثر! وهذا من مصائب هذا الكاتب الذي لا يريد أن يحافظ على مكانته الصحفية الكبيرة وتاريخه الكبير، بما يقوله من معلومات، تجعل مصداقيته على المحك، وهذا ما برز في أقواله وتناقضاته الأخيرة التي أصبحت يعرفها محبوه أكثر من معارضيه.. ولله في خلقه شؤون.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9783
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3465
| 22 أكتوبر 2026