رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد أزمة جزيرة القرم والتصويت على انفصالها عن أوكرانيا، بانضمامها إلى روسيا الاتحادية، من خلال اختيار شعب إقليم القرم، ظهرت على السطح، المصالح المتعارضة بين الغرب وروسيا، وتقديمها إلى الاختيارات الشعبية، وهذا ما يفعله الاتحاد الأوروبي، من خطوات يزمع اتخاذها لمعاقبة روسيا على قبولها الاستفتاء الشعبي! وهذا ما يبرز أن نهاية الديمقراطية بدأت تظهر كما قال عنها بعض الباحثين الغربيين وأنها سوف تتقدم على الاختيارات الشعبية، ومن هؤلاء الباحث الفرنسي (ماري جيهينو) في كتابه [نهاية الديمقراطية] وخصص فصلاً كاملاً عن عصر الهيمنة العالمية. وحدد هذا الباحث في هذه النقطة بأن التطور المعرفي الجامح في هذا العصر يفوق السياسة، فالسياسة ليست المحصلة البسيطة للمصالح الخاصة بل تفترض وجود عقد اجتماعي يسبق كل العقود الخاصة ويتجاوزها. ولم تم التخلي عن تلك الفرضية وتحولت السياسة إلى سوق تتحدد فيها "قيمة" المصالح القائمة، لأصبح الحيز السياسي مهدداً في الحال بالزوال لأنه لا توجد سوق تحدد "قيمة" المصلحة الوطنية وتقرر حيز التضامن. وإذا غدا التجمع الوطني اختياراً لا أحد المسّلمات، فلن تتوفر أبداً لأي شخص إمكانات إقامة ذلك الاختيار على نفس المعايير الرشيدة التي يسترشد بها عند إدارته لمصالحه.
ومن الواضح أن أي قانون اقتصادي لا يستطيع أن يحل محل الواقع الإقليمي والتاريخي للأمة.
وتحويل الدفاع عن المصالح إلى حرفة يذيب السياسة من كثرة المواجهات الخاصة. وإذا كان الوعي بالمصير المشترك، بما يتضمنه من ذكريات وبالتالي من حوافز للانطلاق نحو المستقبل، لا يزال قائماً هنا أو هناك فهو ليس نتاج الاحتراف في مجال المصالح. فمنطق هذا الاحتراف يؤدي في الواقع إلى أقصى حدود التفتت. ففي غياب مبدأ منظم للأمور معترف به من الجميع ويعلو على المصالح الخاصة، فإن المنزلق الطبيعي لكل فرد يكون الانطلاق إلى أقصى حدّ ممكن دفاعاً عن مصالحه. فباسم أي مبدأ يمكن أن تكون هناك حدود لذلك الانطلاق؟ والواقع أن هذه المقولات تتوافق مع انبعاث هذه التوجهات الجديدة للعولمة بما تحمله من مفاهيم مغايرة للسياسة الراهنة التي تقاد من الدول الصغرى على سبيل المثال، فالتحولات المعاصرة "المرافقة لمتغيرات هذا العصر، وعقد التسعينيات تحديداً ـ وما بعدها ـ سوف تؤدي إلى نوع من القطيعة المعرفية في مجال الفكر السياسي، مع بارديم (paradigm) الحداثة "التقليدية" الذي ساد دون معارضة جدية حتى وقت قريب. ذلك الباراديم الذي يدور حول مفاهيم سياسية ولدت وترعرعت ونضجت في مرحلة التحولات الأوروبية الكبرى خلال القرون الثلاثة الماضية، والذي كان هو ذاته قطيعة معرفية مع الباراديم القروسطي. مفاهيم سياسية كثيرة سوف يعاد النظر في مضمونها بناءً على التحولات المعاصرة، لأنها أصبحت ببساطة لا تعبر عن "واقع الحال"، وبالتالي لا تشكل أساساً نظرياً لفهم تحولات هذا الواقع.
لكن الباحث محمود حيدر يرى عكس هذه المفهوم المطروح لانحسار السياسة أو إنهاء الدولة المعاصرة، ويعتقد أن الذي جعل بعض الدول تتراجع عن مكانتها سياسياً هو اختلال التوازن بين القطبين العظميين أمريكا والاتحاد السوفييتي، ولذلك استفادت الولايات المتحدة من هذا الاختلال الذي ترافق مع فوضى الجغرافيات السياسية التي رافقت انهيار المعسكر الاشتراكي، مما جعل الولايات المتحدة تبسط سيادتها على العالم، واعتبار القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً بامتياز. ولقد سعت الولايات المتحدة انطلاقاً من كونها مركز العالم المهيمن إلى تفكيك التوحيد العالمي داخل وعائها الخاص. أي ضمن عوامل الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية عن طريق سيطرتها على الشركات المتعددة الجنسيات. لكن يمكن القول إن الجيوبولتيكا الأمريكية أعطت لمفهوم السياسة بعده الأحادي على أساس هيمنة عالمية أحادية القطبية. لقد ذهب عدد من المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين إلى توصيف المجتمع الأمريكي في العصر ما بعد الصناعي بأنه مجتمع ما بعد الحداثة. فإن هذا المجتمع ـ بحسب جيمس كورث أستاذ العلوم السياسية في كلية سوارشور ـ لا يتسم بمدارس نمطية منهمكة في تعليم جماهيري وفي ثقافة قومية راقية غالباً، بل إن مجتمع ما بعد المجتمع الحديث يتسم بوسائل إعلان منظمة منهمكة في التسلية الجماهيرية في ثقافة دولية وشعبية أو متدنية عادة، إن مجتمع ما بعد العصر الحديث لا يتسم بوجود جيوش تقليدية تقوم على التجنيد الإجباري الجماهيري وتوفر الدفاع القومي، بل اتسم في البدء بوجود الأسلحة النووية التي توفر الردع الموسع لأحلاف دولية دائمة (مثلما حدث مع حلف الأطلنطي). فالعولمة بما هي أنساق فكرية وسياسية متعدد الأهداف والمرامي تسعى بقوة إلى إحلال مفاهيمها السياسية والفكرية، ولذلك سعت العولمة إلى رسم صورة نظام دولي يتجه نحو توحيد مناهجه وقيمه وأهدافه، مع طموحه في الوقت عينه إلى دمج الإنسانية كلها داخله. وبطبيعة الحال تبدو هذه العملية المستحدثة في التاريخ، بأنها تدعم فرضية "التقارب" بل وترسّخها. والواقع أنها تكشف عن العديد من أنواع التنافر وعدم الاتساق حين تحدد نطاق هذا النظام. فعندما تحثّ على استيراد نماذج غربية إلى مجتمعات الجنوب تكشف بذلك عن عدم ملاءمة هذه النماذج. وعندما تحرّض المجتمعات الطرفية على التكيّف، وتوقظ أيضاً آمال التجدد، مع المخاطر، في الوقت ذاته بخداعها. وحين تعجّل بتوحيد العالم، فإنها تحبّذ ظهور التفردات وتزيد تأكيدها وحين تمنح النظام الدولي مركزاً للسلطة مركّباً أكثر من أي وقت مضى، فإنها تتجه نحو زيادة حدة منازعاته وشدة صراعاته. وحين تسعى "العولمة" نحو وضع نهاية التاريخ، فإنها تمنحه فجأة معاني متعددة ومتناقضة. إن المجتمعات غير الغربية، ولاسيَّما منها تلك التي تنتمي ـ عرفاً ـ إلى ما يسمى العالم الثالث، فأمرها مع متناقضات "العولمة" ومفارقاتها في منتهى المرارة. فإن التوحيد المزعوم، الذي ينبغي أن يستنقذ تاريخها من "التأخر الأبدي" بدا كما لو أنه يعيد تأسيسه من جديد.
ولا شك أن تطبيق العولمة بلا محاذير أو تدرجات في تعاطيها مع الدول سياسياً سيكون له تفاعلات سلبية كبيرة على تماسك الدول ـ خاصة دول العالم الثالث التي تعاني في الأساس من الكثير من المشكلات العالقة سيما مشاكل التخلف والفقر والفساد الإداري وغيرها من المشكلات السكانية المتفاقمة منذ عقود. فقائمة "فشل شيئاً" تفقد الحكومات في أرجاء المعمورة قدرتها على أخذ زمام المبادرة في توجيه تطور أممها. فعلى كل الأصعدة يتضح للعيان الخطأ السائد في نظام التكامل العالمي: فمع أن تدفق السلع ورأس المال قد اتخذ أبعاداً عالمية، إلا أن التوجيه والرقابة ظلتا مهمة وطنية.
لقد صار الاقتصاد هو المهيمن على السياسة.
لكن هل تنجح هذه السياسة إلى موت السياسة عالمياً أو انتهاء الدولة وانحسارها وفق توجهات أحادية وقراءة كونية عامة على كل البشرية؟
وقد استطاعت أوروبا أن تقوم بأنواع من الالتفات على المشاكل والأزمات التي تعرضت لها نتيجة ذلك. منها الرضوخ لمطالب العمال في تحسين ضعيتهم وإقرار خدمات اجتماعية تخفف من وقع الأزمة.. الخ. وبذلك استطاعت أن تتكيف مع تلك الوضعية وأن تكذب ما ذهب إليه ماركس في توقعاته من حتمية انفجار تناقضات النظام الرأسمالي وقيام الاشتراكية مكانه. وليس من المستبعد كما يقول الجابري أن تقوم ردود فعل شبيهة بتلك، تخفف من أخطار العولمة وسلبياتها، وتحتفظ للدولة الوطنية بدورها في حماية مصالح أقطارها وتوجيه اقتصادها والدفاع عن مصالحها. والآراء والتصورات التي عرضنا لها هي نفسها من جملة ردود الفعل هذه. وإذا كان فيها ما ينزع نحو المبالغة فإن هذا النزوع دليل على الوعي بالمشكل المطروح وبأخطاره المحتملة. ويمكن القول إن هناك الآن وعياً متزايداً بضرورة الانتظام في مجموعات متعاونة متضامنة تدافع عن مصالحها كمجموعات وكأعضاء، ليس فقط إزاء أي طموحات هيمنة باغية، بل أيضاً من أجل توفير الشروط الضرورية للتنمية واكتساب القدرة على الصمود في عالم يبدو أن المتنافسة ستلعب فيه دوراً تتزايد أهميته وخطورته في الوقت نفسه.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12153
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10269
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3483
| 22 أكتوبر 2026