رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
*في قلب إعلام يتضارب كل يوم، ويسب بعضه بعضا بعبارات صادمة يصبح عجيباً أن تفتح التليفزيون لترى مذيعاً يفتح حواراً عن حرية التعبير! صحيح أن حرية التعبير عن الرأي أحد أهم الحقوق الإنسانية التي تكفلها الدساتير، وصحيح أن مصادرة حرية الرأي تعني التأسيس لأشكال وألوان من صنوف الاستبداد، والقهر، وصحيح أن الدساتير الوضعية تنص على مساواة الناس في الحقوق والواجبات بغض النظر عن اللون، والدين، والعرق، والجنس، والجنسية لكن ما الجديد في هذا؟ ألم يسبق الحبيب المصطفى كل تلك الدساتير بقوله الجميل "لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى؟" مؤسسا للمساواة، ألم يسبق الرسول الكريم الدستور الوضعي قبل ألف وخمسمائة عام فقال "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها؟" ألم يؤسس بمقولته هذه مادة حقوق الإنسان التي تقول الناس متساوون أمام القانون، ولا أحد فوق المساءلة؟؟ دهشت من المذيع وضيوفه الذين ظلوا يستشهدون بالدساتير الحديثة الموضوعة، ويمجدون واضيعها دون أن يتطرق المذيع، ولا ضيوفه التعبانين للمعلم الأول.. القرآن الكريم أبو كل القوانين، وللرسول القائد الذي لم يترك تشريعاً ينفع الأمة إلا وقدمه جلياً ليكون نبراساً من بعده.
ظل المذيع ساعة يلوم هو وضيوفه العالم المتخلف (يعني احنا) الدول النامية التي لا تلتزم بحرية التعبير، ولا تقتدي بالدول المتحضرة، وددت لو أمسكت بالخط لأرد على الذي أصر على أن العالم العربي يتمتع بحرية التعبير لأقول له بعد إذن حضرتك (مفيش حرية تعبير) أولاً لأن عالمنا العربي الجميل يغيب عنه أن ثمة فرقا بين حرية التعبير (وقلة الأدب) كالسب، والقذف، والتشويه، والتشهير، وإن لم تصدق مر على قنوات كثيرة لترى وتسمع كيف يسب المذيعون بعضهم بالأم، والأب، وكيف يتبادل الضيوف سباباً تخجل منه المسامع، وكله تحت (حرية التعبير) والحقيقة أن لدينا حريات كثيرة منها حرية التدوير، تدوير الحق ليكون باطلاً والعكس، وحرية التبرير لأي أخطاء مهما كانت فادحة، وحرية التقرير فيها نكتب ما نراه مناسباً لنا فقط، وحرية التغرير بالمستمع بمعلومات لا تمت للصدق بصلة نحشو بها العقول حتى الأفول، وحرية التعزير لكل من يخالفنا الرأي حتى يتوب ويقول (حقي برقبتي) وحرية التبذير لأي موارد متاحة المهم ندلع، وحرية التزوير بأقوال تناقضها الأفعال، وحريات كثيرة أخرى هي مفخرة لم يحزها الغرب، ولن يحوزها، فحقوق الطبع محفوظة، وما نملكه من حريات أصلاً خارج المنافسة.. نعم عالمنا العربي الجميل يرتع هانئاً في حريات كالمذكورة آنفاً بغض النظر عن السواد الذي تجره على الأحياء من البشر، بدفعهم لأوجاع تفترسهم جراء الاستلاب، والتهميش، والاسترقاق، والاستعباد، والقهر!! وانظر لو تكرمت لمخلفات حرية التعبير من دم وسجون مليئة.
يا حرية التعبير عذراً فأنت بعيدة كحلم.. لكننا بالتأكيد سنظل نترقب يوما تخرجين فيه من التهويم والحلم لنلمسك حقيقة، متى يكون ذلك؟ الله أعلم.
*وددت لو أقول لمذيع البرنامج أن الغرب المتمدين أباح إهانة الدين الإسلامي، والسخرية منه، بدأت الدنمارك بالإساءة للرسول الكريم، ثم النرويج، ثم تبعها آخرون تحت مسمى حرية التعبير، وكان لمنع الحجاب جولة في فرنسا، وإسبانيا، وبلجيكا، ثم لطمونا بفيلم الفتنة ليثبتوا أن القرآن وحشي، همجي، دموي، يحض على القتل والترويع، حتى الولايات المتحدة التي تتغنى بالعدل والحرية تعرف أنها تفصل قوانينها لها وأنها لا تحقق عدلا ولا تأبه بحرية تكتبها على أوراق دساتيرها، باختصار أهاننا الغرب كثيرا تحت مسمى حرية التعبير، ومازلنا نفضل الكريستال البلجيكي، والسلمون النرويجي، والزبدة الدنماركية، والعطور الفرنسية، والسياحة الإسبانية، معلش.. سنصحو يوماً .. متى.. الله أعلم!
* * * طبقات فوق الهمس
* العقل يقول: عندما تثق بأحد بشكل كامل فأنت بدون أي شك ستحصل على نتيجتين، إما صديق إنسان مدى الحياة، وإما درس لن تنساه مدى الحياة، بمناسبة الصديق يعجبني جداً تشبيه الصديق بالمصعد فهو يأخذك إلى الأعلى أو يسحبك إلى الأسفل، فلينظر كل منا أي مصعد يأخذ، الأمر يستحق التدقيق.
* أشياء كثيرة صعبة في هذه الحياة، أن يختطف الموت أحبتنا صعب، أن نفقد عضوا من أعضائنا صعب، أن نغترب حيث لا حبيب صعب.. وأن نفسخ عقد المحبة أو الوفاء صعب، لماذا صعب؟ لأن إعادة الثقة فيمن خذل وخان تكاد تكون مستحيلة، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
* ثلاثة أنواع من البشر لا يستطيعون النظر إلى عينيك مباشرة، الأول يحاول إخفاء كذبه، والثاني يحاول إخفاء حبه لك، والثالث كان يستغيبك قبل أن تدخل مجلسه فجأة.
* من كلامه الذهب.. لا تتكبر، ولا يمسنك الكبر.. كن ما تكون فاليوم تمشي وغدا مدفون!
* في كل مكان على الكوكب الموحش هناك نبلاء هوايتهم إلقاء أطواق النجاة للعالقين أو المشرفين على الغرق، غيرهم شغوفون بالفرجة على العالقين وهم يغرقون، لكن الجبار الذي أنجى يونس من قلب الحوت، وإبراهيم من النار، ونوح من الغرق ينجي برحمته العالقين ولو كره الشغوفون! أصل للكون رب اسمه الكريم.
* الحقيقة تحتاج فقط لصادق يقولها، دون خوف، ولا رتوش، ولا بوتاكس!
* أحلى هدايا الأسبوع "ورد" مع بطاقة كتبت فيها حبيبتي.. أنا لا اعترف بعيد الأم لأني أحبك كل يوم.
* * * إلى من يهمه الأمر
* إلى سعادة وزير الصحة
* سيدي شكراً كثيراً لاستماعك لشكواي بالتفصيل، ولكن حتى الآن لم تصلني نتيجة التحقيق الذي يفيد بأسباب وفاة حفيدتي، أنتظر النتيجة مع وافر شكري وتقديري لسعادتكم.
* كثيرون من ذوي المرضى يشكون من استعجال الأطباء لخروج المريض من المستشفى لإخلاء السرير، وقد يعود المريض إلى المستشفى منتكساً نتيجة التسرع في إخراجه رغم استعداد المريض لدفع رسوم الإقامة المطلوبة. أليس هناك حل لهذا الأمر؟
* تقول كلما ذهبت لمراجعة الاستشاري الذي يعرف حالتي منذ فتح الملف الخاص بي أجد غيره، وراجعت أكثر من طبيب، وفي كل مرة يسألني الطبيب الجديد عن حالتي لأحكيها مرات! هل من امكانية لعدم تغيير الاستشاري المتابع للحالة حتى تتحقق الفائدة وراحة المريض النفسية؟
* إلى سعادة وزير الأوقاف
* أسر كثيرة تجد أطفالها صعوبة في الالتحاق بمراكز تحفيظ القرآن لعدم توافر الأمكنة هل من حلول؟
* إلى إدارة حماية المستهلك
* رجاءً بعض المعلنين عن التنزيلات يضعون أسعاراً على بضائعهم أعلى مما كانت عليه قبل التنزيلات، ويخصمون منها نسبة على أنها التخفيض، متى ينتهي هذا التلاعب؟
* في جنغل زون، لعبة سيارات الأطفال مبرمجة على دقيقتين.. يعني لا يكاد الطفل يبدأ حتى يتعثر في هذا الركن أو ذاك، أو تتعطل سيارته ليدفعها الحارس وكله محسوب من الدقيقتين، السؤال هل من المعقول أن يدفع الصغار ثمن وقت لا يستمتعون به؟
حين يفقد العالم ثقته الرقمية
يدخل العالم مرحلة رقمية غير مسبوقة تتسارع فيها التحولات التقنية بصورة تعيد رسم ملامح الاقتصاد والسياسة والأمن والعلاقات... اقرأ المزيد
117
| 26 مايو 2026
في بريطانيا، هناك أشياء كثيرة لم تعد تعمل كما كانت في السابق. الاقتصاد يواجه ضغوطًا متزايدة، والخدمات العامة... اقرأ المزيد
147
| 26 مايو 2026
تسليع الانتباه.. الاقتصاد الخفي في العصر الرقمي
لم تعد الثروة في العصر الحديث تُقاس فقط بالنفط أو رأس المال أو الإنتاج الصناعي، بل أصبح “الانتباه”... اقرأ المزيد
108
| 26 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1647
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1125
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1122
| 21 مايو 2026