رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت أود الكتابة في موضوع الشورى والديمقراطية وأثرهما على الحكومات والشعوب وأدندن حول المحاسن والمساوئ فيما يتعلق بالديمقراطية حصرا، خصوصا في بلادنا العربية والإسلامية... ولكن الذي حولني إلى موضوع آخر هو ما رأيته بعيني وسمعته بأذني في قناة الجزيرة القطرية أمس وكذلك مواقع التواصل، مما أبكاني في هذا الشهر الكريم رمضان.
مع أني كنت – كبشر- أتأثر كثيرا عندما أرى وأسمع من يأمر ويقوم بالتعذيب حتى الموت في بلدنا الحبيب سوريا وكذلك ما قرأناه وتلقيناه ممن هم أكبر منا سنا أو مِن أترابنا الذين امتحنوا في بلادنا أكثر في عهد الأسدين الأب والابن خصوصا... إن كل ذي إحساس وشعور فاعل لابد له أن يألم ويألم أشد الألم لأن ما يذوقه شعب الشام على يد هؤلاء الديكتاتوريين السفاحين وبأمر من أسيادهم ليدعو إلى ضرورة المواجهة والتحدي الدائم ولاسيَّما أن السوريين أكثرية وليسوا أقلية أمام هذه العصابات الطائفية المدعومة صهيونيا وأمريكيا وروسيا وإيرانيا أما الأذناب فلا عد لهم ولا حصر... أقول: نعم لقد ذرفت دموعي غزيرة وأنا أشاهد طفلا سوريا يعذب من قبل أحد المجرمين الشبيحة بالضرب والركل حتى الموت ويأمره الجندي الإبليسي أن يقول: قل ربك بشار الأسد. فيجيب هذا الطفل المؤمن الشجاع - الذي هو وأمثاله من أكبر الحجج على المتقاعدين والناقدين: الله أكبر، الله ربي الله ربي.. هكذا وبكل صوت واضح وعال غير آبه بالتعذيب المفرط والألم المبرح حتى فارق الحياة شهيدا – رحمه الله - نحسبه عند مولاه سبحانه.
لقد ذكرني هذا الطفل المميز بعشرات اقترف اللانظام معهم ذلك وكان هناك من يبرر للظلمة وأعوانهم هذه الجرائم، بل وكان مذيع أحد البرامج في التلفزيون السوري يقول: إن الجندي يقصد بكلمة الرب المجاز كمن ينادي فلانا بأنه رب الأسرة أي صاحبها. وبشار رئيس السوريين كما يزعم هو والمذيع!.
ذكرني هذا الطفل بإخوانه الأطفال الشهداء في الشام بدءا بحمزة الخطيب – رحمه الله – وليس انتهاء بهذا الطفل لأن الطائفيين الأُجَراء في سوريا يحكمون بذلك منذ زمن بعيد. وكم نصحنا وتكلمنا حتى مع أصحاب القرار في الدول المجاورة والإسلامية ولكن دون جدوى، وذكرني مشهد الطفل، رحمه الله، بالأخ الشاب الذي حفر له ودس في التراب حتى وصل إلى رقبته وهم يجبرونه على أن يصرح بربوبية بشار الأسد، فيقول: ربي الله ربي الله، حتى استشهد - رحمه الله-.
كان هذا منذ سنتين ونصف السنة على مرور الثورة المباركة وهل ننسى الطفل السوري الذي خطفه الشيعة في لبنان وخيروه بأن يموت بأحد السكاكين وهو يصرخ ويبكي – والفيلم والصورة موثقان. وهاهم الإسلاميون اللبنانيون في "سجن رومية" يعذبون بكل شناعة وأكثرهم منذ عشر سنوات فيه ولم يبت القضاء في شأنهم فحتّامَ تعتبر لبنان ديمقراطية وحرة.
لا شك أن ما يسمى حزب الله لا تلحق زبانيته هذه الاعتقالات، لأنه في الحقيقة ينفذ أجندة الصهيونية ويدافع عنها شاء أم أبى، ليحفذ أمن على الدوام مدعوما من محاور الشر المعروفة. ولكن لن نستغرب بعد ذلك - وبعد مئات آلاف الشهداء قتلا وسحلا وإعداما بالرصاص وشنقا وانتهاكا لأعراض النساء والشباب والرجال - أن تبقى صداقة المجرمين مع بعضهم ولو اختلفوا أجناسا وبلادا. وأنا لا أعجب أبداً أن يعتقل ويوقف أخونا الإعلامي في قناة الجزيرة القطرية "أحمد منصور" في مطار برلين بألمانيا ويقاد إلى السجن... لماذا؟ أقول لكم: إن الأمر أكبر من الأخ أحمد منصور، فهي مؤامرة محكمة الحبكات والحبال ضد كل من يلهج بالإسلام دينا حركيا وفاعلا في الحياة ولا يرى انفصال السياسة عنها أبدا. وإن الإعدامات التي صدرت بحق الإخوة الأحرار في مصر وعلى رأسهم الدكتور محمد مرسي الرئيس الشرعي المدني المنتخب وكذلك الذين يقتلون في الشام والعراق واليمن وليبيا دون أحكام أصلا... إنما تصب في العبودية - الزائدة عن كاملة - للصهيونية العالمية ووراءها من وراءها من بعض حكام العرب والمسلمين الذين نكلهم إلى الله وسحقا لهم ولأفعالهم مع المنتفعين بالدرهم والدولار والمناصب. إنه يجب ألا ننسى في هذه العجالة – وكما كتب الأخ الزميل د. هيثم عياش - من ألمانيا أن المدعو "جويدو شتو لتبيرج" الذي يعمل في معهد العلوم والسياسة التابع لدائرة المخابرات والمستشارية الألمانية.
إن "شتولتبيرج" هذا، بل وأمثاله، يطالبون دوما بإعادة الشرعية للطاغية بشار الأسد وهو يحذِّر من تحرير القدس بعد تحرير الإسلاميين لدمشق. وهو الذي أعلن ترحيبه وارتياحه لانقلاب عبد الفتاح السيسي ضد الشرعية. أي أنه مع الفكرة القائلة: إنه لا بد من تدمير مصر وسوريا لترجع الصليبية إلى مواطنها الأصلية ولو بشكل آخر. إذ من المعروف تاريخيا أن الصليبيين لم يُطردوا من بلادنا إلا بعد أن توحدت جبهتا مصر وسوريا، فهما قلعتا الصمود ضد الصليبية والصهيونية ولذلك يراد إخمادهما، فجيء بحافظ وبشار في سوريا واعتبر "بيل كلينتون" الرئيس الأمريكي الأسبق أن السلطة انتقلت من الأب إلى الابن انتقالا سلسا!، أجل، من أجل ضمان أمن إسرائيل في كلتا الجبهتين وليس إلا. وها هم بعض المسؤولين الألمان الجدد بعد نجاحهم بالمناصب يتواصلون مع الحكومة السورية والمصرية ويدافعون عن إبقاء الأسد ويفتخرون بالسيسي! أنا لا أستبعد أبداً أن يكون هذا الرجل الألماني الذي قابله الأخ أحمد منصور هو من تسبب باعتقاله، خصوصا إذا أخذنا بقرينة الشجاعة التي يحملها بطرح الأسئلة، بل حتى إلى درجة إحراج الضيف في أفكاره أحيانا ولذا فعلينا أن نعرف أعداءنا ومع من نتعاون ولمن نسمح ولمن لا نسمح تحت إطار حرية التعبير المكفولة ضمن ضوابط الشريعة والقانون والعادات الحسنة. وإن لمن المعيب جدا أن نلدغ من جحر واحد عدة مرات! السيسي هو عبد لفاتحي الشر كما يقول د. هيثم عياش وهو خادم أمين لإسرائيل وأمريكا وروسيا وإيران وبعض الدول العربية التي تدعم الخائنين وتقف ضد الأحرار. وتدعم الشيعة الروافض وتنفض يديها عن السنة من أبنائها المظلومين والمثير للسخرية أن كل هذا إنما يجري باسم الديمقراطية.
ومن هنا فإنه يجب علينا أن نكافح ونكدح ونواجه باطلهم بكل سلاح وحسب الحكمة والموقف إلى أن يصل الحق إلى نصابه. وهو ما فعله الأخ منصور لدى أجوبته على القضاء الألماني الذي يوصف غالبا بالاستقلال والنزاهة ولذا لم يصدق النائب العام الألماني هذه التهم المسندة إلى منصور وأنه اختطف إنسانا في مكتب سياحة ليتعدى عليه وفعل و... وهكذا أطلق القضاء سراحه دون أي قيد وكان هذا نصرا للعرب والمسلمين وله ولقناة الجزيرة القطرية التي آلت على نفسها أن تصدع بالحق قدر الإمكان وإن كانت ليست معصومة.
وفي الختام: يجب ألا ننسى الموقف المشين لقائدة ألمانيا "أنجيلا ميركل" من السماح للديكتاتور السيسي بأن يدخل بلادها من أوسع الأبواب رغبة في أن تكون مصر سوقا للبضائع الألمانية ليبراليا على حساب المبادئ. وكذلك أن تدعم إسرائيل على حساب الحق الفلسطيني وتقول بكل وقاحة: إنها مع مطالب إسرائيل، خصوصا الأمنية ويجب الاعتراف بها كدولة يهودية!.
وإنها لا تدعم مقاطعة بضائع إسرائيل ولذا شكرها نتنياهو أيما شكر، حيث إن فعلها إنما هو لصالح المنفعة اليهودية والسورية والمصرية سواء.
ألا يكفي أن تصل ميركل إلى تل أبيب برفقة 15 وزيرا من حكومتها للاحتفال بذكرى 50 سنة على العلاقات مع إسرائيل. وقد أكدت موقفها المتفهم من هجوم العدو على غزة مؤخرا، حيث قالت: إن إسرائيل لها حق الدفاع عن نفسها، لأن حماس ذات بعد تسليحي جديد مما دعاها إلى القلق على اليهود! ولذلك فإننا لا نستغرب أن يقوم الأحرار في وجهها لمواقفها المشينة في استقبال السيسي، سواء كان على المستوى الرسمي أو الشعبي وذموها.
وقد كتب وائل قنديل الصحفي الشهير عن كيفية مكافأتها للنازية المصرية المتمثلة بالسيسي، مع أنه في البدايات كانت ألمانيا قد رفضت اعتماد سفير مصري لديها ارتبط اسمه بالثورة المضادة للشرعية. ولكنه الهوى الآن هو الذي يحكم مع أن الحق أحق أن يتبع. وإن أرباب الهوى والسلطة المزيفة والنفاق لابد أن يرحلوا مهما طال الزمن كما رحل غيرهم وتلك سنة الله في الظالمين.
وهنيئا لشعوبنا الحرة في مصر وسوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها ولأخينا أحمد منصور وكل مجاهد حر لا يخشى إلا الله وأن يذنب في حقه وحق عباده بغير حق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1575
| 04 يناير 2026
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
858
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
729
| 31 ديسمبر 2025