رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استعادة الشعب السوري لكرامته هدف جلل يهون لأجله أي ثمن يدفع
حين يبدأ الحديث عن سوريا ما بعد الأسد فلن يعني ذلك المراهنة على سقوط النظام فحسب، ولكنه يعني أيضا أن المنطقة مقبلة على زلزال من الدرجة العالية، ستجاوز أصداؤه حدود البلد ذاهبة في ذلك إلى أبعد مما يتصور كثيرون.
(1)
مشكلة النظام السوري أنه بدد رصيده وحرق أوراقه وحاصر نفسه في نهاية المطاف، وأزعم أنه طوال الأشهر الستة الماضية أعطته الأطراف الإقليمية والدولية فرصا كثيرة لكي يستعيد توازنه ويتصالح مع شعبه ويبقى على علاقاته الإيجابية مع أصدقائه. ولكنه أهدر تلك الفرص واحدة تلو الأخرى.
في الوقت الراهن فإن نيران الغضب الشعبي العارم أصبحت تعم الرقعة السورية كلها، الشرارة خرجت من درعا القريبة من الحدود الأردنية في أقصى الجنوب ووصلت إلى القامشلي على الحدود التركية في أقصى الشمال. وانتشرت من البوكمال القريبة من الحدود العراقية في الشرق وحتى اللاذقية وطرطوس المطلتين على البحر المتوسط في الغرب. وعمت نيران الغضب المدن الكبرى بما فيها حمص وحماة وأدلب ودير الزور. ووصلت إلى دمشق مقر السلطة، وحلب قلعة الصناعة والتجارة. الأمر الذي يعني أننا بصدد ثورة شعب لم يهدأ لهيبها منذ منتصف مارس الماضي، رغم جهود القمع الوحشي الذي تتعرض له جماهيره. تتحدث تلك التقارير أيضا عن أن القتلى الذين تم حصرهم تجاوزوا 2300 شخص، وأن أكثر من ثلاثة آلاف اختفوا ولم يعثر لهم على أثر. أما المعتقلون فقد تجاوز عددهم خمسة آلاف. وتوثق الصور المتوافرة على «اليوتيوب» وعلى مختلف مواقع التواصل الاجتماعي أساليب التنكيل والتعذيب والقسوة المفرطة التي لجأت إليها السلطة في إصرارها على سحق المتظاهرين، الأمر الذي نسف دعوى النظام بتحميل المسؤولية لجماعات إرهابية انشقت عنها الأرض فجأة، وظهرت في ربوع سوريا رغم القبضة المحكمة التي تخضع لها لبلاد منذ نحو أربعين عاما. في الوقت ذاته فإن استمرار تلك الأساليب نسف أيضا كل وعود السلطة بالإصلاح وأفرغها من مضمونها.
(2)
المشكلة ازدادت تعقيدا في الوقت الراهن. فلم يعد النظام قادرا بعد أكثر من خمسة أشهر على احتواء الانتفاضة وإطفاء الحريق المشتعل ــ كما أنه أغرق البلاد في بحر من الدماء بحيث لم يعد قادرا على التراجع عن أساليبه المتبعة ــ ولم تعد الجماهير مستعدة للتراجع عن مطلبها في إسقاط النظام بعد كل الثمن الذي دفعته، وبعدما سقط النظام في اختبارات الوفاء بوعود الإصلاح التي أطلقها. الأمر الذي أوصل الطرفين إلى نقطة المفاصلة التي لا رجوع عنها.
المشكلة تكمن في صلب وبنية النظام السوري المستمر منذ أكثر من أربعين عاما. إذ لا مكان ولا مجال للسياسة أو حتى السياسيين في الداخل، ومصطلح السياسة يظهر فقط في التعامل مع الخارج. أما الداخل فالسلطة تدير المجتمع بواسطة أجهزتها الأمنية ولا تسوسه. والسلطة لا تعنى سوى الرئيس والأجهزة الأمنية. أو الرئيس وسوطه إن شئت الدقة. وكل ما عدا ذلك ــ بما في ذلك حزب البعث ذاته ــ هياكل لا وجود لها على الأرض.
النظام السوري مضطر لاستخدام السياسة فقط في الخارج لأن ثمة طرفا آخر ينبغي مخاطبته والتعامل معه. وهو ليس مضطرا إلى ذلك في الداخل لأن المجتمع ملغى منه المعادلة. والتعامل معه يتم على قاعدة الإخضاع وليس الحوار، لذلك فإنه منذ تفجرت أحداث درعا في منتصف شهر مارس الماضي، فإن السلطة بأجهزتها الأمنية لم تنشغل إلا بشيء واحد هو كيفية قمع الجماهير وإسكات صوتها. وكل ما قيل عن حوار داخلي منذ ذلك الحين كان مقصودا به مخاطبة الخارج ومخادعته. فضلا عن محاولة كسب الوقت بطبيعة الحال.
كثيرون يستعيدون في الوقت الراهن أحداث التمرد في حماة عام 1982 الذي سحقته أجهزة الأسد الأب، واستخدمت في ذلك الطائرات والأسلحة الثقيلة. مما أدى إلى قتل ما بين 20 و25 ألف نسمة، كما أدى إلى تدمير أحياء بكاملها من المدينة وقد لجأ النظام هذه المرة إلى ذات الأساليب دون أن يدرك أن ما مر آنذاك يتعذر تمريره الآن. فالدنيا تغيرت والناس اختلفوا. وأساليب الاتصال ما عاد ممكنا حصارها أو منعها من فضح الجرائم وتعميمها على العالم.
(3)
الواجهة الخارجية للنظام اختلفت تماما عن صورة البيت في الداخل، فقد كسب النظام من عدة مواقف تمثلت فيما يلي: رفع لواء الممانعة في التعامل مع إسرائيل واستضافة قيادات الفصائل الفلسطينية ــ مساندة المقاومة الوطنية في لبنان ــ احتفاظه بعلاقات استراتيجية مع إيران ــ مساندته للمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي ــ انفتاحه الإيجابي على تركيا. وأيا كانت دوافعه إلى ذلك. فإن الإنصاف يقتضينا أن نسجل تلك المواقف لصالحه، رغم إدراكنا أن نظام دمشق حافظ على تهدئة الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، ولم يسمح بإطلاق رصاصة واحدة تجاهها منذ احتلال الجولان في عام 67.
لا وجه للمقارنة بين إيجابية الصورة من الخارج وقبحها في الداخل. والأولى لا تبرر ولا تعوض الثانية بأي حال.
بهذه المناسبة فإن أبواق النظام تروج منذ بدأت الانتفاضة الشعبية لمقولة إن سوريا مستهدفة وأنها تتعرض لمؤامرات عدة من الخارج. وهذا صحيح بصورة نسبية، إلا أن الذين استهدفوا النظام لم تكن تقلقهم على الإطلاق سياسته الداخلية، فقد كانوا من أكبر أعوان وحلفاء المستبدين في مصر وتونس. ولكنهم أرادوا من النظام أن يغير من سياساته الخارجية خصوصا ما تعلق منها بالتحالف مع إيران ودعم حزب الله في لبنان. بالتالي فلا علاقة بين استهداف الخارج وبين تحرك الجماهير ضد النظام. بل قد أزعم أن ذلك التحرك قد يقلق المتآمرين عليه بأكثر مما يريحهم أو يطمئنهم، لأن المشاعر الوطنية والعروبية المتجذرة لدى الشعب السوري ونخبه الواعية قد تستدعي بديلا ديموقراطيا للنظام القائم يكون أكثر التزاما بالمواقف القومية وأشد إخلاصا لقضية العرب المركزية.
(4)
لا تزال الدبابات تقتحم المدن، في حين أن المتظاهرين المطالبين بإسقاط النظام صامدون في الشوارع، غير آبهين بزخَّات الرصاص الموجه صوب صدورهم العارية. وإزاء استمرار ضغوط الداخل والخارج المتزايدة فليس مستبعدا أن يلجأ النظام إلى إشعال نار الحرب الأهلية بين الأقلية العلوية القابضة على زمام السلطة وبين الأغلبية السنية. وهناك من يراهن على قدرة السلطة على سحق الجماهير الغاضبة في نهاية المطاف وإقامة نظام أكثر بوليسية وأشد مذهبية، لكن كثيرين يرون أن الدماء الغزيرة التي سالت والمعاملة الوحشية التي تتلقاها الجماهير الغاضبة على أيدي شبيحة النظام وجلاديه تجعل استمرار التعايش مستحيلا بين السلطة والمجتمع. من ثَمَّ فإنهم يرجحون احتمال سقوط النظام.
إذا جاز لنا أن نلخص الخيارات المطروحة فستبدو الآن كالتالي: إذا استمر النظام فستكون تلك كارثة سيدفع ثمنها الشعب السوري، أما إذا سقط فسنكون بصدد كارثة أخرى قد تؤدي إلى قلب سوريا ذاتها وقلب الموازين في المنطقة. ومضمون الكارثة الأولى يمكن تخيله بحسبانه استرجاعا وتعميما لمذبحة حماة. أما الكارثة الثانية فهي تحتاج إلى بعض التفصيل.
فنحن لا نعرف إلى أي مدى ستتورط الطائفة العلوية في تأييد النظام. وبالتالي لا نعرف حجم الثارات التي سيرتبها ذلك بين العلويين والسنة. بذات القدر فثمة أسئلة لابد أن تثار حول مصير الفصائل الفلسطينية المستقرة في دمشق والتي استجابت لضغوط النظام واصطفت إلى جانبه ضد الشعب السوري.
وفي ظل الاحتقان الحاصل في لبنان بين فريقي 14 و8 مارس، وحزب الله الذي أعلن وقوفه إلى جانب النظام السوري يشكل القاعدة الأساسية لفريق 8 مارس، فإن سقوط نظام دمشق سيحرم حزب الله من حليف وداعم أساسي، وبالتالي سيضعفه في مواجهة الفريق الآخر، الأمر الذي يهيئ مناخا لتفجير الموقف الداخلي في لبنان. ذلك أن فريق 14 مارس الذي يقوده سعد الحريري المؤيد غربيا والمدعوم من قبل معسكر الاعتدال العربي، سيجد الظرف مواتيا لتشديد انقضاضه على حزب الله، الذي يواجه موقفا حرجا الآن بعد توجيه الاتهام إلى أربعة من أعضائه في قضية مقتل رفيق الحريري.
وإذا لاحظت أن إيران تقف بقوة إلى جانب النظام السوري، وأن هذه المساندة استتبعت تأييدا واسعا له من جانب أغلب الشيعة فإن سقوط نظام دمشق سوف يؤدي مباشرة إلى فض تحالفه الاستراتيجي مع طهران، وهو ما سيرتب نتيجتين إحداهما إضعاف موقف إيران وزيادة عزلتها بصورة نسبية، والثانية إضعاف موقف حزب الله. وإذا ما حدث ذلك فإنه سيشكل فرصة قد تغري إسرائيل بأن توجه ضربتها العسكرية لإجهاض المشروع النووي الإيراني. ومعلوم أن تماسك المثلث ثلاثي الأضلاع الذي يضم سوريا وإيران وحزب الله، يشكل أحد المعوقات الأساسية التي حالت دون إقدام إسرائيل على تلك الخطوة طوال السنوات الثلاثة الأخيرة، ذلك أن إسرائيل ظلت طول الوقت تتحسب لرد الفعل الذي يمكن أن يصدر عن حزب الله بوجه أخص إذا ما شنت ذلك الهجوم.
أصداء السقوط المفترض ستسمع في العراق أيضا. ذلك أنه إذا ما أصبح الشيعة في الموقف الأضعف، بعد إنهاء التحالف الاستراتيجي لإيران مع سوريا في ظل إضعاف دور حزب الله وحصاره، فإن ذلك سيخل بموازين القوى داخل العراق، ومن ثم سيغل يد إيران فيها، الأمر الذي قد يقوى من ساعد أهل السنة وينعش تطلعهم إلى زيادة حصتهم وتحسين أوضاعهم. وهو ما قد يجدد الصراع في الساحة العراقية.
تركيا لن تكون بعيدة عن أصداء السقوط. ذلك أن النقد العلني الذي وجهته أنقرة لممارسات النظام السوري لم يؤد فقط إلى توتير العلاقة مع دمشق، وإنما دفع الأخيرة إلى استخدام ورقة الأكراد للضغط على النظام التركي وإزعاجه. ومعلوم أن ثمة أكرادا يعيشون في سوريا. كما أن بعض عناصر حزب العمال الكردستاني المناوئ لتركيا لا تزال تحتمي بالتراب السوري. وفي كل الأحوال فإن أنقرة لن تقف متفرجة لأنها تعتبر أن أي اضطرابات تحدث في سوريا، التي تشترك معها في حدود بطول نحو 800 كيلومتر، تمس أمنها القومي، ولابد من التعامل معها بما يحمى المصالح التركية.
وبقدر ما إن روسيا ستعتبر أن سقوط النظام السوري يعني اختفاء آخر حليف باق لها في العالم العربي، فإن ممثلي الدول الغربية الكبرى النشطين والمتربصين في لبنان سوف يرون في ذلك السقوط فرصة ذهبية تتيح لهم المضي قدما لتحقيق مخططاتهم التي تستهدف إعادة رسم خريطة لبنان السياسية والمنطقة العربية.
لا نستطيع حصر كل أصداء سقوط نظام دمشق، ولكننا نستطيع أن نؤكد شيئا واحدا هو أن استعادة الشعب السوري لكرامته وكبريائه هدف جلل، يهون لأجله أي ثمن يدفع، خصوصا أنهم لم يترددوا في دفع مقدم ذلك الثمن من دمائهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8916
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4839
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026