رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد السيل الجرار من المقالات التحليلية التي تناولت المشهد السوري بمختلف أبعاده ورؤاه المتعددة والمعقدة، وبعد بحور الأحاديث الإذاعية والفضائية المتلفزة حول هذا الموضوع ومن شخصيات مشهود لها بالعلم والتجربة والخبرة والدراسة والتمكن أصبح الكثيرون في العالم يذهبون إلى أنه من غير المعقول ولا المقبول ولا المنطقي بحال من الأحوال أن يستمر هذا اللانظام السوري في وحشيته الاستثنائية ضد الشعب على هذا النحو. فلا تزال كل يوم تدمي القلوب المشاهد التي تدق قلوبنا قبل أنظارنا والتي تتركز - وبشكل سافر- على الأسواق والمدارس والمشافي وأماكن تجمع المدنيين - كما حدث - يوم الإثنين الماضي في قصف حي الشعار الكبير في حلب بصاروخ على السوق الذي يشغله الناس وفي ساعة الذروة- مما أوقع 32 شهيدا وعشرات الجرحى وما يحدث في الغوطة الشرقية خصوصا ودرعا لا يزال مؤذيا جدا خصوصا للأطفال الذين قضوا هناك كما قضى من كان قبلهم منذ خمس سنوات تقريبا. ولذلك وجدنا الكلام - الذي أصبح للاستهلاك ليس إلا – من محققة أممية تقول: إن العدالة ستلاحق بشار الأسد حتى لو بقي في السلطة. ومن أخرى تقول: إن الأسد سوف يلاقي المصير نفسه الذي حل بـ"ميلوسوفيتش". وثالثة تصرح أنه على أوروبا العمل لإنشاء محكمة دولية خاصة بالجرائم في سوريا. إن كل هذا - إضافة لما صرح ولا يزال به الرئيس الأمريكي باراك أوباما من أن الأسد فقد شرعيته ويجب أن يرحل وهو ما تلقفه وزير خارجيته عنه ومئات التأكيدات اللفظية خصوصا ممن يسمون أنفسهم أصدقاء سوريا أي الشعب السوري – كلها باتت لا تسمن ولا تغني من جوع، وبات التحليل الذي يركن إليه الكثيرون ونحن منهم. أنه من المستحيل - لو كان الأمر طبيعيا – أن يمر المشهد هكذا ولقرابة خمس سنوات من الموت والدمار لولا أن ثمة مؤامرة كبيرة دبرت منذ نشوب الثورة السورية ونحن نرى أن زعيمتها إسرائيل الصهيونية التي لها ألف وجه ووجه في التعاطي مع أحداث سوريا وأن من مصلحتها أن يستمر القتل والسجن والتشريد والتهجير إلى ما لا نهاية حتى تتحقق أهدافها المرسومة والتي تعرفها أمريكا وروسيا وإيران بحذافيرها ولذلك فإنهم يعملون على تنفيذها دون أي حساب للوم أخلاقي أو قيمي وهم متفقون تماما مع مجلس الأمن والأمم المتحدة على إخراج هذه المسرحية بهذا الشكل دون تحفظ لأنه إذا انهارت جبهات مصر وسورية والعراق فستبقى الصهيونية طليقة ليس في فلسطين فحسب بل في العالم جميعه كأفعى يجري سمها في كل مكان ولا تنس معي كيف زار وزير الدفاع الصهيوني العام الماضي أوباما مرتين وثناه عن تزويد المعارضة السورية بأي شكل من السلاح النوعي ضد الأسد وشبيحته والداعمين له من المليشيات الشيعية من كل أطراف الدنيا -وهذا إن كان صحيحا - وقد تأكدت هذه المناظر المقززة أكثر وأكثر بعد الاتفاق النووي مع إيران. ونحن نسأل – في هذا الغضون – لو كانت هذه الحرب تدور في إسرائيل ويتضرر بها حتى لو كان القليل من الصهاينة – هل تستمر إلا أقل القليل من الوقت؟ ومهما كانت الأسباب الجيوسياسية والعقبات والعقد المتشابكة! لكن الحقيقة أنه ليس هناك أي تفاهم دولي – وهذا بإرادتهم وعن سابق إصرار – لأي حل في البلاد طالما أن أكثر ضحاياهم من العرب والمسلمين السنة ونذكر هنا بقول الله تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ......) البقرة: 120. ولماذا يهرع هذه الأيام "نتنياهو" نفسه وهو رئيس وزراء الصهاينة للسفر إلى روسيا لمقابلة "بوتين" ويتحدث فيما رشح من أخبار عن تجنب أي مواجهة عسكرية مع روسيا في سوريا وعن أمور أخرى سرية هي المقصودة وهي التي تنبئ بأن هذا الثلاثي إسرائيل وروسيا وأمريكا هي الجهات المرابطة تماما وراء هذا التدخل وأن إيران تجري في خدمة هؤلاء الأسياد ليس إلا. وأنها إذ لم تحرز أي تقدم ملموس ضد الثورة بل كان العكس هو الصحيح. كان لابد لروسيا أن تتدخل كمحتل اعتاد الاحتلال قديما - كما هو معروف - وحديثا عندما قضم بعض "جورجيا" وجزيرة "القرم" وأحدث المشكلة "الأوكرانية". وهي الآن بعد العزلة شبه الدولية ضدها كان لابد من التآمر المسبق مع الصهاينة وإيران وأمريكا لتنفيذ هذه المهمة ليعود لها ذكرها في حلبة الصراع السياسي والعسكري وطبخت المسرحية التي لم يغب عن معرفتها حتى الطفل الصغير إذ تراجعت أمريكا ظاهريا – بينما هو الموقف الحقيقي لها – تجاه السفاح الأسد الذي أعطوه الضوء الأخضر منذ بداية الأحداث أن يحقق لهم ما يصبون إليه وهم بدورهم يحققون له تمنياته بالسلطة وأنه كأداة وصنيعة لابد أن يبذل كل الجهود المطلوبة. لذلك تراه يرمي ويقصف ويفعل ما بداله دون حسيب أو رقيب وكأنه الآمر الناهي والكل يدعي أنه متشبث بالحكم. وماذا علينا أن نفعل!. وروسيا التي أوفدت منذ مطلع الثورة سفيرها في لبنان إلى حسن نصر الله وتحادثوا في المبادئ والمآلات تجد نفسها الآن وبعد انهزام شريكها وحليفها وحليف الغرب لابد أن تتدخل لإنقاذه ففي إنقاذه إنقاذ لإسرائيل التي تصر عليه والتي قال" بوتين" أثناء زيارته الأخيرة لها: إن علاقتنا مع اليهود علاقات لن يستطيع أحد أن يقطعها"! ولكن أسود سوريا قد بدأوا التحضير وأهدوا بوتن يوم الإثنين الماضي بداية قصف السفارة الروسية في دمشق بقذائف الهاون إضافة إلى قتل جنديين روسيين في الساحل. وإن بوتن لن يستطيع – حتى على المدى البعيد – من أجل إنقاذ الأسد أن يحقق ما يصبو إليه وسوف يقول _ إن شاء الله _ كما قال "جورباتشوف" في هزيمة الروس في أفغانستان:-"إن تدخلنا في أفغانستان لم يكن خطأ بل كان خطيئة"! فعلى علماء الإسلام – خصوصا في روسيا والبلاد الإسلامية- أن يحضوا كل مسلم للوقوف ضد هذا الاحتلال الروسي المجرم البغيض فقد غدا الأمر أوضح من الشمس في رابعة النهار. وذلك قبل أن يقتل مئات الآلاف على أيدي الروس ويعيدون ذكرى مأساة حماة 1982حين قال خبراؤهم لحافظ الأسد. إذا قتل منكم واحد فاقتلوا ألفا منهم! إن العلويين أنفسهم أصبحوا يكرهون الأسد ويلقبونه دوما بالأهبل الذي دمرهم فهل تستطيع روسيا أن تنقذه لإنشاء سوريا المفيدة مهما أسست الآن من مطارات وأرسلت أسلحة نوعية هي على حد تعبير وزير الخارجية السوري "وليد المعلّم": ستقلب الطاولة! ولكن سينقلب السحر على الساحر حتى لو شاركت إسرائيل فعليا روسيا كما نقل الخبراء. وإنه من الأفضل بألف مرة لأوروبا – لو صدقت – أن توقف الحرب السورية وتحل أزمة الشعب – بدل أن يندب الأكثرون فيها حظهم من المهاجرين وسيبقى أبطالنا في سوريا يرددون: إن المتفائل يجعل الصعاب فرصا تغتنم.
خيمة على حافة العاصفة
ذات ليلة غبراء، دويُّ الرعد يحاصرني، ووميض البرق يلاحقني، يخترق مسامات خيمتي الصغيرة يجتز أواصرها، ويهدد أركانها. تهتز... اقرأ المزيد
99
| 27 مارس 2026
حياة مؤجلة إلى إشعارٍ آخر
في مكانٍ غير مرئي داخل كل واحدٍ منا، توجد غرفة انتظار واسعة، مقاعدها مصفوفة بعناية، وساعتها لا تُصدر... اقرأ المزيد
180
| 27 مارس 2026
يا أهل قطر.. «لن تراعوا»
أمام أمواج الاضطرابات التي يموج بها عالمنا اليوم، ما الذي يجعل بلداً كقطر يواجه التحديات بقلبٍ مطمئن ويقين... اقرأ المزيد
189
| 27 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3927
| 22 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2034
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1806
| 24 مارس 2026