رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم رواج كثير من المصطلحات المعلوماتية في حياتنا، ومن بينها مجتمع المعلومات، فإنها لا تزال غير واضحة المعالم بشكل عام وغير متفق عليها، بل وتعاني من تعدد المفاهيم أحياناً. وبشكل عام فإن لمجتمع المعلومات صفات عامة أولية عديدة، في حين أن الاختلافات تأتي من اختلاف الرؤى المستقبلية والمصالح السياسية والاقتصادية. وهكذا فإن ما يميز مجتمع المعلومات بشكل أساس هو وجود المعلومات المتوافرة بشكل دائم وكبير جداً وهو ما نسميه عادة بالانفجار المعلوماتي والتراكم المعرفي. ويرافق ذلك وجود إمكانات واسعة لتنظيم هذه المعلومات والسيطرة عليها واستخدامها بواسطة تكنولوجيا المعلومات من جهة، ووجود إمكانات نشرها وتبادلها بحرية وسهولة وسرعة بواسطة شبكات اتصال عالمية متعددة ومفتوحة من جهة أخرى.
وانطلاقاً من أهمية بناء مجتمع المعلومات، اجتمع 54 رئيس دولة و83 رئيس حكومة ودبلوماسيون ووكالات الأمم المتحدة وممثلون عن منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في ديسمبر 2003 في المرحلة الأولى من القمة العالمية لمجتمع المعلومات. وصدر عن القمة إعلان مبادئ بعنوان: "بناء مجتمع المعلومات: التحدي العالمي في الألفية الجديدة، وخطة تنفيذية ترتكز عليه وترجمه إلى خطة عمل تنفيذية ذات مهلة زمنية محددة.
ولقد فرضت التحولات الجديدة في مجال المعلومات والمعلوماتية استخدام مفاهيم معاصرة أخرى مثل عصر المعلومات، وثورة المعلومات، ومجتمع المعلومات. أما ظاهرة المعلومات في واقعنا المعاصر الذي نعيش، فقد أصبحت أمراً لابد من التعايش معه والانتباه إلى تفاعلاته المختلفة ومردوداته على مختلف جوانب الحياة المعاصرة، سواء على مستوى الكم الهائل من المعلومات المنتجة التي تبث عبر الوسائط والتكنولوجيا المختلفة من مختلف مناطق العالم، أو من حيث الأشكال المختلفة لهذه المعلومات(المقروءة، والمسموعة والمرئية) وفي مختلف الموضوعات. وقد جاءت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتأمين إمكانية السيطرة على هذا الكم الهائل من المعلومات وتهيئتها لمجتمع المعلومات بالسرعة والدقة والشمولية التي يتطلبها عصر المعلومات.
وتعد المعلومات من أهم مكونات الحياة المعاصرة بل إنها تشكل عنصر التحدي لكل فرد في المجتمع لارتباطها في طل المجالات والنشاطات البشرية وتعتبر المعلومات من المصادر القومية المؤثرة في تطور الدول ونمو المجتمعات حتى أن الدول المتقدمة تعتبرها كالمصادر الطبيعية الأخرى من حيث الأهمية وإمكانية مساهمتها في زيادة الدخل القومي لأي بلد.
ولقد أدت ثورة المعلومات إلى ظهور أنماط جديدة من التحديات الأمنية. ولقد ظهرت تحديات جديدة للأمن بمفهومه التقليدي،هذه التحديات تتعلق بالاستعدادات اللازمة للتعامل مع المستجدات والمهددات الأمنية. ففي السابق يمكن للدولة إغلاق حدودها والتشويش على جيرانها وعدم استقبال بثهم التلفزيوني، ومنع الاتصالات معهم.
وكانت غالبية المهددات الخارجية تأتي من الجيران لخلافات حدودية، أو أطماع في المصادر الوطنية، أو بسب تحالفات عسكرية معينة، أما في المجتمع المعلوماتي لم يعد بالضرورة أن تكون الدول متجاورة لكي تهدد بعضها أمنياً، فتطور نظم السلاح الذي مكنه من الوصول لمسافات بعيدة، واستخدام تقنيات بسيطة لتدمير البناء المعلوماتي للدولة وتخريب نظمها الإدارية، والعسكرية، قد جعل حرب المعلومات حرب الجميع، وإن جيشها جيش الجميع صغاراً وكباراً، هواة أو قراصنة ومتلصصين، أفراداً وجماعات.. إلخ.
ويمكن القول أن النتاج الفكري الأجنبي، وبخاصة في اللغة الإنجليزية، يحفل بالكثير من البحوث والدراسات والمقالات حول موضوع مجتمع المعلومات، سواء في أدبيات علم المكتبات والمعلومات أو الاقتصاد أو الحاسوب أو العلوم الإدارية وغيرها. أما الحديث عن مجتمع المعلومات في النتاج الفكري العربي فلا يزال نادراً وحديث العهد،
ومن هنا تأتي أهمية كتاب: "مجتمع المعلومات والواقع العربي " من تأليف د. ربحي مصطفى عليان، الذي صدر مؤخراً عن دار جرير للنشر والتوزيع – عمان، ويهدف الكتاب إلى تقديم موضوع مجتمع المعلومات من كافة جوانبه إلى الباحثين والمتخصصين العرب وطلبة علوم المكتبات والمعلومات في البلاد العربية.
ويضم الكتاب تسعة فصول تعالج موضوع مجتمع المعلومات من خلال مفهومه تاريخه، سماته وخصائصه والواقع العربي في مجال المعلومات المعلوماتية، مؤشرات انتقال الدول العربية إلى مجتمع المعلومات، المتخصصون في علم المكتبات والمعلومات ودورهم في مجتمع المعلومات، وتوصيات لانتقال المجتمع العربي إلى مجتمع المعلومات. كما يضم الكتاب بعض الملاحق وقائمة مصادر عربية وإنجليزية وجاء الكتاب في 303 صفحة من القطع المتوسط.
وقد بدأ المؤلف كتابه بفصل عن مفهوم مجتمع المعلومات وتعريفاته المختلفة وجاء الفصل الثاني لرصد التصور التاريخي لمجتمع المعلومات والمراحل التاريخية التي مر بها، وفي الفصل تحدث عن مجتمع المعلومات (الخلفية النظرية)، فقد أصبحت المعلومات في هذا العصر بمثابة سلعة تسوق، وأصبحت مورداً أساسياً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والسياسية والعلمية والثقافية. وكنتيجة لذلك، حدث نمو كبير في المجتمعات المعتمدة على المعلومات، بل وتحولت المجتمعات الصناعية إلى مجتمعات معلومات، وأصبحت المعلومات هي المواد الأولية لهذه المجتمعات، مثلما كان الفحم والحديد من المواد الأولية للمجتمعات الصناعية.
ويمكن القول إن الأمن في المجتمع المعلوماتي ما هو إلا نتيجة طبيعية لتطور بنى المجتمع وانتقالها من مجتمع صناعي إلى مجتمع معلوماتي. وانتقال أساس القوة من الأرض (المجتمع الزراعي) إلى الآلة (في المجتمع الصناعي) إلى المعلومات (في المجتمع المعلوماتي)، إلا أنه يمكن القول إن سرعة انتقال التقنيات بين الدول، وتوافر البنية التحتية المعلوماتية الأساسية قد سرّع في انتقال المجتمعات النامية إلى المجتمع المعلوماتي رغم أنها غير منتجة تقنياً لهذه المعدات، ومتخلفة معلوماتياً.
وعن سمات وخصائص مجتمع المعلومات خصص المؤلف الفصل الرابع، فلكل نمط من المجتمعات خصائصه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي تميزه عن غيره من المجتمعات، فللمجتمعات الزراعية خصائصها، وللمجتمعات الصناعية خصائصها، ولمجتمع المعلومات خصائصه أيضاً.
وتمثل خصائص مجتمع المعلومات معايير أو قياسات يمكن من خلالها التنبؤ بدخول المجتمع، أو تحوله، أو تطوره إلى مجتمع المعلومات. ويمكن النظر إلى تكوين البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات ومدى نضوج هذه البنية كمؤشر على كون المجتمع مجتمع معلومات.
ومن أساليب القياس التي يمكن استخدامها: عدد الحواسيب، عدد الخادمات للإنترنت وعدد المشتركين، أمية الحاسوب، نسبة مساهمة المعلومات في إجمالي الدخل القومي، ونسبة العمالة في مجال تكنولوجيا المعلومات، وغيرها.
وبعد الاطلاع على النتاج الفكري المتعلق بمجتمع المعلومات يمكن أن تستخلص المؤشرات أو الخصائص التالية لمجتمع المعلومات:
1- التحول من اقتصاد الصناعات إلى اقتصاد المعلومات.
2- التحول من الاقتصاد الوطني أو القومي إلى الاقتصاد العالمي الشامل أو المتكامل.
3- التحول من إنتاج البضائع والسلع المصنعة إلى إنتاج المعلومات.
4- التحول من استخدام القوة الجسمية إلى القوة العقلية أو الذهنية.
5- ظهور المعلومات كمصدر ومورد أساس ورئيس للاقتصاد بعد أن كانت عنصراً ثانويا في الاقتصاد الصناعي.
6- ظهور شبكات المعلومات والاتصالات البعيدة على المستوى العالمي لتلبية احتياجات الأفراد من المعلومات بسرعة أكثر وتكلفة أقل.
7- انتشار تكنولوجيا المعلومات المتقدمة ووسائل الاتصالات البعيدة بشكل مكثف واستخدامها في المؤسسات العامة والخاصة والمدارس والمنازل لتحقيق أهداف وغايات اجتماعية وسياسية وثقافية وغيرها.
8- ظهور مبدأ المشاركة في اتخاذ القرارات (الديمقراطية المباشرة) نتيجة التدفق الحر للمعلومات.
9- ظهور مبدأ المنتج- المستهلك.
10- الانتقال من المركزية إلى اللامركزية.
11- الاعتراف بدور المعلومات كعنصر هام وحيوي في تقوية المبادئ والقيم الثقافية للمجتمع ودورها في عملية التطوير والتنمية.
12- اعتبار التعليم عملية استثمار إستراتيجية وقوة تطويرية هامة في مجتمع المعلومات.
وينتقل بنا المؤلف إلى الفصل الخامس والذي يعتبر من أهم فصول الكتاب لأنه يتناول الواقع العربي في مجال المعلومات والمعلوماتية، فيبدو واضحاً أن العالم العربي لم يستعد بعد للدخول في مجتمع المعلومات رغم انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وصناعة المعلومات في بعض الدول العربية، إلا أنها ما زالت في مرحلة البداية. ويعود ذلك بشكل رئيس إلى ضعف الهياكل الأساسية لتكنولوجيا المعلومات وشبكات الاتصالات وضعف القوى البشرية العاملة في هذه المجالات، وغياب السياسات الوطنية للمعلومات.
أما عن الوضع العربي الراهن في مجال المعلومات والمعلوماتية فمما لا يقبل الجدال أن العرب خلال حقبة تاريخية سالفة شيدوا حضارة عريقة بلغ صيتها كافة أصقاع المعمورة، اعترف بها الأعداء قبل الأصدقاء، شكلت اللبنة الأولى وحجر الأساس لتقدم الغرب وازدهاره الحالي، وإنه لا يضاهي عظمة تلك الحضارة إلا براعة أصحابها في تحطيمها والعمل على تقويض أركانها على مر العصور، فالمسافة تتسع وتنظيم المجتمع يتعقد ومتطلبات السياسة العالمية تتشابك، ويضيق على العرب شيئاً فشيئاً بحكم تصارع القوى، ويمكن إجمال تلك المؤشرات فيما يلي:
* غياب الروح العلمية ويتجلى ذلك في مظاهر ومواقف اجتماعية عديدة مثل انعدام الثقة في البحث العلمين وجدوى الحلول العلمية، عدم تقدير العلماء، وانقطاع معظم المتعلمين عن تحصيل العلم بمجرد تخرجهم أو حصولهم على شهادات علمية.
* قتل الروح الابتكارية لدى النشء من خلال نظام تعليمي تلقيني يثبط همم المبتكرين والمبدعين.
* تخلف أو قصور خدمات المعلومات، ونفور أصحاب القرار من استغلالها عند اتخاذ القرارات التي تأتي ارتجالية.
* عدم التناسق وانفصام عرى التكامل الثقافي بين التخصصات العلمية والفنية والتخصصات في العلوم الإنسانية والاجتماعية مما يترتب عنه تعذر إجراء دراسات متعددة التخصصات وظاهرة غزو الفضاء الإليكتروني جديرة بأن تدرس من طرف لفيف من المتخصصين في مجالات شتى لوضع تصور مجتمعي متكامل.
* عدم تجاوب نظم التعليم الرسمي مع متطلبات الأجيال القادمة مع ضعف فادح في البنى الأساسية لنظم المعلومات لافتقادنا لسياسات وطنية في المجال، أضف عليه ضعف التكامل العربي.
* ضعف النشر عموماً والنشر العلمي خصوصاً، وبطء حركة الترجمة.
* الاعتماد على الخبرة الأجنبية في كثير من مشاريع نظم المعلومات العربية سواء في التصميم أو التطوير أو التشغيل.
* قصور وانخفاض في البحوث الأساسية والتطبيقية في كل العلوم ومنها مجال المعلومات وهي ناجمة عن التبعية العلمية والتكنولوجية، وضعف الميزانيات المخصصة للبحث العلمي.
* تقليص تعليم اللغات الأجنبية في كثير من الدول العربية.
* عدم توفر قدراً من الانسجام والوحدة في المنظومة التربوية للدول العربية مما يجعله يكرس ظاهرة انفصام الشخصية الثقافية وازدواجها، مع اعتماد أسلوب التلقين الشخصية مناهج تجاوزها العصر، فالتعليم يقوم في الغالب على اجترار المعارف القديمة التي تتناقل عبر الأجيال نظراً لركود الإنتاج العلمي العربي واستحالة الوصول لمصادر المعلومات الأجنبية.
* انقطاع الصلة بين الفرد العربي وبين المجتمع على مستوى الدراسة والبحث، كما على مستوى الإبداع مما يؤدي حتماً إلى غياب المعرفة بواقع المجتمع العربي وإمكانات تقديم حلول لمشاكله.
* عدم استيعاب المؤسسات التعليمية في الأقطار العربية جميع الأطفال في سن التدريس، مما يزيد معدل الأمية، علاوة على جيوش المتسربين والمنقطعين مما يضخم من حجم الجيوش الأمية. مما يؤدي قطعاً إلى ضيق قاعدة هرم النخبة المثقفة غداً، وبالتالي ضيق دائرة النشاط الثقافي وطفوها على سطح المجتمع مما يكرس ويعمق الانفصال والانقطاع بين المجتمع والفكر ويقلل من فرص ظهور طاقات فكرية خلاقة.
* الاستيراد المفرط للتكنولوجيات المطبقة في الخارج في شتى المجالات والتي يعتقد أن لها تأثيراً أسرع على إحداث التطور والتنمية وهو أمر من شأنه إهدار جدوى الجهود المحلية التي تبذل في مجال البحوث وتصبح خياراً باهظ الثمن فوق طاقة البلدان، وما أشبه اليوم بالبارحة حينما عمدت دولنا لاستيراد صناعات جاهزة لإحداث التنمية وهاهي السياسات العربية في مجال تكنولوجيا المعلومات تنحى باتجاه استيراد مخرجات ووسائل التكنولوجيا لعل وعسى يحدث ذلك تقدماً مماثلاً لما هو حاصل في أوروبا.
وفي الفصل السادس (مؤشرات انتقال الدول العربية إلى مجتمع المعلومات) فهو عبارة عن دراسة حالة أجراها المؤلف عن المملكة الأردنية، أما الفصل السابع في خصصه المؤلف لأخلاق مجتمع المعلومات، فكما هو معلوم أهمية تحديد ضوابط أخلاقية تتوافق عليها المجموعات والمهن والمجتمعات. ففي المهن الطبية نجد مثلاً قسم أبو قراط الذي يحدد أخلاق الطبيب، وهناك قسم ومواثيق وأسس مكتوبة لمختلف المهن والوظائف في المجتمع، وقد يستطيع صاحب المهنة أن يخرق قواعد تنظيم المهنة التي تحددها نقابتها، مما يعرضه لعقوبة بسيطة أو شديدة، ولكنه إذا خرق أسس أخلاق المهنة، وثبت عليه ذلك فإنه لا يعاقب فقط وإنما يطرد من مهنته، من هذا المنطلق يبدأ المؤلف في سرد فصله عن أخلاق مجتمع المعلومات، وفي الفصل الثامن تناول المؤلف المتخصصين في علم المكتبات والمعلومات ودورهم في مجتمع المعلومات، وأنهى المؤلف كتاب بفصل كامل يحوي أهم التوصيات التي خلص بها من الدراسة حول انتقال المجتمعات العربية إلى مجتمع المعلومات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
4203
| 07 يوليو 2026
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3999
| 04 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1443
| 05 يوليو 2026