رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حينما تقرأ أن 680 كيلوجراماً من الأدوية والأغذية والمبيدات الزراعية كان مصيرها الإعدام والحرق بسبب انتهاء صلاحيتها، فقد لا يعد هذا الخبر مثيراً لقراءته، ولكن حينما نعلم بأن هذه المئات من الكيلوجرامات من الدواء والغذاء قد أحرقت على بعد خطوات قليلة من قطاع غزة، بعد أن تكدست على معبر رفح المصري دون أن تسمح السلطات المصرية بعبورها لشعب غزة المحاصر منذ سنين، وجاءت مجزرته الأخيرة لتزيد من الحرمان والألم لتنتهي صلاحيتها وتلقى إعداماً ما كان ليقع لو سمحت مصر مبكراً بدخولها لشعب غزة، وإنقاذ حياة أطفاله وشيوخه ونسائه!..هل يعقل ذلك؟!.. هل يعقل أنه في الوقت الذي نناشد العالم الدولي تجريم إسرائيل وحث "البلاوي الملحدة الأمريكية" على تنشيط حلم الدولة الفلسطينية وكف جماح نتنياهو في استمرار بناء المستوطنات نجد من أهلنا من يساعد على قتل هذا الشعب رغم إنه إكلينكياً ميت ميت؟!!.. هل يعقل أن تلقى مثل هذه الشحنات الكبيرة من الغذاء والدواء المخصصة لشعب يقاسي ولا يزال يقاسي مرارة الحرمان وأشباح الموت في كل لحظة ووقت مثل هذا المصير رغم أنه كان من المفترض أن يتنعم به أهل غزة ولو لوقت يسير؟!.. ماذا جرى يا عرب؟!.. ما الذي جعلنا ننظر لبعض وكأننا نتآمر خفية وفي العلن على فلسطين وأهلها؟!.. لماذا أصبحت هناك مزايدة على مواقفنا العربية التي يجب ألا تختلف في قضية فلسطين؟!!.. هل من المعقول أن تطالعنا الصحف بمثل هذه الأخبار المخزية في الوقت الذي رصدنا فيه جهوداً لمنظمات إنسانية أجنبية لمساعدة غزة وإعمارها؟!!.. هل من المفترض أن نقف عند أسباب مصر في منع دخول هذه المساعدات الزهيدة ونقتنع بها في الوقت الذي يقف فيه نواب مصريون وأساتذة ومثقفون أحرار لم يستسلموا لمخططات الانقلاب يطالبون السيسي بفتح المعبر دائماً وألا يغلق تحت أي أسباب نراها تصب في صالح الإسرائيليين وأمنهم؟!!.. ألا تشعرون بالقهر والأسف وأنتم تعدمون هذه الكمية التي تعد ضئيلة أمام احتياجات شعب غزة الكبيرة والكثيرة في الوقت الذي كان يجب إيصالها لأصحابها منذ وقت وصولها للمعبر إيذاناً بدخولها غزة؟!!..تباً كيف تفكرون وأي حجج تسوقونها للتبرير بل أي عقول ستصدقكم وأنتم بحاجة إلى عقول أكبر لاختراع حجج أكثر إقناعاً؟!!.
وللأسف إن وقت الإعدام السافر هذا يأتي في الوقت الذي كان يأمل فيه الناشط والنائب البريطاني البطل جورج غالاوي بعد صعوبات وعراقيل وضعتها الحكومة المصرية لإفشال مهمته في إنجاح إدخال شحنات غذائية ودوائية امتداداً لحملته الإنسانية (شريان الحياة) والمخصصة لإنقاذ شعب غزة تقدر بملايين الدولارات بجانب أكثر من 200 شخص أمريكي يتضامنون مع المأساة التي يتعرض لها شعب غزة عبر معبر رفح الذي يأمل غالاوي ألا يصطدم بالروتين والعقلية التي تحرس أمن إسرائيل وليس مصلحة شعب غزة كما أصبح يقال للأسف!!.. (وأزيدكم من الشعر بيتاً) حيث سيرافق غالاوي الشجاع عدد من اليهود خاصة من جماعة "ناطوري كارتا" المعادية للصهيونية والتي يضع أعضاؤها على صدورهم شعار "أنا يهودي ولست صهيونياً" و"تحيا فلسطين"!.. فماذا تريدون أكثر من هذا ياعرب؟!.. ماذا تريدون والمساندة تأتي من مسيحيين ويهود؟!..ماذا تريدون والنصرة تأتي من أبناء الإنجيل والتوراة بينما أبناء القرآن يعدمون الغذاء والدواء على مرآى من أهل غزة وكانهم يقولون لهم متى ما أردنا أعطينا ومتى نشاء نمنع؟!..بالله عليكم ألا يصيبكم نوع من الحرج؟!.. نوع من فوران الدم مثلاً — طبعاً هذا في حال وجود الدم من الأساس —؟!.. ماذا تريدوننا أن نقول وكل الأفواه الشعبية تصمت حينما تأمر الحكومات العربية؟!.. ماذا نقول وقد تعودنا — والفضل يعود لكم في هذا — إنكم ترون مالا نراه نحن الجماهير البسيطة التي تطالب بعواطفها بينما أنتم تتوقفون لدراسة كل المعطيات بالورقة والقلم والمباحثات والاتصالات واللقاءات والاجتماعات والمبادرات والمسألة أبسط من كل هذا والله!.. أبسط من أن أرهن مصير دولة فلسطينية وحياة شعب على مزاجية كل رئيس حكومة إسرائيلية يتقلد منصب رئيس وزراء إسرائيل.. أبسط من أنتظر أي رئيس أمريكي (معتدل) يدخل البيت الأبيض ويتسلم مهمة قيادة العالم ويتلطف بنا (ويا تصيب ولا تخيب)!.. أبسط من أن ينظر كل منا لنفسه قائداً بينما هناك في الأرض المحتلة شعب يتعرض للفناء على بكرة أبيه.. أبسط من أن نتآمر بينما الأفواه الغزاوية مفتوحة للدواء والغذاء أو لأكفان بيضاء تستر ما تبقى من الأجساد!.. المسألة مسألة إحساس بألم غزة وشعور بحرمان غزة وتصديق بأن العروبة ليست تشريفاً بقدر ماهي تكليف لأداء ما تتطلبه من احتياجات وأمور تثبت أن العروبة تعني إحساسا بالنهاية، ما أكثر الذين يفقدون الإحساس في هذا الزمن!.. فبالله عليك يا غالاوي هل من الممكن أن تعيرنا (رشة جريئة) من الإحساس بس!!
فاصلة أخيرة:
يعيبون علينا بما هو لا دليل عليه.. وننتقدهم فيما هو ثابت عليهم.. وما بين العيب والانتقاد أن الأول يظل عيباً يفتقر صاحبه لمعنى التربية والأدب.. بينما الثاني يدل على أن التهذيب غلاف أنيق له!!..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4557
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4227
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1638
| 12 مايو 2026