رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أمامك مدخلان لتقييم العام الأول للثورة في مصر. فإما أن تقرأه من خلال ما جرى أمس. حين انعقد أول برلمان يشكل بالانتخاب الحر منذ ستين عاما على الأقل. أو أن تقرأه من خلال الاستماع إلى أصوات الغاضبين الذين سيحتشدون غدا في ميدان التحرير.
(1)
إن شئت فقل إن الحدث الأول يمثل النصف الملآن من كأس الثورة. في حين أن الحدث الثاني يجسد نصفه الفارغ. ذلك أن انعقاد مجلس حقيقي للشعب حدث كبير لا ريب. وأضع أكثر من خط تحت كلمة «حقيقي»، لأننا منذ منتصف القرن الماضي لم نعرف سوى مجالس مزورة وانتخابات مغشوشة ونوابا أغلبيتهم الساحقة كانت تمثل الحكومة والأمن بأكثر مما تمثل الشعب. وهؤلاء كانوا يتسترون على الحكومة ولا يراقبونها. ولعل كثيرين يذكرون أن مجلس الشعب الأخير الذي تم انتخابه في عام 2010 صمم بحيث يمرر عملية توريث السلطة. ولم يسمح إلا لأحزاب الموالاة بتمثيل رمزي إلى جانب الحزب الوطني، الذي احتل 420 مقعدا من 495 كما تم إنجاح 6 من حزب الوفد وخمسة من حزب التجمع. أما الإخوان الذين نجح منهم 88 نائبا في انتخابات عام 2005، فلم يسمح إلا لواحد فقط بتمثيلهم في البرلمان.
الانتخابات الحرة التي جرت بعد الثورة فضحت فحش التزوير. فالإخوان الذين لم ينجح منهم في عام 2010 سوى واحد فقط، فاز حزبهم «الحرية والعدالة» بــ218 مقعدا. وحصد التحالف الديمقراطي الذي أقاموه 45.8? من مقاعد المجلس. والسلفيون الذين لم يظهروا في البرلمان من قبل فازوا بـ123 مقعدا، وحصل الوفد على 42 مقعدا، كما حصل تحالف الكتلة المصرية على 33 مقعدا.
لدى ملاحظتان على النتائج الرسمية التي أعلنت ظهر السبت الماضي. الأولى أن حزب التجمع اليساري لم يحصل على أكثر من 3 مقاعد فقط رغم أنه موجود في الساحة المصرية منذ نحو 35 عاما «تأسس في سنة 1976»، في حين تجاوزته بكثير أغلب الأحزاب التي تشكلت قبل أشهر معدودة. وللعلم فإن حزب البديل الثوري «اليساري في تونس» جاء بدوره في ذيل الناجحين في انتخابات المجلس التأسيسي في تونس، حيث حصل أيضا على ثلاثة مقاعد فقط.
الملاحظة الثانية أن الإسلاميين مجتمعين حصلوا على ما يجاوز 72? من مقاعد مجلس الشعب، في حين أن الذين وافقوا على التعديلات الدستورية كانوا 77?. ورغم أن التعديلات لم تكن لها علاقة بالهوية الإسلامية. إلا أن حملة العلمانيين والليبراليين عليها استنفرت الصوت الإسلامي ودفعته إلى التصويت لصالحها، وهذا التشابه في النسب قرينة مهمة دالة على أن ثلاثة أرباع الشعب المصري علـى الأقل منحازة إلى هويتها الإسلامية وبصرف النظر عمن يعبر عنها، وهي رسالة مهمة يتعين على الجميع احترامها ووضعها في الحسبان دائماً.
(2)
الأهم من فوز هذا الفصيل أو ذاك أن مجلس الشعب شكلته لأول مرة الإرادة الشعبية الحرة في ظل إقبال جماهيري هادر، كان إعلانا عن عودة المصريين إلى السياسة بعد طول هجر وغياب. ليس ذلك فحسب وإنما من شأن تشكيله أن ينقل سلطة التشريع من المجلس العسكري إلى المجلس المنتخب. وتلك خطوة مهمة للغاية تعني أننا قطعنا نصف الطريق تقريبا لتسليم السلطة إلى المدنيين، حيث لم يتبق بعد ذلك سوى انتخابات مجلس الشورى وانتخاب الرئيس وإعداد الدستور الجديد.
رغم أننا بتشكيل مجلس الشعب نكون قد أقمنا على الأرض أول مؤسسة منتخبة في النظام الديمقراطي المنشود، ومن ثم جسدنا حلما ظننا أنه بعيد المنال، إلا أن البعض استنكروا ما جرى واستقبلوا الحدث بخليط من مشاعر الامتعاض والخوف، وهو ما عبرت عنه مقالات عدة نشرت خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب سيل الصور الكاريكاتورية التي لم تكف عن السخرية من الاختيار الشعبي وتشهر به. بل ذهب البعض إلى الادعاء بأن الثورة «سرقت»، رغم أن الجماهير التي ثارت هي ذاتها التي صوتت في الانتخابات.
أدري أن ما صدر عن بعض الإسلاميين والسلفيون منهم بوجه أخص كان يستحق الإنكار والامتعاض، لكن المشكلة أنه لم يعط حجمه، وإنما بالغ إعلام الإثارة والتربص في تسليط الأضواء عليه وتعميمه، حتى بدا وكأن تلك الآراء التي عبر عنها آحاد الأفراد هي موقف الجميع، وهى النموذج الذي سيفرض على المجتمع في نهاية المطاف. الأمر الذي أعطى انطباعا بأن إنجاز الانتخابات نقلة سياسية إلى الأمام. وفي الوقت ذاته ردة حضارية إلى الوراء. ولأن الأمر لم يكن كذلك لضرورة، فقد أعاد ذلك النهج إلى الأذهان صورة «الفزاعة» الإسلامية التي جرى الترويج لها في العهد السابق، لأن التعبئة الإعلامية التحريضية والمضادة كانت بمثابة إعادة إنتاج للفزاعة نفسها.
حين خيم جو التشاؤم والتخويف الذي حرص البعض على إشاعته، لم تر إنجازات كثيرة تحققت. لم ير هؤلاء أجواء الحرية التي أنعشت المناخ العام، وفتحت الأبواب لمشاركة كل التيارات في العمل السياسي دون وصاية أو إقصاء. ولم ينتبهوا إلى أجواء النزاهة غير المسبوقة التي تمت في ظلها الانتخابات، ولم يلاحظوا أن الانتخابات رسمت لأول مرة صورة الخريطة السياسية للمجتمع المصري، وحددت أحجام وأوزان تلك القوى. ولم يعبأوا بكون انتخاب مجلس الشعب، على علَّاته، يمهد لإخراج العسكر من المشهد وتسليم السلطة للمدنيين. كذلك لم ينتبهوا إلى أن انتخاب الإسلاميين ليس مكافأة لهم، وإنما هو حقيقة الأمر امتحان عسير لجدارتهم ولمشروعهم، النجاح فيه يعود على المجتمع بالخير. أما الرسوم فهم وحدهم الذين سيدفعون ثمنه. حيث سيتعرضون للتصويت العقابي في أول جولة لاحقة.
(3)
الغاضبون الذين سيخرجون إلى ميدان التحرير محقون في موقفهم، وإن اختلفنا معهم في وسائل التعبير عنه. ومصدر الغضب الرئيسي هو سلسلة الأخطاء التي وقع فيها المجلس العسكري، وكان استخدام العنف ضد المتظاهرين والمعتصمين على رأسها. لقد أدى ذلك العنف إلى قتل حوالي مائة شخص وإصابة نحو 12 ألفا تمت معالجتهم باستثناء 3500 لا يزالون تحت العلاج، وهؤلاء بينهم 20 شخصا فقدوا أعينهم و12 أصيبوا بالشلل الرباعي. هذا العنف الذي أعاد إلى الأذهان أساليب النظام السابق، لم يعتذر أحد عن وقوعه، ولم يعرف الفاعلون المسؤولون عنه، وبالتالي لم يحاسب عليه أحد، وإنما ظل الخطاب الرسمي يتحدث عن «طرف ثالث» ضالع فيه، الأمر الذي كان يعني قيد كل تلك الجرائم ضد مجهولين. وهي خلاصة لم تقنع أحدا، وأدت إلى سحب الكثير من رصيد الثقة في المجلس العسكري. وعندما حدث ذلك فإن المجتمع الذي شعر بالإهانة لم يخف تململه وغضبه. وكان الشباب أكثر الفئات انفعالا وأشدهم جرأة في التعبير عن ذلك الانفعال.
ليس لدى اعتراض على من يقول إن المتظاهرين الغاضبين وقعوا بدورهم في أخطاء، أو ذهب آخر إلى أن البلطجية وأرباب السوابق اندسوا في أوساطهم وفعلوا أفاعيلهم الشريرة. أو ادعى ثالث أن الفلول لم يكفوا عن إذكاء الغضب وإشاعة الفوضى. هذا كلام أفهمه وقد لا أنفيه، لكن ذلك كله في كفة وأخطاء المجلس العسكري في كفة أخرى. فالأولون مجهولون وأعضاء المجلس العسكري معلومون، والأولون أفراد أو جماعات لا سلطان لهم على الشارع، والآخرون يحكمون البلد وأصحاب قرار في مصائر البلاد والعباد. ثم إنه لا وجه للمقارنة بين أناس معتصمين أو شبان متظاهرين يرفعون اللافتات ويهتفون أو حتى يرشقوا بالحجارة، وبين من يوجه الشرطة العسكرية وقوات الأمن المركزي المعززة بالرشاشات والعصي المكهربة وقنابل الغاز المسيل للدموع والمدعومة بالدبابات والمدرعات.
لم أتحدث عن تدليل المسؤولين عن الفساد والقمع من أركان النظام السابق، ومقارنة ذلك بالمعاملة الخشنة والقاسية التي عومل بها المتظاهرون والمعتصمون من شباب الثورة، ولا عن التراخي في محاكمة المسؤولين عن قتل نحو 850 من الثوار قبل تنحي مبارك. ولا عن تلفيق التهم بعد التنحي للناشطين واحتجازهم ومداهمة مقراتهم، ولا عن جرائم كشف عذرية الناشطات أو هتك أعراضهن. الخ. لكن ما يهمني في الشق المتعلق بالنصف الفارغ من الكأس هو عقدة العنف التي أفرزت بحيرة الدم وأحدثت فجوة عميقة في العلاقة مع المجلس العسكري، الأمر الذي يصعب تجاهله ولا مصلحة لأحد في استمراره.
(4)
أدري أن ثمة شططا من جانب بعض الغاضبين وصل إلى حد اتهام المجلس العسكري بقيادة الثورة المضادة، وأن المشير طنطاوي رئيس المجلس طاله بعض الرذاذ من جراء ذلك، ولكني أذكر بالمثل العربي القائل بأن من طالت عصاه قلَّت هيبته، وأن العنف المفرط الذي استخدم في بعض الأحيان هو الذي أثر على مكانة المجلس ونال من هيبته، وأن رفض الاعتراف بالخطأ أو الاعتذار عنه هو الذي دفع الغاضبين إلى ما قد يعد تطاولا أو اجتراء، وللعلم فإن ذلك الاجتراء لم يكن من نصيب الشبان الغاضبين وحدهم، ولكننا وجدنا له صدى في وسائل الإعلام حتى كانت بعض عناوين صحيفة الوفد يوم الخميس 19 يناير كالتالي: الشعب يريد رأس المشير ــ مبارك وطنطاوي خيبة واحدة ونهاية واحدة!
للأسف الشديد فإن البعض أخذوا ببركة الدم ووقفوا عندها، بحيث لم يروا غيرها ولم يعد يشغلهم سوى الثأر للشهداء والدفاع عن حقوق المصابين والضحايا. وقد تمكن منهم الحماس إلى الحد الذي حجب عنهم أي إنجاز آخر تحقق خلال العام الأول للثورة. ولأن القضية الاستراتيجية هي إقصاء المجلس العسكري وتسليم السلطة إلى المدنيين وتأسيس النظام الديمقراطي البديل، فينبغي ألا نلجأ إلى أي أسلوب أو تصرف يعطل بلوغ ذلك الهدف. إلا أنني أزعم بأن التقدم في ذلك الاتجاه الآن يتطلب إجراء مصالحة بين المجلس العسكري والغاضبين الذين يحركهم الوفاء للشهداء والمصابين. ولا أرى سبيلا إلى إجراء تلك المصالحة إلا بتعويض أسر الشهداء والمصابين وتقديم الرعاية المستحقة لهم، وبمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بحق المتظاهرين مهما علا مقاسهم. وتلك المحاسبة وحدها هي التي تفتح البال للعبور فوق بركة الدم، لكي يصبح الجميع مرة ثانية «يدا واحدة». هل يستطيع مجلس الشعب المنتخب أن يؤدي دوراً في إتمام تلك المصالحة؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8910
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3912
| 23 سبتمبر 2026