رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد ينفعُ الأدبُ الأولادَ في الصغر ،، و ليس ينفعهم من بعدهِ أدبُإن الغصون إذا عدلتها اعتدلت ،، و لا تلينُ و لو ليّنتَه الخُشُبُ تَحينُ ساعةُ الصفر ..بعد تسعة أشهر من العناء و الوهن ..يأتي فَرج الله في هذه السويعات ، فيتعاظم ألم الطَلق ، و تشتد أعصاب المُنتظرين ، إلى أن يُحدث الله بعد ذلك أمراً ..تَصيحُ إحداهن : ( مبروك ولد ) ..!!هي البشارة إذاً ، هي الفرحة العارمة ، و البقاء للاسم و العائلة ، هو ( الولد ) ، و تتعالى أصوات المُهنئين : ( مبروك الطارش ، مبروك الرجال ) .. نعم ، فإلى الآن ، و تلك الثقافة مسيطرة على المجتمعات العربية ، لعلّها أعراف جاهلية محضة ، و تقاليد اجتماعية بغيضة ، إلا أنها موجودة ، هي الرغبة في إنجاب الذكور فضلاً عن الإناث . و لكن ..!!هل يستمر ذلك الطارش افتخاره برجولته أو بالأحرى – بجنسه الذكوري - ، كما افتخر بها أبواه يوم مولده ..!!لعلّ موقفاً صادفته ، هو الذي أثار عاصفة الأفكار تلك في ذهني المصعوق ، حيث كنتُ في إحدى الأماكن العامة في فترة العصر ، إذ دخلَ شخصان خُيّلَ لي أنهم فتيات من مظهرهم و لبسهم ، فلم أدقق النظر ، لأكمل ما كنتُ قد جئت لأجله ، اقتربتا إلى أن وصلتا الطاولة التي بجانبي ، فسمعت إحداهن و هي تقول : ( سوسو تعالي ) ..التفت بصورة عفوية ، فإذا هم رجالٌ في زمنٍ مضى ..!!رجالٌ كانوا ، و إناثٌ صاروا ..!!تساءلتُ في نفسي مُنذهلة : ( سوسو ، أقد كان يوماً ما سعد أو سعيد أو سعود أو سالم أو سلمان أو سليمان أو سفيان ..!!)سفيان ..!! تذكرت فجأة سفيان الثوري - رحمه الله - الإمام الورع التقي ، سفيان الذي قال يوماً : ( لو أن اليقين استقر في القلب كما ينبغي لطار فرحاً ، وحزناً ، و شوقاً إلى الجنة ، أو خوفاً من النار ) ، سفيان الذي إذا تعِب من قراءة القرآن وضعه على صدره ، حرصاً على القيام للصلاة في الثُلث الأخير من الليل ، و إذا نام فزع من نومه ينتفض ينادي : ( النار النار ، شغلني ذكرُ النار عن النوم و الشهوات ) ثم ما لبثتُ أن عدتُ إلى أرض الواقع ، لأرى ( سوسو ) أمامي ، بأنوثتها و خجلها و ضحكها و تغنجها ، و رداءها الزهري ..!!أَيُعقل أن ( سوسو ) فرِحَ بهِ أبوه يوم مولده أن جاء له ( مسنده ) في هذه الدنيا ..!؟ أيُعقلُ أن أُطلق عليه ( الطارش الرجال يوماً ما ) أفرِحَ به أهله و أقاربه ..!!إذاً لماذا لم تتحوّل تلك الفرحة العارمة إلى جهدٍ جبار في التربية السليمة الصحيحة ، لماذا لم يغرسوا في نَفسِهِ أن تحوّله من رجلٍ إلى أنثى هي انتكاسة للفطرة ، و قتل للرجولة ، و امتهان للشخصية ، و طعنة نجلاء للفضيلة و الأخلاق ، و جرٌ للأمة إلى انحلال فاجر و إباحية ممقوتة .كنتُ أتساءل في حيرة ، كيف خرج بهذا المنظر من بيته ، ألم يُنكرَ أهل بيتهِ عليه شذوذه ..!!؟؟ أليس اللوم هنا مُلقىً على عاتق الأهالي أولاً و أخيراً ، فالتربية هي اللبنة الأولى في السلوك القويم و النشأة الصالحة ، فإن كان الإهمال و التقصير من جانب الآباء و الأمهات ، فماذا ننتظر منهم إلا الانحراف ، و التخبط في حياة الانحلال و الإباحية ..!؟ ألم يُرددوا على مسامعهم قول حبيبنا و نبينا محمد صلى الله عليه و سلّم : ( لعن الله المخنثين من الرجال ، و المترجلات من النساء ) و هو الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلاّ وحيٌ يُوحى ..!! ، فلله در من قال : و ليسَ النبتُ ينبتُ في جنانٍ ،، كمثل النبت ينبت في الفلاةو هل يُرجى لأطفالٍ كمال ،، إذا ارتضعوا ثُدي الناقصاتِ أيضاً ، لا أُبرئ هنا جانباً مُسانداً خفيّاً لأولئك الفئة ، فكل جميلٍ و قبيح إذا قُوبل بالإهمال ( مات ) ، و يبدو أن تلك الفئة لم تُقابل بالإهمال ، فإن هم لم يجدوا التشجيع لما استمروا بقوة ، و تواجدوا بثقة .إن الله تعالى لم يحرّم أمراً من عبَث ، و لم يمقتُ شيئاً بلا سببٍ ، فالتخنث لا يليق بشهامة الرجل ، و الترف لا شك يؤدي إلى الانحلال و الفساد ، فإن أردنا العيش في مجتمع إسلامي سليم قويم فعلينا تطهيره ، و التخنث إحدى وجوه الفساد الذي يعيق طهارته .. و هنا لعلّ التربية الموجهة للأبناء وحدها لا تكفي ، فالتربية تبدأ من الوالدين أنفُسَهُم ، لأنهم أساس الأسرة ، و المَثلُ الأعلى لأفرادها ، و من ثم التربية السليمة للأبناء على نهجِ ( قال الله و قال الرسول ) ، التربية من جميع جوانبها ( الإيمانية ، و النفسية ، و الجسدية ، و الخُلقية ... ) ، و لا ضير من التدليل المُعتدل فهو مطلوبٌ بلا شك تحت راية القاعدة الدينية ( لا إفراط و لا تفريط ) .كل ذاك بمعيّة الدعاء و التضرّع لله عز وجل ، بتمام صلاحهم ، و أن يحفظ دينهم ، و يُنزل عليهم رحمته و ينشر عليهم حكمته ، و أن يهب لهم ديناً قيّماً ، و قلباً خالصاً ، و عقلاً كاملاً ، و لباً راجحاً ، و عزماً ثاقباً ، و أن يحفظهم بحفظه و قدرته من فتنٍ كقطع الليل المُظلم .. و الرسول عليهِ السلام وصّى و أكّد بضرورة العناية بالأولاد و وجوب الاهتمام بأمرهم و تربيتهم ، قال عليه السلام : ( مروا أولادكم بامتثال الأوامر و اجتناب النواهي ، فذلك وقاية لهم من النار ) فبأي حديثٍ بعده يؤمنون ..!!؟
مستشفى الأمل
هدوء يهبط على الشارع المؤدي للأمل، كأن الطرق التي تركناها خلفنا، إنما تركناها من عالم لعالم آخر، و... اقرأ المزيد
1211
| 07 يوليو 2014
انهزامية المثقف
كانت ممسكة بحقيبتها وبعض الأوراق عندما دخلَت الرواق الذي يفضي إلى قاعة الملتقى الأدبي، وكنت أقف على الباب... اقرأ المزيد
2299
| 26 مايو 2014
الكلمة العبقرية
تعرّف الكتابة بأنها " إعادة ترميز اللغة المنطوقة في شكل خطي على الورق، من خلال أشكال ترتبط ببعضها... اقرأ المزيد
1540
| 12 مايو 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4092
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2130
| 23 أغسطس 2026
بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل في شمالها خمس وعشرون دقيقة بالسيارة. هذه هي المسافة على الخريطة. أما ما تقطعه في نفسك وأنت تقود بينهما، فرحلة بين قطر وقطر، وأظنها تختصر قصة تحولاتنا كلها. نظن أن العمارة شأن هندسي، وأن الحجر جماد لا رأي له. وهذا وهم. كل مخطط سكني هو قرار في العلاقات الإنسانية قبل أن يكون قرارًا في الخرسانة. حين تحدد عرض الشارع، فأنت تحدد هل سيسلّم الجار على جاره أم سيراه من خلف زجاج سيارته. وحين تختار موقع المسجد، فأنت تقرر ما إذا كان الأذان سيصل إلى الناس في بيوتهم أم سيحتاجون إلى عربة ليبلغوه. الجماد ليس صامتًا، بل يقول شيئًا كل يوم، ونحن نسمعه ولا ننتبه. في واقف، الممرات ضيقة. وهذا الضيق ليس عيبًا في التصميم، بل هو التصميم نفسه. الممر الضيق يجبرك على الاحتكاك بالناس، وعلى السلام عليهم، وعلى شمّ روائح البخور والتوابل. الدكاكين متلاصقة بلا أسوار، وبعضها مفتوح بلا حارس. الوزير والغفير يمشيان على الأرضية الخشنة نفسها، ويجلسان على الدكة الخشبية نفسها. والشراء هناك ليس تمريرًا لباركود على جهاز صامت، بل مكاسرة وسوالف وسؤال عن الأهل. المسجد في القلب لا على الهامش، والسكينة تغشى الجالسين على كثرة الزحام. مكان صُمّم كله ليقول «نحن»، لا «أنا». ولوسيل شيء آخر. أبراج شاهقة وزجاج نظيف وشوارع عريضة وحدائق مرتبة وعمارة تستحق الإعجاب حقًّا. لكن الشوارع العريضة تفصل الناس. أنت لا تمشي مع أحد، بل تمشي بجواره أو تراه من نافذتك. كل برج جزيرة مستقلة بخدماتها وحراستها، وأنت لا تعرف من جارك. المسجد موجود، لكنه صغير أو مخفيّ إلى جانب المولات وملاعب الغولف والمقاهي. والصوت الطاغي ليس الأذان، بل موسيقى الفعاليات وأزيز السيارات الفارهة. وحين تجلس في مقهى هناك، فالغالب أن جلستك ليست للحديث العميق، بل ليكون المكان خلفيةً مناسبة لصورة تُنشر بعد قليل. والمواطن يعيش بين المدينتين هجرةً يومية. في لوسيل يرتدي قناع الحداثة، ويتحدث الإنجليزية، ويقدّس الكفاءة والسرعة، ويريد أن يراه العالم متطورًا. وفي واقف يخلع القناع ويبحث عن الدفء واللمّة والأكل باليد، وعن شعور بأنه ما زال هو. لوسيل تمنحه الرفاهية وتتركه يشعر ببرد روحي، وواقف تمنحه الدفء ولا تصلح لإدارة مستقبله. فهو لاجئ دائم بين زمنين: لا يستطيع أن يستقر في ماضٍ قد مات، ويخاف أن يستقر في مستقبل بلا روح. وليست هذه رحلة في العمران وحده. الأسرة التي كان العشاء فيها موعدًا مقدسًا صارت جناحًا وشاشة لكل فرد. والسوق الذي كان البيع فيه سوالف ومكاسرة صار مكانًا لا تشتري فيه بضاعة بل صورة عن نفسك. والدِين الذي كان نظام تشغيل لليوم كله صار شعيرة تُؤدّى ثم يُغادَر إلى حياة أخرى. المدينتان لا تصنعان هذا الانشطار، بل تكشفانه. الحجر مرآة، والصورة التي فيه هي صورتنا. وهنا موضع الخطأ الذي أخشاه: أن يُقرأ هذا الكلام حنينًا. لست أدعو إلى هدم لوسيل والعودة إلى الدكاكين الطينية، ولا أظن أحدًا يريد ذلك جادًّا. لوسيل إنجاز يستحق الفخر، والعودة إلى الوراء ليست خيارًا مطروحًا أصلًا. لكن الفخر بالمبنى لا يعفينا من السؤال عن المعنى الذي يسكنه، وليس في الدنيا قانون يقول إن الحداثة تشترط البرود. المطلوب مدينة ثالثة في صورة حياة تناسبنا وتجمع شتاتنا. نأخذ من لوسيل تقنيتها ونظافتها وكفاءتها وسعتها، ونأخذ من واقف روحها ومركزية مسجدها وفضاءاتها التي تُمشى على الأقدام وتلاصق بيوتها ودفء جيرتها. مدن حديثة بقلب فريج قديم. وهذا ليس شعرًا، بل قابل للقياس والاشتراط. فليكن من شروط اعتماد أي مخطط سكني جديد أن يحقق حدًّا أدنى من الكفاءة الاجتماعية: ممشى مظلل يُستعمل في الصيف لا في الصوَر، وساحة التقاء في قلب الحي لا على أطرافه، ودكة جلوس، ومسجد في المركز تبلغه على قدميك في دقائق. وليكن للأحياء مؤشر عزلة يُنشر ويُتنافس عليه، كما تُنشر مؤشرات الطاقة والاستدامة. فما دمنا نقيس استهلاك المبنى للكهرباء، فمن الإنصاف أن نقيس أثره في علاقات ساكنيه. نحن نحتاج إلى عمارة تعيد الناس بعضهم إلى بعض. وحتى نبلغ هذه المعادلة، سيظل المواطن يقود سيارته في ذلك الطريق السريع بين المدينتين، بين الأصالة والحداثة، باحثًا عن روحه التي أضاعها في زحام رحلة التطور. ما أبعدها من خمس وعشرون دقيقة.
1935
| 19 أغسطس 2026